• "في انتظار لُطف ربنا".. مشاهد من مأساة الإجهاض المتكرر في مصر

    11:44 ص الأربعاء 09 يناير 2019
    "في انتظار لُطف ربنا".. مشاهد من مأساة الإجهاض المتكرر في مصر

    أرشيفية

    كتبت-دعاء الفولي:

    قبل خمسة أعوام، رسمت ابتسام محمد أحلاما واسعة. جهزت قائمة بأسماء محتملة لمولودها القادم، تخيلت رفقة زوجها كيف سيغير وجوده حياتهما، لكنها أجهضت في الشهر الثالث من الحمل، انقلبت السعادة إلى كابوس، ظنّت الشابة أن الأمر محض صدفة، غير أن المشهد تكرر ست مرات متتالية، وهنت مقاومة السيدة العشرينية، فقدت الرجاء، وتخبطت بين الأطباء دون أن تدري علّتها.

    تُعاني ابتسام من حالة طبية تُسمى بـ"الإجهاض المتكرر"، وهي فقد الجنين مرتين متتاليتين أو أكثر، قبل أن يتم 20 أسبوعا. النسب العالمية للإجهاض المتكرر بسيطة، فلا تتعدى سيدة لكل مائة، بعض السيدات المصريات يجرّبن آلامه وما يترتب عليه من ألم نفسي وجسدي، يُحاولن الإنجاب مرة أخرى طمعا في طفل، فيخضن رحلة عصيبة مع تكرار الأعراض.

    مازالت خديجة إبراهيم تتذكر أيام النزيف المستمر. كانت مستلقية في منزلها بمدينة الإسكندرية ليس بيدها حيلة، تتصل بطبيبها فيخبرها "إنها فترة وهتعدي"، غير أن الآلام لم تكن محتملة، فبينما تمر السيدة بآثار الإجهاض، تتمزق حالتها النفسية سوءً بعدما بلغ عدد المرات التي فقدت فيها جنينها أربع مرات.

    منذ 17 عاما تزوجت خديجة صاحبة الـ42 عاما. أجهضت أول جنين لها عقب الزواج بسنة ونصف "كان أسوأ إحساس في الدنيا.. كأني مش هخلف تاني"، كان الأمر عصيبا، لا سيما أنها فقدت الجنين عقب شهرين، غير أنها لم تفقد الأمل "بعدها بـ3 سنين حملت وجبت ابني ودلوقتي عنده 10 سنين".

    لم تمر سبعة أشهر حتى حملت خديجة في طفلتها الثانية "هي جت ورا أخوها علطول، عمرها دلوقتي 9 سنين"، قبل بداية الأزمة الأكبر عقب الولادة الثانية "كان نفسي أحمل تاني بس أجهضت أربع مرات ورا بعض"، لا تعلم الأم حتى الآن السبب "كل مرة فيهم كان نبض الجنين بيقف بعد الشهر التالت وخلاص".

    تلك الفترة كانت الأسوأ في حياة الأم الأربعينية "تعبت من كتر دخول العمليات عشان أعمل تنضيف بعد الإجهاض"، لذا قررت بعد المرة الأخيرة أن تفعل ذلك منزليا "اترجيت الدكتور يتصرف لأني مكنتش عايزة أشوف مستشفيات تاني"، غير أن سوء حالتها لأكثر من 3 أسابيع والنزيف دفعاها للذهاب لمستشفى قريب، حيث تعافت "بعد ما كنت بقول انا هخرج من بيتي ومش هرجع".

    ثمة أسباب شائعة للإجهاض المتكرر، أبرزها وجود خلل في تكوين الكروموسومات عند الإخصاب، وجود حاجز داخل تجويف الرحم، أورام ليفية، زوائد لحمية أو وجود تليفات والتصاقات داخل تجويف الرحم، أيضا ربما يُسببه تكيسات المبيض، بعض أمراض المناعة الذاتية أو مرض السكر، حسبما تقول الطبيبة رجاء منصور، رئيس المركز المصري لأطفال الأنابيب، إلا أن تلك الأسباب لا تُمثل سوى 30% فقط من الحالات، فالنسبة الباقية من السيدات اللاتي مررن بالإجهاض عانين من أسباب مجهولة.

    لم يتم تشخيص حالة ابتسام بأي من الأسباب السابقة، مرت ابنة محافظة الغربية بأكثر من 10 أطباء "بس محدش فهّمني ايه اللي بيحصل"، لكنها تذكر الأعراض جيدا "ببقى رايحة أكشف عادي والدكتور يقولي مفيش نبض، دايما الرد مفيش نبض"، عقب معرفة الخبر بساعات، تباغتها أوجاع الرحم الرهيبة "كأني ولدت بدل المرة سبع مرات"، تذكر الشابة أن أحدهم كان مصحوبا بأعراض تُشبه طلق الولادة، ثم نزيف يستمر لأيام وتنظيف للرحم وإعادة الكرة.

    حاولت ابتسام التعايش مع الفقد، إلا أن زوجها لم يفعل "حالته تصعب على أي حد.. زعلان طول الوقت، بقى يقولي أنا مش عايز عيال خلاص رغم إنه لسه في التلاتينات"، زاد من سوء الأمر، أحاديث أسرته تجاه الزوجة "كتير أسمع مامته بتهددني إنها هتجوّزه عشان يخلف"، يرفض الزوج، يتمسك برفيقته "بس أنا مش عارفة هيفضل مستحمل لإمتى".

    في المقابل لم يتذمر زوج خديجة -القاطنة بالإسكندرية- مما حدث "بالعكس كان بيقولي ولا يهمك، المهم تقومي كويسة"، لم تُكرر السيدة محاولات الإنجاب ثانية "اكتفيت بالبنت والولد وقلت الحمد لله على كده، المهم أقدر أربيهم".

    في إحدى قرى محافظة أسوان، حيث تقطن فاطمة كريم، يعتبر الناس أن "عدم الخلفة عيبة كبيرة". مر عام ونصف على زواج صاحبة الاثنين وعشرين عاما التي مرت بإجهاض لثلاث مرات متتالية خلال عام واحد.

    عقب 4 أشهر من زواجها حملت فاطمة، فيما شعرت بعد أسبوعين من تأكيد الحمل، بتقلص شديد في بطنها، ووجع في الظهر ثم نزيف دموي "وأتاكدت إني سقطت".

    عقب المرة الأولى "كذا حد قاللي إن ده عادي في أول الجواز"، غير أن الأمر تكرر ثانية، وقتها أجرت الشابة سونار مهبلي والذي أكد صحة الحمل "ورغم كدة أجهضت بعدها بأسبوع"، لم تصدق فاطمة ما حدث "جوزي كان بيحاول يهديني"، لكن تعليقات بعض أفراد العائلة دفعتها لمزيد من الحزن.

    "ده مكنش حمل أصلا، انتي بتضحكي علينا".. كثيرا ما سمعت ابنة محافظة أسوان تلك الجملة، فزاد ذلك من آلامها نفسيا.

    في الرحلة التي قطعتها ابتسام وزوجها، سمعت تشخيصات غير قاطعة "فيه دكتور قاللي الرحم ضيق وتعالي أعمل عملية توسيع"، لم يطمئن قلب السيدة، ذهبت لآخر "فقاللي إن مفيش حاجة اسمها توسيع الرحم وإن ده نصب"، تنقل الزوجان بين الغربية، القاهرة ومحافظات أخرى، تتبعا خطوات الأطباء المشهورين "بس مفيش حاجة كويسة حصلت".

    كذلك كان الحال مع فاطمة، فبين القاهرة والصعيد تقضي أوقاتها "روحنا لكل الدكاترة اللي نعرفهم". حين تغادر الشابة أسوان "برتاح أكتر، بحس إننا بنهرب من نظرات الناس وكلامهم الي يوجع". رغم الألم، فقد اعتادت الزوجة على عدم رد الإساءة حين تتعلق بحالتها الصحية "بصبر عشان بحب جوزي ومش عايزاه يتضايق".

    "الإجهاض المتكرر مش معناه إن السيدة مش هتخلف تاني.. فيه احتمال بالنجاح يصل لـ65%" كما تقول مدير مركز أطفال الأنابيب. في المقابل تكاد ابتسام وفاطمة تفقدان الأمل في إنجاب طفل، تشعر الأولى أنها تحتاج لالتقاط أنفاسها، مازال للإجهاض السابع -وقع قبل خمسة أشهر- عظيم الأثر في روحها "آخر مرة بالذات كنت حاسة إن الدنيا ماشية كويس"، حتى أنها لازمت الفراش "ولما روحت أول الشهر التالت كان فيه نبض.. كنت مستبشرة خير"، إلا أن أياما مرت قبل السونار التالي "اللي قالولي فيه إن النبض وقف".

    الآن، لم يبق لابتسام سوى محاولاتها لنفض الحزن قدر المستطاع "بفكر أنزل أشتغل عشان أنسى شوية"، إذ أنها حاصلة على دبلوم في التمريض، بينما تُزجي وقتها أحيانا بالفضفضة لصديقاتها، بعد أن توقفت عن الحكي لوالدتها "لما بقول لها حاجة بيصعب عليها وتعيط خاصة إني أكبر واحدة في إخواتي".

    لا تملك فاطمة الأسوانية شيئا لتقبل الوضع، غير أنها امتنعت منذ فترة طويلة عن الذهاب لأي تجمّع عائلي، اتقاءً لمزيد من الأذى، كذلك تفعل ابتسام "حتى لو الناس بتعاملني بشكل كويس بس نظرات الشفقة بتزعلني".

    كمحاولة أخيرة، ذهبت ابتسام منذ فترة لمعرفة إمكانية عمل حقن مجهري "بس الدكتورة قالت لي الحمل عندك مبيتمش فهتدفعي الفلوس على الفاضي"، فيما توشك فاطمة على الانهيار "بقيت حاسة إني مش هخلف خالص، بس برجع وأقول خليني مستنية ألطاف ربنا".

    تابع باقي موضوعات الملف:

    "لا تذرني فردًا".. مصريون في رحلة البحث عن طفل (ملف خاص)

    ملف-الأطفال

    بالصور- مصراوي داخل أول مركز مصري لأطفال الأنابيب (معايشة)

    2019_1_10_19_39_27_473

    فرح من 7 ليالي.. زوجان يستقبلان مولودتهما الأولى بعد 18 عامًا

    2019_1_8_15_59_36_779

    تعرف على أبرز أسباب منع الانجاب (فيديوجرافيك)

    2019_1_11_19_45_55_244

    حكايات الدور الخامس.. أزواج يبحثون عن الإنجاب داخل قصر العيني بـ"سعر حنين" (معايشة)

    2019_1_13_19_36_7_28

    ساعة ميلاد القدر.. رحلة زوجين لإنجاح عملية الحقن المجهري "في اللحظات الأخيرة"

    2019_1_12_15_22_25_565

    "أول طفلة أنابيب مصرية".. كيف وثّقت الصحف ولادة "هبة"؟

    2019_1_11_14_56_13_671

    رئيس وحدة "تأخر الإنجاب": نُجري 600 عملية سنوياً.. و70% من الرجال يعانون ضعف الخصوبة (حوار)

    الدكتور عبدالمجيد رمزي مؤسس ورئيس وحدة تأخر الإنجاب

    "سابوا البيت وفكروا في الزواج التاني".. حكايات من "مرارة" تأخر الإنجاب

    2019_1_14_16_32_39_50

    ما الفرق بين أطفال الأنابيب والحقن المجهري؟ (فيديوجرافيك)

    2019_1_12_19_0_47_68

    "10 جنيه" مكافأة.. حين عايش ياسر رزق ولادة أول طفل أنابيب مصري

    2019_1_12_17_18_36_967

    "المشاهرة والخلاص".. من عالم "خرافات" تأخر الإنجاب في مصر

    2019_1_14_13_26_44_335

    إعلان

    إعلان

    إعلان