إعلان

منيل شيحة.. حكاية جزيرة زراعية تحولت إلى ملاذ للأثرياء

كتب : مارينا ميلاد

01:04 م 26/05/2026 تعديل في 01:11 م

منيل شيحة

تابعنا على

جنوب الجيزة - عام 1997-

في الليل، أتى أحد رجال الأعمال بعدد كبير من سيارات النقل واللوادر والمعدات الضخمة إلى قطعة الأرض التي يملكها بقرية منيل شيحة، لردم مساحة ثلاثة أفدنة بمجرى النهر. وفي تلك الأثناء، قُطِع التيار الكهربائي عن الطريق المؤدي إلى موقعه. وتردد بقوة بين ساكني القرية من الفلاحين أن الرجل يفعل ذلك لأنه باع الثلاثة أفدنة، واشترط عليه المشتري ألا يستلم القطعة إلا بعد ردم المنطقة التي تطل عليها بالنيل.

كانت تلك الواقعة التي رصدتها لجنة حزب الوفد في مدينة أبو النمرس حينها لتطالب المحافظ بإجراء تحقيق فيها، واحدة من أولى وقائع ردم أجزاء واسعة من نهر النيل وبناء قصور على خط النهر واحد تلو الآخر. تلك المباني التي تعمل وزارة الموارد المائية والري الآن على إزالة المخالف منها ضمن "المشروع القومي لضبط نهر النيل وفرعيه".

وعلى جانبي الطريق الزراعي في منطقة منيل شيحة؛ يتناقض المشهد بشدة، حيث تنتشر على أحد الجانبين هذه القصور بمساحات واسعة، بينما يقع على الجانب المقابل مباشرة منازل عشوائية مبنية بالطوب الأحمر، ومبانٍ أخرى قديمة من الطوب. لذا يطلق عليها أهلها: "أنها تجمع كل شيء، مثل مصر تماماً"، كما يقول رجب حمزة، أحد سكانها.

لكن كيف تشكل هذا المشهد، وتحول وجه هذه القرية الزراعية إلى ملاذ لقصور رجال الأعمال؟

كان فأساً قديماً وصغيراً معلقاً على جدران بيت "رجب"، الذي يعمل مترجمًا. هذا الفأس يخص والده، المتوفي قبل عشر سنوات، واحتفظ به طوال عمره البالغ 42 عاماً؛ لأنه "مميز، واستخدمه والده في زراعة القطن بالأخص"، كما يحكي. لكن قصة الفأس عنده أكبر من مجرد شيء يذكره بأبيه، إنما هو دليل على كيف كانت القرية أيامه، عندما كانت تزرع القطن والقمح، وتصل مياه النيل قبالة بيته مباشرة، وتستقر عند شارع "طراد النيل"، كما روى له والده، قبل أن تبتعد عنه الآن قرابة 500 متر.

بالأصل، كانت هذه القرية بمعظم نواحيها مطلة على ضفاف النيل. كانت جزيرة بالمعنى الحرفي، تحديداً تلك المنطقة المنخفضة الواقعة بين شارع طراد النيل وطريق مصر أسيوط السريع، حيث كان جد ووالد "رجب" يسكنان ويعملان بالزراعة في أرض برمتها مزروعة، حتى انحسرت المياه للمرة الأولى بعد بناء السد العالي الذي أوقف تهديد الفيضان، كما أخبره أبوه، ثم بدأ الزحف العمراني والردم للبناء تدريجياً.

صور الأقمار الصناعية – شكل الأرض في المنطقة وتغيرها على مر السنوات

وفي أواخر الثمانينيات، جاء أحد رجال الأعمال العرب ليشتري من جد "رجب" أراضيهم ويبني قصره المطل على النيل، فوافق أحدهم ورفض الآخر. وظهر القصر الشاهق في غضون أقل من عام، ولا يزال موجوداً حتى الآن.

يقول "رجب": "لا أزال أتذكر حين دخلت هذا القصر ورأيت الحيوانات التي تُربى هناك، والأثاث الفخم، كانت كلها أشياء غريبة عن قريتنا وعن حياتنا".

وبحلول الألفية الثانية، وبينما كانت القرية تعاني من مشكلات مياه الشرب والصرف الصحي، وانحسرت المساحة المزروعة لما بعد منطقة تسمى "العرب" واقتصرت على الخضروات والأعلاف فقط، كما يقول "رجب"، ظهرت قصور وفيلات أخرى تخص رجال أعمال، وهو ما قفز بسعر الأراضي. فيحكي أنه على سبيل المثال، "يتذكر أن سعر أرض وقتها كان يقدر بـ20 ألف جنيه وصلت خلال عام واحد إلى 150 ألف جنيه تقريباً".

بالنسبة لرجال الأعمال أنفسهم، بحسب أحاديثهم، "فجذبتهم هذه المنطقة الهادئة وموقعها الفريد على ضفاف النيل، الذي لم يشبه غيره". وبالنسبة للسكان أمثال "رجب"، "فصحيح أن ذلك حجب عنهم النيل تماماً، لكنه وفر فرص عمل لشباب، وعلا من قيمة المنطقة وسعرها ومكانتها".

ويكمل على ذلك: "تخيل أن يكون جارك رجل الأعمال فلان أو فلان!".

و"رجب" هو واحد من نحو 426 ألف شخص يسكنون بمركز أبو النمرس، الذي تتبعه "منيل شيحة"، وفقاً لآخر إحصاء صدر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، العام الماضي.

لكن طوال أكثر من عشرين عاماً، مثّلت بعض هذه القصور والفيلات تعدياً واضحاً ومستفزاً أحياناً على النهر بردم مساحات ضخمة منه، غير تعلية الأسوار.. فظهر في عام 2007، عدة قرارات إزالة لإشغالات خرسانية مرتبطة بقصور المنطقة، وتم تحرير محاضر رسمية ضد أصحابها. لكن لم يُتخذ حيالها إجراءات واضحة، بل وظهرت تقارير فنية تحمل عبارات ما بين "يكتفى بما تم من أعمال ردم" أو "تم إزالة 80% من المخالفات بمعرفة المخالف وتتابع الإدارة"، وهو ما اعتبره الخبراء بمثابة "سبل لتقنين أوضاع هؤلاء"، بحسب الوثائق التي نشرتها جريدة روزاليوسف حينها.

وظل النهر على حاله حتى عام 2017، عندما أزالت وزارة الموارد المائية والري فيلا كانت مملوكة لوزير الثقافة الأسبق، فاروق حسني، في المنطقة المحظورة على النيل بالكيلو 4.5 بعزبة البكباشي، المجاورة لمنيل شيحة، قبل أن يعلن "حسني" أنها "لا تخصه من قريب أو بعيد، وعلاقته انقطعت بها منذ 2011 وهي تخص مستثمراً عربياً كبيراً".

ووقتها، أعلنت الوزارة في بيان، أنه تم وضع قائمة تتضمن كافة التعديات التي قام بها عدد من المسؤولين السابقين على نهر النيل، لإزالتها خلال الفترة القادمة لاسترداد أراضي الدولة. وبالفعل، كانت نفذت عمليات إزالة شملت 24 ألف حالة تعدٍ منذ يناير 2015.

ثم تجدد الأمر في هذه الفترة على المتبقي منها، حين بدأت الوزارة حملتها الجديدة "لضبط نهر النيل وفرعيه"، فأزالت – حتى يوم 5 مايو الجاري - 518 حالة بناء مخالف بفرع رشيد، و32 حالة متعارضة مع مسار ممشى أهل مصر الجاري الإعداد للبدء في تنفيذه بمنطقة منيل شيحة، بطول 8 كيلومترات.

ويهدف "مشروع ضبط النيل"، كما يذكر هاني سويلم (وزير الموارد المائية والري)، إلى استعادة القدرة الاستيعابية للمجرى لمواجهة التغيرات المائية والمناخية، وإزالة كافة التعديات، وتمكين الدولة من بسط هيمنتها على مجرى النهر، وتعظيم الاستفادة من أراضي طرح النهر، وتحديد خطوط إدارته (خطوط التهذيب والمناطق المحظورة والمقيدة)، وتوفير معلومات دقيقة عن قاع وجوانب مجرى نهر النيل وفرعيه.

ومن بين هذه المباني المخالفة والتي يجري إزالتها هذه الأيام، قصر أكمل قرطام (رجل الأعمال ورئيس حزب المحافظين)، الذي خرج في مقاطع مصورة، يقول: "أنا مستعد للتنازل عن الأرض للدولة المصرية، ولا أريد تعويضاً، لكن الحقيقة أن الأرض تم تجريفها"، وردت عليه الوزارة في بيان لها وذكرت بأن "إجراءاتها تأتي في إطار تطبيق القانون وحماية مجرى نهر النيل، دون أي تمييز بين حالة وأخرى، وأنه وفقاً لنتائج الرفع المساحي الذي تم بمعرفة الهيئة المصرية العامة للمساحة، فإن إجمالي مسطح التواجد محل البيان يقارب 23500 متر مربع، أي ما يتجاوز الخمسة أفدنة ونصف الفدان، ومساحة أراضي أملاك الدولة المتعدى عليها منه وغير المملوكة لهذا الشخص تتجاوز 14000 متر مربع بنسبة تقارب 60% مقسمة بين: مسطح ردم داخل مجرى نهر النيل ومسطح تعدٍ على الأملاك العامة لجسر شبرامنت".

الصورة نشرتها وزارة الموارد المائية والري

وذلك لا يعني أن الإجراءات تنال من أي حقوق ملكية ثابتة قانوناً خارج نطاق المخالفات والتعديات محل الإزالة، كما توضح الوزارة، وتكمل: "وإنما تنصرف إجراءات الوزارة إلى الأجزاء المتداخلة مع مجرى نهر النيل أو أملاك الدولة العامة أو المناطق المحظور إقامة منشآت ثابتة بها فقط".

ويُجرِّم قانون رقم 147 لسنة 2021 بشأن الموارد المائية والري كافة أشكال التعدي على مجرى نهر النيل والمجاري المائية، بما في ذلك أعمال الردم أو إقامة منشآت ومبانٍ دون ترخيص، مانحاً السلطة المعنية حق الإزالة الإدارية الفورية للمخالفات على نفقة المخالف؛ كما فرض القانون عقوبات بالحبس والغرامة المالية، مع التأكيد على عدم الاعتداد قانوناً بأي منشآت أُقيمت بالمخالفة للضوابط الفنية والمساحات المحظورة.

وفيما يتعلق بالعرض الذي قدمه "قرطام" بشأن تنازله عن الأرض أو المبنى، فقالت الوزارة "إن التبرع أو الإهداء لا يكون إلا فيما يملكه صاحبه ملكية قانونية صحيحة، ولا يجوز أن يكون وسيلة لإضفاء المشروعية على وضع مخالف أو الإبقاء على تعدٍ قائم على أملاك الدولة العامة.. كما أن قبول الإبقاء على منشأة مخالفة لمجرد ارتفاع تكلفتها أو عرض التنازل عنها سيفتح باباً للاستثناءات، ويخل بمبدأ المساواة أمام القانون، خاصة في ظل قيام الدولة بإزالة مخالفات وتعديات أخرى أياً كانت طبيعتها أو ظروف أصحابها".

وبينما تواصل الجرافات عملها في تسوية المساحات المخالفة هذه الأيام، يقف "رجب" أمام بيته القديم، مراقباً المشهد الذي يتغير أمامه مرة أخرى.. ويقول: "الحقيقة أنه مهما كانت أفعال هؤلاء جيدة للمنطقة أو ناسها، فهم في النهاية تعدوا على النهر وحق الدولة، وتبعهم كثيرون".. وداخل البيت، لايزال يحفظ داخل الصور والأرشيف القديم، محاولاً طوال الوقت استحضار ملامح قريته التي تغيرت ويدرك أنه من الصعب استعادتها كما كانت.

اقرأ أيضا:

عوامات القاهرة السكنية.. نهاية حدوتة نيلية

صياد رزق.. صراع في النيل على "لقمة العيش"

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان