فرح من 7 ليالي.. زوجان يستقبلان مولودتهما الأولى بعد 18 عامًا

03:59 م الثلاثاء 08 يناير 2019
فرح من 7 ليالي..  زوجان يستقبلان مولودتهما الأولى بعد 18 عامًا

رفعت وألفت يستقبلان ابنتهما ساجدة بعد 18 عاما من ا

كتبت- دعاء الفولي وإشراق أحمد:

تصوير- مارولا مجدي:

على أريكة منزلهم الكائن في منطقة الألف مسكن بالقاهرة، جلست أُلفت فوزي صاحبة الثماني والثلاثين عاماً، لفت ذراعها بحذر حول طفلتها، كانت عينا الأم مازالت لا تصدق، تُمرر يدها بين حين وآخر على وجنتيها، لتتأكد أنها حقيقية، التعب يبدو على عينيها، لكنها تقول "على قلبي زي العسل". كُل ما يحدث حولها جديدا؛ بُكاء الطفلة، صراخها، زيارة المهنئين، سهر الليل، الرضاعة. لا تتذمر الأم لأنها مرت بذلك في سن متأخر بعد الزواج "المهم إن ربنا جبر بخاطري في الآخر".

18 عامًا منذ تزوجت ألفت بابن عمها رفعت محمد، ولم يُرزقا بطفل، كان رفعت راضياً بما قسمه الله له، مرت السنوات حتى قرر الزوج ألا يخوض عمليات الحقن المجهري مرة أخرى، لكن إلحاح أصدقائه عليه دفعه للتجربة مرة ثالثة "سبحان الله.. ربنا أراد ورزقنا ببنتنا ساجدة إبريل اللي فات".

1

قضت ألفت أول سبع سنوات من الزواج تنتظر المولود "وقتها مكنتش عمليات الحقن المجهري وأطفال الأنابيب منتشرة أوي"، لكن الزوجين شاهدا بالصدفة برنامج تليفزيوني عن تلك العمليات؛ لمعت الفكرة في ذهنهما "ليه منجربش يمكن ربنا يُرزقنا"، لم يكن مانع الإنجاب ضخما.

العملية مؤلمة؛ أدركت أُلفت ذلك قبل خوض التجربة "كان كل اللي على بالي إني أعملها وأخلف"، حتى أنها قالت لزوجها مرارًا "مش مهم أعملها والحمل يسقط بعد كده، المهم أحس إني بقيت حامل"، يستغرق الأمر حوالي شهرين من العلاج المكثف؛ يبدأ بأدوية تؤُخذ عن طريق الفم ثم يتم أخذ حيوان منوي من الزوج ووضعه بجسد الزوجة، يلحق ذلك أسبوعين من الراحة التامة وانتظار الحمل، وإذا تم، تحصل الزوجة على "كورس" علاجي مكثف طوال التسعة أشهر.

تتذكر أُلفت حين فشلت العملية الأولى منذ أكثر من 13 عامًا "لما الأسبوعين خلصوا والتحليل جه سلبي انهرت كان عندي أمل 100% أني هبقى حامل". كانت الليلة الأولى عقب النتيجة كارثية "عياط مبيوقفش وعدم نوم وعدم فهم، ما أحنا عملنا كل حاجة، مبيحصلش حمل ليه؟"، قرر الزوجان ألا يحاولا مرة أخرى، احتاجت ألفت أشهر للتعافي من الأثر الجسدي والنفسي للتجربة، لكنهما كررا المحاولة عقب أربع سنوات.

بين عائلتها يتعامل الأطفال مع أُلفت كأنها والدتهم "عمر ما حد حسسني بالنقص من عيلتي"، لكنها كانت تبكي أحيانًا إذا اختلت بحالها "بيصعب عليا نفسي وإني معنديش حد يونسني"، تجنبت أحياناً الذهاب لبعض المناسبات رغم كرهها ذلك "مش عشان الكلام بس إنما نظرات الشفقة كانت بتزعلني أكتر"، حاولت السيدة التأقلم مع الوضع، وجود رفعت خفف عنها الكثير "إحنا بنحب بعض عشان كده استحملنا، ساعات كنا نقول يمكن لو كان ربنا إدانا أولاد كنا زعلنا من بعض".

الأيام السيئة كثيرة، لكن أشدها وطأة تلك التي قضاها رفعت وألفت داخل عيادة الطبيب "العملية مهينة أصلاً، إني أقلع هدومي واتحقن وحواليا دكاترة وممرضات، كل ده كان بيخليني يصعب عليا نفسي أكتر"، دار الزوجان على أطباء كُثر "اتبهدلنا عشان معندناش خبرة، كان ييجي دكتور يدينا أمل كبير وبعدين نتصدم بنتيجة العملية فنتعب أكتر"، لكن المرة الثالثة كان لها حكاية مختلفة.

اتفق الزوجان أنها المرة الأخيرة "قولنا هنجرب العملية عشان نبقى خدنا بالأسباب"، قضى الإرهاق على روح ألفت "لدرجة إني قبل التحاليل بيوم قلت لرفعت مش عايزة أعملها"، تحاملت الأم على نفسها "مكنتش خايفة من العملية المرة دي بس مكنتش حِمل فشل تاني"

قررت ألفت ألا تخبر أحدا من أسرتها هذه المرة "كل مرة كانوا بيتعشموا قبل العملية ويتابعوا معايا، مكنتش عايزة أشوف زعل في عينيهم تاني". فجر أحد الأيام في شهر سبتمبر 2017 رافقت زوجها للبدء في الإجراءات الطبية، تخلت عن حذرها المُبالغ، تضحك قائلة "كنت كل مرة بعد العملية بصلي وأنا قاعدة المرة دي بقيت أصلي وأنا واقفة"، اكتشفت فيما بعد أن ثمة علاج هام لم تكن تأخذه، كانت الأيام بطيئة، يرن في ذهنها سوءات التجارب الماضية وصوت سيدة جالسة لجوراها في عيادات الأطباء "أنا حملي وصل للشهر التامن وبعدين سقطت".

مرّت العملية الأخيرة بسلام وكذلك الأسبوعين المنتظر بعدها النتيجة. حينها اتصلت ألفت بمعمل التحاليل أخبروها أن النتيجة في اليوم التالي، قضت السيدة أسوأ ساعات في حياتها "كانت غير كل مرة، عيني مغمضتش ولا لحظة، بقيت أقول طب ما يقولوا لي إنها فشلت وخلاص"، ظلت تحدث نفسها حتى بزغ نور اليوم التالي.

كان القلق ينهش قلب أُلفت، توجهت لمعمل التحاليل "قالولي حصل حمل"، لم تُصدق السيدة، حتى بعدما سمعت زغاريد قريبتها التي رافقتها "كنت بقولهم استنوا لما نتأكد"، حتى أنها أجرت اختبار الحمل الفوري للتأكد "قالوا لي يعني التحليل اللي بالدم أصدق ولا ده؟"، لكنها لم تهدأ إلا بعدما احتضنت يداها الاختبار الذي جاء إيجابياً.

زارت السعادة منزل رفعت أخيرًا، وإن ظلت الزوجة متخوفة، لكن بمجرد قدوم ساجدة للدنيا نسى الأب الأم كل السوء، كأنهما لم يريا حُزنا قط، تتندر اُلفت دائما قائلة "أنا لما اتجوزت كان عندنا وفاة ومعملتش فرح بس لما ساجدة جت عوضت ده مية مرة".

2

كانت رحلة الزوجين عسيرة، لكن رفعت رأى فيها معجزات "كنت بحس طول الوقت إن ربنا حنين معانا وهيراضينا". ذاق ذلك في ابنة أخيه "فرح" التي كانت بمثابة ابنتهم، توليا رعايتها صغيرة، حتى صارت تناديهما بـ"بابا وماما"، وحينما رُزق رأفت بـ"ساجدة"، اعتبرها ابنته الثانية، وكانت أول مَن جلب هدية للمولودة هي شقيقتها الكبرى "فرح".

طالما استشعر رفعت وزوجته العوض الإلهي في حب الناس، طيلة 18 عامًا، ولمساه مرة أخرى وقت ميلاد "ساجدة". فاضت المحبة كالسيل. وفد الأقارب والمعارف من قرية الشهداء بالمنوفية. امتلأت أرجاء المستشفى بالمرافقين ودعواتهم، حتى أن المشهد كان مثار استغراب الأطباء والممرضات "كانوا بيقولوا أيه المشكلة دي واحدة بتولد"، وحينما رأى الطبيب الطرقات المزدحمة قبل دخول العمليات قال مبتسمًا لرفعت "هي البلد كلها هنا ولا إيه؟".

دخلت ألفت العمليات في الحادية عشر صباحًا، صاحبتها دعوات رأفت والمرافقين، فيما حملت الزوجة مشاعر الخوف، ليس على نفسها لكن على وليدتها "طول الوقت كنت أقول لهم المهم البنت تطلع كويسة"، أما الزوج ما كان قلبه يسع قلقه "كأني أنا اللي كنت بولد وواخد بنج".

ظل رفعت طوال ساعة الولادة يمشي من التوتر، إلى أن بلغت الساعة الثانية عشر، وقت أن قدمت "ساجدة" إلى الدنيا، فتلقاها أبيها بعينين باكيتين، وكذلك فعل المرافقين، حتى استشعر أن الفرحة البادية على الوجوه كأنما "ولادة تانية" كما يصف رفعت.

انقلبت حياة رفعت وألفت بقدوم "ساجدة"، تبدل الخوف في نفس الأم أمنَا "بقيت أبص لها وتبص لي وأول لما تضحك أنسى كل الدنيا والتعب"، تتذكر كيف أغلقت أبواب العشم حتى اللحظات الأخيرة، فرفضت أن تحضر لمولودها أي من الاحتياجات إلى أن أبصرتها بعينيها، وضمتها إلى صدرها.

تحقق الحلم الذي ظن الزوجان أنهما لن يبلغاه، وبات على صاحب النذر أن يوفيه؛ أقيمت الأفراح في منزل عائلة رفعت في قرية الشهداء 7 ليال، كما تعهد شقيق الأب، ظلت الأنوار المعلقة مضاءة، حتى أصبح سؤال "هو ده فرح مين؟" يتردد بين المارة.

ثمانية أشهر وضحكات "ساجدة" تضيء نفس والديها بعد 18 عامًا، يتسابق رفعت وألفت أيهما يطعم الصغيرة، يحصيا الأيام عددًا، ينتظران اليوم الذي يشتد فيه بنانها فيصحباها لكل مكان يذهبا إليه هي وشقيقتها "فرح". تتناول الأم الأدوية التي كُتبت لها، تشعر بشيء من الإرهاق جراء السهر والعكوف على خدمة الصغيرة، تحدث نفسها "يارب إزاي كان بيجيلي قلب أدي نفسي الأبر كل يوم". أكثر من 240 حقنة استقبلها جسد ألفت في الشهرين الأخيرين للولادة فقط، تنظر لابنتها النائمة، تواصل حديثها معها "عايزاها تعرف أني تعبت فيها أوي"، تبكي الأم، فيما تضم "ساجدة" إلى حضنها فيزول عنها الحَزن كأنه لم يكن.

 

تابع باقي موضوعات الملف:

"لا تذرني فردًا".. مصريون في رحلة البحث عن طفل (ملف خاص)

ملف-الأطفال

بالصور- مصراوي داخل أول مركز مصري لأطفال الأنابيب (معايشة)

2019_1_10_19_39_27_473

"في انتظار لُطف ربنا".. مشاهد من مأساة الإجهاض المتكرر في مصر

2019_1_9_11_43_54_416

تعرف على أبرز أسباب منع الانجاب (فيديوجرافيك)

2019_1_11_19_45_55_244

حكايات الدور الخامس.. أزواج يبحثون عن الإنجاب داخل قصر العيني بـ"سعر حنين" (معايشة)

2019_1_13_19_36_7_28

ساعة ميلاد القدر.. رحلة زوجين لإنجاح عملية الحقن المجهري "في اللحظات الأخيرة"

2019_1_12_15_22_25_565

"أول طفلة أنابيب مصرية".. كيف وثّقت الصحف ولادة "هبة"؟

2019_1_11_14_56_13_671

رئيس وحدة "تأخر الإنجاب": نُجري 600 عملية سنوياً.. و70% من الرجال يعانون ضعف الخصوبة (حوار)

الدكتور عبدالمجيد رمزي مؤسس ورئيس وحدة تأخر الإنجاب

"سابوا البيت وفكروا في الزواج التاني".. حكايات من "مرارة" تأخر الإنجاب

2019_1_14_16_32_39_50

ما الفرق بين أطفال الأنابيب والحقن المجهري؟ (فيديوجرافيك)

2019_1_12_19_0_47_68

"10 جنيه" مكافأة.. حين عايش ياسر رزق ولادة أول طفل أنابيب مصري

2019_1_12_17_18_36_967

"المشاهرة والخلاص".. من عالم "خرافات" تأخر الإنجاب في مصر

2019_1_14_13_26_44_335

\

إعلان

إعلان

إعلان