مخالفا الإجراءات الدستورية.. كيف يسعى ترامب لـ"تأميم" انتخابات أمريكا؟
كتب : محمود الطوخي
الرئيس دونالد ترامب
كشفت وكالة "رويترز" البريطانية، عن جهود أوسع نطاقا مما كان معروفا سابقا تبذلها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفرض نوع من السيطرة الفيدرالية على انتخابات أمريكا، التي تُدار تاريخيا على المستوى المحلي، في 8 ولايات على الأقل؛ عبر استخدام التحقيقات والمداهمات والمطالبة بالوصول إلى أنظمة الاقتراع وهويات الناخبين.
بدأ هذا المسعى الممنهج في يناير الماضي، حين تلقى مجلس الانتخابات في مقاطعة فرانكلين بولاية أوهايو مكالمة مفاجئة من شخص ادعى أنه عميل في وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، مطالبا بالوصول الفوري إلى سجلات الناخبين.
وتعد مقاطعة فرانكلين ذات الكثافة الديمقراطية العالية، بؤرة لشكوك الجمهوريين حول مراكز التصويت الحضرية في أوهايو.
وفي الأسابيع اللاحقة، تضاعفت الطلبات الفيدرالية.
ووفقا لرسائل بريد إلكتروني، طلب العميل نماذج تسجيل الناخبين وتاريخهم الانتخابي لعشرات الأشخاص، وهي سجلات تتضمن أرقام رخص القيادة وبيانات سرية أخرى.
وضغط العميل للحصول على معلومات حول مجموعات تسجيل الناخبين المحلية، واصفا الطلب بأنه "تحقيق" و"عاجل للغاية"، دون تقديم أي تفسير للأسباب التي دفعت لهذا التحقيق أو الوجهة التي يتجه إليها.
صدمة دستورية وتغلغل في مفاصل الولايات
أثارت هذه الطلبات صدمة لمسؤولي الانتخابات في المقاطعة؛ فبموجب الدستور الأمريكي، تُدار الانتخابات حتى للمناصب الوطنية مثل الرئاسة من قبل الولايات وليس الحكومة الفيدرالية.
وما عزز من حالة الارتباك، هو أن مهمة وزارة الأمن الداخلي ركزت تقليديا على مكافحة الإرهاب وأمن الحدود وإنفاذ قوانين الهجرة، وليس التدقيق في سجلات الناخبين.
وصرح أنطون وايت مدير الانتخابات في المقاطعة لـ"رويترز" بأن: "لم نتلقَّ مكالمة من الأمن الداخلي من قبل، لذا كان الأمر غير معتاد"، مؤكدا أنه امتثل للطلب رغم أنه لا يزال يجهل الغرض من التحقيق.
وفي حين رفضت وزارة الأمن الداخلي التعليق على عملية أوهايو، أكدت أن عملاءها "يعملون بنشاط على كشف وتحقيق تزوير الانتخابات أينما وجد".
وتعد واقعة أوهايو جزءا من نمط أوسع وجدته الوكالة البريطانية في 8 ولايات على الأقل؛ حيث انتشر مسؤولو إدارة ترامب والمحققون في جميع أنحاء البلاد، باحثين عن سجلات سرية، وضغوط للوصول إلى معدات التصويت، وإعادة فحص قضايا تزوير الانتخابات التي سبق أن رفضتها المحاكم والمراجعات الحزبية.
تحركات مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة العدل في الولايات المتأرجحة
في نيفادا، سعى مكتب التحقيقات الفيدرالي "إف بي آي" للحصول على معلومات الناخبين من مكتب سكرتير الولاية كجزء من تحقيق لوزارة العدل في انتخابات 2020.
وصرح سيسكو أجيلار سكرتير ولاية نيفادا المنتمي للحزب الديمقراطي، بأن التحقيق كان له "تأثير ترهيبي" على الموظفين، مؤكدا أن مكتبه أبلغ مكتب التحقيقات الفيدرالي بأن البيانات المطلوبة غير موجودة، ليتم إغلاق التحقيق لاحقا دون توجيه تهم.
وفي كولورادو، تواصل جيف سمول وهو ناشط مرتبط بإدارة ترامب وعمل سابقا كمستشار لوزير الداخلية الأمريكي، مع مسؤولين جمهوريين محليين لمناقشة الوصول إلى آلات التصويت.
وأكد ستيف شليكر المسؤول في مقاطعة "إل باسو" والمنتمي للحزب الجمهوري، أنه تلقى مكالمة من شخص ادعى أنه مسؤول رفيع في وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، طلب فيها الوصول إلى آلات تصويت "شركة دومينيون لأنظمة التصويت"، وهو ما رفضه شليكر واصفا إياه بانتهاك لقانون الولاية.
أما في ميزوري، تدخل أندرو ماك وارنر الذي شغل مناصب قيادية في قسم الحقوق المدنية بوزارة العدل خلال إدارة ترامب، سعيا للوصول إلى معدات التصويت وسجلات الانتخابات في مقاطعتين على الأقل، وهو ما قوبل بالرفض.
وكشف سكرتير ولاية ميزوري المنتمي للحزب الجمهوري ديني هوسكينز، أن مكتبه شارك بيانات قوائم الناخبين مع السلطات الفيدرالية لفحصها مقابل قواعد بيانات المواطنة، لكن النتائج أظهرت أن معظم الأسماء "المشبوهة" كانت لمواطنين أمريكيين من أصول لاتينية.
وأكد كلينتون جينكينز المسؤول في مقاطعة ميلر ورئيس جمعية كتاب المقاطعات، أنه لا يوجد أحد في مقاطعته صوت بشكل غير قانوني.
استراتيجية ترامب لـ"تأميم" التصويت
كان الرئيس الأمريكي صريحا بشأن رغبته في توسيع السيطرة الفيدرالية، داعيا حزبه هذا العام إلى "السيطرة" و"تأميم" التصويت في 15 مكانا على الأقل.
ومن خلال أوامر تنفيذية وتشريعات مقترحة، سعت إدارته لفرض إثبات المواطنة للتصويت، والسماح للوكالات الفيدرالية بجمع قوائم الناخبين، واستخدام قاعدة بيانات الأمن الداخلي للتحقق من الأهلية.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض أبيجيل جاكسون: "الرئيس ترامب ملتزم بضمان ثقة الأمريكيين الكاملة في إدارة الانتخابات، وهذا يشمل قوائم ناخبين دقيقة تماما وخالية من الأخطاء وغير المواطنين المسجلين بشكل غير قانوني".
ورغم أن المحاكم وعلماء قانون الانتخابات، مثل ريتشارد هاسن أستاذ قانون الانتخابات بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، أكدوا أن ادعاءات تزوير الانتخابات غير مدعومة بأدلة، إلا أن صرخات ترامب المستمرة بشأن "الغش" أثرت على الرأي العام؛ حيث وجد استطلاع لـ"رويترز" ومؤسسة "إبسوس" أن 63% من الجمهوريين يعتقدون أن تصويت 2020 قد سُرق.
ترهيب المسؤولين وتحولات وكالة الأمن السيبراني
حذر ستيف سيمون سكرتير ولاية مينيسوتا المنتمي للحزب الديمقراطي، من أن الولايات يجب أن تستعد لاحتمال "تدخل الحكومة الفيدرالية في الانتخابات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر".
ووصفت إيمي بورجانز المسؤولة في مقاطعة دوجلاس بنيفادا والمنتمية للحزب الجمهوري، الوضع بوجود "عامل ترهيب" يدفع المسؤولين للتساؤل: "من سيكون التالي؟"
وشهدت "وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية" تحولا جذريا؛ حيث تم تقليص ميزانيتها وتعيين شخصيات دعمت سابقا ادعاءات تزوير انتخابات 2020، مثل مارسي متمارثي التي انضمت لوزارة الدفاع الأمريكية، وهيذر هوني التي تقود الآن مكتب "نزاهة الانتخابات" الجديد داخل وزارة الأمن الداخلي.
وانتقد سكوت براون الذي قضى 20 عاما في أدوار إشرافية بالوزارة قبل تقاعده في 2023، هذا التحول متسائلا عن جدوى سحب الموارد من مكافحة تهريب مخدر "الفنتانيل" والاتجار بالبشر لصالح تحقيقات انتخابية محلية.
مواجهة قانونية واستعدادات ميدانية للمجهول
رفعت إدارة ترامب دعاوى قضائية ضد 30 ولاية رفضت تسليم معلومات قوائم الناخبين، مستشهدة بقوانين حماية السرية.
وصرح كريس وارنر سكرتير ولاية فرجينيا الغربية المنتمي للحزب الجمهوري والمؤيد لترامب: "لم يكن لدي أي فكرة أنني سأحارب وزارة العدل بشأن حقوق الولايات".
ومع اقتراب موعد انتخابات أمريكا في نوفمبر، بدأ مسؤولو الانتخابات في تدريب موظفيهم على كيفية التعرف على أوراق اعتماد مكتب التحقيقات الفيدرالي ومذكرات الاستدعاء، ووضع خطط للطوارئ.
وفي مقاطعة ويلد بكولورادو، وضعت كارلي كوبس رئيسة جمعية كتاب كولورادو، أدوات لكسر الزجاج عند النوافذ كإجراء احترازي للإخلاء الفوري نتيجة التهديدات.
وتصاعدت حدة التهديدات لتصل إلى حد التهديد بالقتل، كما حدث مع بريدجيت إسكوبيدو مديرة انتخابات مقاطعة ويليامسون في تكساس، التي اضطرت لمغادرة منزلها تحت حماية الشرطة بعد انتشار فيديو مفبرك يتهمها بالتلاعب بصناديق الاقتراع.
وقالت إسكوبيدو في شهادة أمام لجنة المقاطعة: "كان الجزء الأصعب هو النظر إلى موظفيّ وإخبارهم أنهم لا يحتاجون للخوف".