بالصور- مصراوي داخل أول مركز مصري لأطفال الأنابيب (معايشة)

05:40 م الخميس 10 يناير 2019
بالصور- مصراوي داخل أول مركز مصري لأطفال الأنابيب (معايشة)

المركز المصري لأطفال الأنابيب

 كتب- أحمد جمعة ودعاء الفولي:

تصوير- محمود أبو ديبة:

 في منطقة حدائق المعادي بالقاهرة، يكسر ضجيج المركز المصري لأطفال الأنابيب هدوء الشارع. المبنى قديم يختلف عن هيئة ما حوله، مر عليه 33 عاما، تردد عليه الآلاف سعيا لإنجاب الأطفال. كان فريدا حين تم إنشاءه، أراد مؤسسوه إدخال ثورة أطفال الأنابيب لمصر، بعد أن عرفها الخارج بحوالي 10 سنوات، حتى باتوا قِبلة للأزواج من جميع محافظات الجمهورية، فأصبح المكان كفيلم سينمائي يعرض مئات القصص والحكايات يوميا.

 عام 1982 أنهت الطبيبة رجاء منصور الدراسات العُليا في مجال "أطفال الأنابيب ونقل الأجنة" من جامعة أوهايو بالولايات المتحدة الأمريكية، أرادت خريجة طب قصر العيني نقل التجربة لمصر "ساعتها بعتت عشر جوابات لعشر أطباء في مصر"، شاركها رغبتها الطبيب محمد أبو الغار، والطبيب جمال أبو السرور، خطط الثلاثة لإنشاء مركز يساعد طبقات المجتمع كافة لإنجاب الأطفال.

صورةة 1

عملية طفل الأنابيب تقوم على تخصيب بويضة الزوجة والحيوان المنوي للزوج بشكل معملي، ثم يتم إعادة النطفة إلى رحم المرأة لينمو طبيعيا. حين بدأ المركز عمله، لم يكن الأمر سهلا، ليس فقط بسبب الإمكانيات، بل لعدم تقبل الفكرة داخل المجتمع "كان اللي بييجي المركز كأنه بيستخبى" حسبما تحكي الطبيبة منى أبو الغار، ابنة محمد أبوالغار، التي انضمت للمكان منذ 20 عاما.

لم تكن الأزمة خاصة بالمجتمع فقط، عالم الأطباء نفسه كان متخوفا من الفكرة، كما تحكي الطبيبة رجاء منصور، لمصراوي، فيما اطمأن قلبها قليلا بعد قراءة فتوى الأزهر "اكتشفنا إن فيه فتوى أصدرها الشيخ جاد الحق علي جاد الحق من سنة 80 تُبيح العملية، كانت فتوى مفصلة في 7 صفحات، ده خلانا نشتغل وإحنا مستريحين".

صورةة 2

يُشبه المركز خلية النحل؛ أمام بابه يقف بعض المنتظرين، بينما يزداد الوضع ازدحاما في الداخل. يسع المكان 15 عيادة، مكون من عدة طوابق، تستقبل المرضى بالتوازي لتخفيف الضغط، إذ تبدأ الزيارة برؤية استشاري النساء للزوج والزوجة ثم عمل بعض الفحوصات الطبية، يليها تجهيز السيدة دوائيا، ثم إجراء عملية التخصيب داخل المركز، فيما تستغرق الرحلة بأكملها حوالي ستة أسابيع.

  هذه الأجواء التي عايشتها الطبيبة منى كانت دافعًا لاختيارها تخصص "الموجات الصوتية" بعد التحاقها فيما بعد بكلية طب قصر العيني "المركز فتحلي مجال إني اشتغل في مجال لطيف ومثير وفيه مواعيد بدون طوارئ". لا تفضل هيّ تلك الاتصالات المفاجئة التي كان يتلقاها والدها من المستشفى بخصوص حالة ولادة عاجلة: "طفولتي معقدة من الطوارئ بسبب وجود الدكتور أبو الغار في المستشفى طوال اليوم، والاتصالات الدائمة علشان حالات الولادة".

صورةة 3

حين بدأ المركز نشاطه، لم يضم سوى المعمل والعيادات وغُرف العمليات، لكنه الآن يحوي وحدات أخرى تخدم ما يقدمه؛ مخازن أدوية، أجهزة حديثة، ومعامل تحاليل مختلفة، تعتبر رجاء منصور من في المركز أبنائها، تضحك متذكرة حينما كان عدد الموجودين سبعة فقط "دكاترة وممرضات وعُمال"، بينما تجاوز عددهم الآن 158 شخصا. 

الحكايات لا تموت، تعرفها جدران المكان؛ من مُلصق جريدة يحمل تاريخ ولادة أول طفلة أنابيب في مصر عام 1987، صورة يحمل فيها الأطباء "هبة" الحالة الأولى، وصورة أخرى لفريق المركز مع رُضع في الحفلات، تفاصيل باتت جزءًا من المكان، يعرفها الموظفون والأطباء معا، يذكرها محمد مسعد، مدير التسويق بحكم قُربه من المرضى.

صورةة 4

يقابل المدير حالات من أماكن عدة، بعضها مؤلمة وأخرى لمس فيها المعجزات، كالسيدتين اللتين قدمتا من المعادي والأقصر "الاتنين عملوا العملية في نفس الوقت تقريبا"، الأولى تمتعت بحال مادي ميسور، فيما كان الوضع معكوسا مع الثانية "الست اللي من المعادي جوزها جابلها عربية إسعاف بعد العملية عشان تنقلها، رغم إنها في الشارع اللي جنبنا، لكن الست بتاعة الأقصر رجعت بيتها بميكروباص والطريق بهدلة"، رغم ذلك، فشلت عملية سيدة المعادي في أن تأتي لها بطفل، وحملت الثانية في توأم وأنجبتهما بصحة جيدة.

 تلقّى مُسعد تدريبا على التعامل نفسيا مع الزائرين، كذلك جميع من في المركز، كما يتواجد طبيب نفسي لمساعدة الحالات بشكل دوري. التعاطي مع فكرة عدم الإنجاب أمرا عسيرا، فهمت الطبيبة مُنى أبو الغار ذلك منذ البداية، كما وضع المؤسسون الأوائل ميثاقًا بالشرح الواضح لنسب نجاح العملية مع كل حالة، إذ لا يزيد نجاح النسب العالمية عن 43% "لا يوجد شيء اسمه الحمل مضمون، لا نبيع الوهم للمريضة ولن نطبق أي أمر إلا لو كان هناك إثبات علمي كافي".. تشرح منى، لمصراوي.

أحيانا، تقترح منى على الحالات التي تكون نسب نجاح عملياتها منخفضا، بتبني الأطفال بشكل قانوني: "بقول للزوج والزوجة ربنا قادر لكن في الطب مرتبطين بأرقام وإحصائيات، وبقولهم يفكروا في كفالة طفل لأن هناك أطفال محتاجين حد يرعاهم، لكن مفيش تقبل للفكرة بشكل كبير".

 

صورةة 5

تخضع نسب نجاح العملية لعدة عوامل؛ أهمها سن الزوجين. كانت النسبة العالمية حين افتتاح المركز لا تتجاوز 25% "بس كنا بنقول للناس عشرة في المية عشان ميتعشموش"، رغم ذلك لم تستطع رجاء تقليص الحزن الذي يشعر به الأزواج عقب فشل العمليات، يؤثر ذلك على الطبيبة أيضا "المرضى بيحكولنا اللي مش بيتحكي للأهل، لدرجة إن فيه دراسات اتكتبت عن إزاي المجال ده بيأثر على صحة الأطباء النفسية".

  لكن الأمر ليس سيئا طوال الوقت. في عيادتها بالمركز، تقابل رجاء، مدير المركز، بشرا من كل الأطياف، تسمع لهم وتتعلم "بقيت أعرف أتكلم كل اللكنات المصرية من كتر ما قابلت"، تضحك قائلة إن ذلك ربما أفضل ما فيه مهنتها، تشعر بالعجز حينما تفشل المحاولات وبالغضب "لما الناس تيجي تحكيلي إنهم دفعوا أرقام ضخمة عند دكاترة تانيين وبيبقوا مدبرين الفلوس دي بالعافية".

صورةة 6

على مدار 33 عاما، خضع المركز لتغيرات عديدة متزامنة مع ثورة الطب، أدخل العاملون فيه تقنيات جديدة، أو حسبما تقول رجاء "ماشيين مع العالم، لأن المركز اتفتح بعد 8 سنين من بداية التقنية عالميا، فده خلانا قريبين". الحقن المجهري كان ضمن التقنيات التي أحدثت ثورة؛ ففي السابق كان يتم وضع البويضة مع الحيوانات المنوية حتى يتم تلقيحها، أما من خلال الحقن المجهري فيتم حقن البويضة بالحيوان المنوي بشكل مباشر، ما يرفع نسبة نجاح العملية.

هذا التحول في تقنيات الحقن المجهري واكبه تحولا موازيا في تقبل السيدات لإجراء العمليات ذاتها. عاصر الطبيب أحمد أبو السرور في أيامه الأولى بالمركز تخوف المترددين: "الناس كانت بتيجي تقول مش عاوز حد يعرف أني جيت هنا، ولو كتبتلها حاجة على الروشتة باسم المستشفى كانوا بيقطعوا الحتة اللي فوق". لكنه يرى أن الوعي المجتمعي للحقن المجهري وأطفال الأنابيب بات مُلاحظًا "مع التغيّر ورغبة الناس في العلاج، الدنيا بقت أبسط دلوقتي".

عايش "أبو السرور" مئات الحالات، يعتبر ولادة طفل عبر الحقن المجهري انتصارا كبيرا، ينتظر فرحة أسرته عند إجراء أول اختبار للحمل، لكنه على الجانب الآخر يتذكر حالات لم يُكتب لها النجاح: "عملية أطفال الأنابيب تتم على مرحلتين، الأولى سحب البويضات، ثم إعادة الأجنّة من يوم إلى 5 أيام في المرحلة الثانية، وحدث أن جاءت سيدة وتم سحب البويضات ثم توفي الزوج بعدها بيومين ولم نكن قد أتممنا إرجاع الأجنة، ومكناش عارفين نعمل ايه مع المريضة، لكننا اتخذنا قرارا بعدم وضع الأجنة لأن من شروط العملية أن يكون الزوج على قيد الحياة بعقد ساري". كان موقفا عصيبا عاينه أبوالسرور مع هذه السيدة التي نزلت عليها صاعقتين في آن واحد. 

صورةة 7

بشكل تلقائي تنشأ علاقة ود بين العاملين في المركز والأزواج. تقضي منى أبو الغار-استشاري العقم- معظم حياتها مع المرضى، تتفاعل مع آلامهم أحيانا، كذلك الحال مع مُسعد -مدير التسويق "بحاول أتماسك كتير لكن في أوقات نادرة مقدرتش أعمل ده"، كما حدث مع زوجين "كانوا كبار في السن وحالهم يادوب على القد"، كان الزوج يمتلك عربة يجرّها حمار، اضطر لبيعها لإجراء العملية التي تتكلف حوالي 15 ألف جنيها "للأسف محصلش حمل ومكنش فيه فرصة يعملوها تاني"، وزوجان آخران أنجبا توأما بصحة جيدة "وماتوا بعد ما اتولدوا بـ3 شهور".

صورةة 8

لا يُقدم المركز الخدمة الطبية فقط، ثمة فريق بحثي يحاول اللحاق بقطار العلم قدر المستطاع، نشروا حوالي 155 ورقة بحثية في مجلات علمية بارزة حتى عام 2016، لكن المكان يصيبه ما يصيب المواطنين أنفسهم "لما أسعار الأدوية بتغلى أو مستوى المعيشة بينخفض احنا كمان بنتأثر بالسلب"، إلا أن ذلك لا يمنع تطور التقنيات المستخدمة أيضا، ففي عام 2016 أنشأ المركز قسما للفحص الوراثي للأجنّة وتطابق الجينات، حيث بات من الممكن فحص كروموسومات الأب والأم وتنحية المريض منها فيولد طفل خالي من الأمراض الوراثية، كما يمكن من خلال نفس التقنية اختيار جنس المولود.

 مازال أهل المركز، أطباء وعاملون، يتعلمون الجديد كل يوم. تُفرّغ رجاء نفسها تماما للمرضى، تقضي يومها بين العيادة والمعمل، تُربت على كتف مريضة، وتنصح أخرى، تتذكر أيام الفشل "قبل الحالة الأولى في المكان العملية فشلت أكتر من 30 مرة"، وتمتن لأوقات النجاح، مازالوا على الدرب الذي لم ينتهِ بعد "أنا لسة عايزة أدي للمركز والناس"، تعتبر نفسها والمكان كيانا واحدا، يحاول مساعدة اليائسين، والحالمين بطفل، قدر المستطاع.

تابع باقي موضوعات الملف:

"لا تذرني فردًا".. مصريون في رحلة البحث عن طفل (ملف خاص)

ملف-الأطفال

فرح من 7 ليالي.. زوجان يستقبلان مولودتهما الأولى بعد 18 عامًا

2019_1_8_15_59_36_779

"في انتظار لُطف ربنا".. مشاهد من مأساة الإجهاض المتكرر في مصر

2019_1_9_11_43_54_416

تعرف على أبرز أسباب منع الانجاب (فيديوجرافيك)

2019_1_11_19_45_55_244

حكايات الدور الخامس.. أزواج يبحثون عن الإنجاب داخل قصر العيني بـ"سعر حنين" (معايشة)

2019_1_13_19_36_7_28

ساعة ميلاد القدر.. رحلة زوجين لإنجاح عملية الحقن المجهري "في اللحظات الأخيرة"

2019_1_12_15_22_25_565

"أول طفلة أنابيب مصرية".. كيف وثّقت الصحف ولادة "هبة"؟

2019_1_11_14_56_13_671

رئيس وحدة "تأخر الإنجاب": نُجري 600 عملية سنوياً.. و70% من الرجال يعانون ضعف الخصوبة (حوار)

الدكتور عبدالمجيد رمزي مؤسس ورئيس وحدة تأخر الإنجاب

"سابوا البيت وفكروا في الزواج التاني".. حكايات من "مرارة" تأخر الإنجاب

2019_1_14_16_32_39_50

ما الفرق بين أطفال الأنابيب والحقن المجهري؟ (فيديوجرافيك)

2019_1_12_19_0_47_68

"10 جنيه" مكافأة.. حين عايش ياسر رزق ولادة أول طفل أنابيب مصري

2019_1_12_17_18_36_967

"المشاهرة والخلاص".. من عالم "خرافات" تأخر الإنجاب في مصر

2019_1_14_13_26_44_335

إعلان

إعلان

إعلان