• "سابوا البيت وفكروا في الزواج التاني".. حكايات من "مرارة" تأخر الإنجاب

    04:33 م الإثنين 14 يناير 2019
    "سابوا البيت وفكروا في الزواج التاني".. حكايات من "مرارة" تأخر الإنجاب

    صورة أرشيفية

     كتب- أحمد جمعة وإشراق أحمد:

    تصوير- علاء أحمد: 

    انقضت عشرة أيام على استقبال رضا لمولدها الأول. كانت أخبرت الطبيب أنها لا تريد معرفة نوع الجنين عبر كشف السونار "سواء بنت أو ولد عاوزينه". 10 سنوات مرت عانت فيها السيدة الثلاثينية من أجل حلم الإنجاب؛ من أدوية إلى عمليات وحتى دعوة زوجها إلى الزواج بأخرى، لم تترك رضا سبيلاً لتحتضن يداها طفلاً إلا سلكته، أرهقتها المشاوير وفقدان الأمل، لكن ما كان هناك أقسى على نفسها من "كلام الناس".

    مثل "رضا" حالات عانت من "كلام الأهل والجيران"، بعضهم سايرها وتحامل على نفسه، في حين كانت أشد وطأة على غيرهم ممن اضطرتهم الظروف إلى مغادرة منزل الأهل، أو أقسى من ذلك بالرحيل عن المحافظة بأكملها كما فعلت "رضا" وزوجها.

    بسلام مر العام الأول في زواج رضا من ابن عمها عبده. ينتمي الزوجان إلى المنيا، حال طبيعة أهل القرى، لا تمر تسعة أشهر بعد عقد القران إلا ويبدأ سؤال المقربين والمعارف عما إذا كانوا في انتظار مولود. لم تكن تعبأ رضا في البداية، طالما وثقت وزوجها في قضاء الله، لكن رويدًا رويدًا تحول الأمر لعبء "الناس بقت تسأل هو ربنا مداكيش.. هو العيب منك ولا من جوزك؟". تحاملت السيدة بالبسمة مرة والصبر واللطف مرات، لكن الوضع يزداد سوءًا بمرور الوقت.

    كان زواج "رضا" يدخل عامه الثالث، حين استقبلت "سلفتها" -زوجة شقيق زوجها- الأصغر عمرًا مولودها الأول. يسكن أشقاء عبده وزوجاتهم في منزل الأسرة، ومن بعده زاد إلحاح السؤال والهمسات ونظرات الشفقة، لا سيما أنها لجأت وزوجها للكشف الطبي لكن دون نتيجة.

    جولات داخل المنيا وخارجها، باعت رضا ما تملك من الذهب. تستعيد ذكرى أول عملية في أسيوط "فتحوا لي من هنا لهنا" تشير إلى مكان بطنها، فيما تعددت العمليات التي خاضتها "عملت سونار وتسليك أنابيب و5 عمليات صبغة".

    في كل مرة، تعود رضا إلى المنزل محملة بالألم، لتتلقى وجعًا جديدًا بالاستفسار عما أسفر عنه التردد على المستشفيات، فتزداد رضا ضيقًا. كأنها وزوجها محملان بـ"وصم" النقصان.

    لم تمر مناسبة أو تسير رضا في طرقات قريتها وتقابل إحدى السيدات إلا وتتأذى "كنت أداري اللي حساه بالضحكة بس من جوايا تعبانة" بحزن تقول السيدة. وهَنت نفس رضا رغم قوة علاقتها بزوجها "كنت بوصل لمرحلة، إني بطلع من تحت إيد الدكتور، خلاص أنا مش عاوزة عيال من كتر التعب والبنج والحقن وبعد كل ده الكلام".

    ما بين الزوجين من مودة ورحمة دفع رضا أن تخبر عبده ذات يوم "اتجوز تاني وهي تخلف وأنا أربي ونبقى زي العسل"، استقبل الزوج الكلمات بخفة وأجابها "طيب هتجوز. بس أتجوز عشان تولعي فيا وفيها"، وهكذا كانت تمر الأيام العصيبة بمزاح وتأكيد الزوج "ما ليش إلا هي" كما يقول باستحياء.

    ظلت الحياة مقسمة بين العمل والأطباء، يسعى عبده للرزق داخل وخارج المنيا، يغيب عن المنزل نحو 15 يومًا ثم يعود "كنا نرمح أنا وهو ولما القرشين يخلصوا على الكشوفات نرجع نرمح تاني" تعبر رضا بلهجة صعيدية عن انقضاء الأيام الثقال، حتى قررا ذات ليلة أن يسافرا ويستقرا في القاهرة؛ بعيدا عن إلحاح الأهل والسؤال الذي لم يجدا له إجابة سوى "قدر ربنا".

    قبل نحو ثلاثة أعوام اتخذ عبده ورضا في منطقة مصر الجديدة "سِبت البلد وأهلي واللي لينا وجينا إحنا الاتنين، مسكنًا عمارة واشتغلنا ومشينا حالنا". كأنما الفرج في الارتحال؛ إحدى سكان العقار في حديث لها مع رضا، وفضفضة الأخيرة بحالها، أخبرتها السيدة أنها تعرف طبيبة ماهرة وبإمكانها التوسط لديها.

    ذهبت رضا وزوجها على مضض تلك المرة. امتنعت السيدة عن السعي إلى الأطباء بعد 6 سنوات من الزواج "حملتها على الله وقلت يمكن تيجي من فوق ومبقتش أخد إلا الضحكة والهزار وعبده كده برضه". فقدت ابنة المنيا شيئاً من الأمل لكنها لم تتخل عنه "قلت اللي خلاني لفيت كل ده أجي على المرة دي واٌقول لا.. هعمل اللي عليا والباقي على الله".

    في ذلك الوقت كان قد مضى 10 سنوات على زواج رضا وعبده، اختلفت الحياة "من ساعة ما جيت مصر وأنا نفسيتي ارتاحت.. محدش بيقول لي حاجة.. محدش يعرفني عشان يسألني"، لهذا ذهبت إلى الطبيبة في المعادي، وأجريت العملية.

    قبل نحو عام، استقبلت رضا الكلمة التي انتظرتها لسنوات "أنتِ حامل". لم تتمالك السيدة نفسها "بقيت أعيط وأزغرط في نفس الوقت"، دبت السعادة في قلبي الزوجان، اتصلا بأسرتيهما ووزعا الحلوى، وحضرت والدة عبده للإقامة معها لمساعدتها وتجنب إرهاقها، لكن سرعان ما انطفت الفرحة.

    حين ذهب الزوجان لإجراء كشف السونار، صمتت الطبيبة ثوانى قبل أن تخبر رضا "مفيهمش نبض"، كان رحم السيدة يحمل توأم، فقدتهما بعد شهر و20 يومًا.

    زار ابنة المنيا حزن مختلف هذه المرة "أخدت أسبوعا على السرير محطتش رجليا في الأرض"، لكنها وجدت عزاءها في كلمات الطبيبة "متخافيش هنعمل العملية تاني وتالت"، فعادت رضا لصبرها الأول، متكئة على زوجها الذي أخبرها "قولي يا رب وحمليها على الله".

    بعد ثلاثة أشهر، أجرت رضا عملية أخرى، وانتظرت النتيجة ليأتيها الخبر السار، لكنها لم تستقبله كما فعلت بالسابق، أخفى الزوجان الخبر عن أسرتهما في البداية، خشية فقدان الأمل. فضلت رضا تنتظر حتى التأكد من ثبات الحمل، فيما أخذت تطاردها كلمات والدة حماتها "أنا مش هموت إلا لما أشوف لعبده عيل"، فتزيد من دعائها بأن تكتمل فرحتهم هذه المرة.

    في منزل سالي محمد –اسم مستعار لاستشعار المصدر الحرج- تشابهت الضغوط التي وضعت فيها رضا، خاصة في مسار التردد على الأطباء، أخذت الأيام تمضي في رحلة سالي للإنجاب، والتي بدأت بعد عام واحد من الزواج. زيارات لا تنقطع دون طائل، إلا الإجابة بأنه لا مانع طبي لدى الزوجين لكن "لو اطلقتوا كل واحد يخلف عادي"، وقع التشخيص كان قاسياً على نفس الرفيقين، فيما طاف بالزوجة العشرينية شبح معاناة والدتها، التي أنجبتها بعدما بلغت الأربعينيات من العمر.

    لم تكن الأيام "وردية"، كادت رياح تأخر الإنجاب تعصف بحياة "سالي" الزوجية "بدأت الناس تتدخل في حياتهم وكل شوية حد يقول لزوجها روح اتجوز" تحكي سارة أحمد، قريبة "سالي" التي عايشت معها مجريات الأحداث.

    نالت ضغوط الأهل والأصدقاء من الزوج بعد سنوات من الزواج؛ نوى أن يتزوج بأخرى، لولا ذلك المساء الذي اشترطت فيه "سالي" أن يطلقها، أخبرته "أنا من حقي أتجوز وأخلف". وقتها تزلزل الزوج، بكي لصعوبة فراقهما على نفسه، وتراجع عما مسه من أفكار بالانفصال.

    لقيت علاقة "سالي" الزوجية بعض "المطبات" التي نغصت الحياة، خاصة لسكنهم في منزل العائلة، واجهت "سالي" كلمات ثقيلة من أهل زوجها، يتأذى سمعها بين الحين والآخر بتعليقات مثل "أنت زي أمك وهتخلفي على كبر ده لو جبتِ عيال أصلاً"، وصل الحال لإخفاء حمل سيدات المنزل الأخريات عنها، شعرت "سالي" بالتمييز داخل هذا السكن، وساءت حالتها النفسية، فكان السبيل في ترك المكان لتلمس شيئا من الهدوء.

    عاد الزوجان لاستكمال رحلتهما مع الأطباء، ومع ذلك لم ينجبا. اقترحت "سالي" على زوجها أن يذهبا إلى الحج، وزيارة "الروضة الطاهرة" في مسجد النبي محمد، فكان القدر المدبر، تحكي سارة أن الزوجات استقلا حافلة بينما يؤديان مناسك الحج، كان أغلب من فيها ممن يناجون الله بالذرية الصالحة، حتى أن الصدفة جمعته بصديق دراسة لم يُرزق بالأطفال هو الآخر.

    بعد الرجوع من السعودية، ظلّ تواصل زوج سالي وصديق الدراسة على فترات متقاربة، واستمرت المكالمات الهاتفية في المناسبات والأعياد، حتى قرر ذات يوم أن يصحب "سالي" لزيارة رفيقه، فإذا بباب شقته مفتوح وطفلة صغيرة تجلس فوق طاولة، التقى الجيران سالي وزوجها وروا لهما ما حلّ بالصديق.

    قبل شهرين خرج صديق زوج "سالي" وأسرته، ووقع حادث تصادم مروري أودى بحياته وزوجته، فيما نجت طفلتهما التي كانت بعمر ثلاثة أشهر، ولم يتمكن الجيران من الوصول إلى أسرة الزوجين "جابوا الطفلة على عنوان بطاقة أبوها لكن الراجل وحيد وأهل زوجته من المنوفية"، وانقطعت سبل الوصول لأي شخص يرعى الصغيرة، ليقرر الجيران إبلاغ وزارة التضامن للتكفل بالطفلة.

    كانت سالي وزوجها اتفقا مع الجيران أن يكفلا الطفلة "سعاد" كما أسموها، على أن يتواصلا بدورهما مع وزارة التضامن إن وجدا أسرة والديها، مرّت شهور ولم يتوصلا إلى شيء، فقررا التكفل بها إلى الأبد.

    تعاملت سالي مع الصغيرة "سعاد" على أنها "هدية ربنا" بعد تأخر الحمل لأكثر من 11 عامًا، أحسن الزوجان رعايتها كأنها ابنتهما دون أن يعلما أن العوض الإلهي في الطريق؛ بعد 7 سنوات من التكفل بالصغيرة اليتيمة، حملت "سالي" بعدما بلغت الأربعين عامًا، وأنجبت فتاة، لتصبح أماً لطفلتين بعدما تمنت لسنوات أن تحمل يداها وليدًا واحدًا.

    تخشى "سالي" على طفلتيها من الإفصاح عما عانته، ترتاب من "كلام الناس" الذي عانت منه، ترغب في سلام دائم يأوي إليه الصغيرتان، تستند على زوجها، الذي لازمها كما فعل عبده مع "رضا"، ظل قابَضًا على يدها في كل المشاوير، كما تقبض هي على صورة السونار الخاص بجنينها، الذي طالبت بعدم معرفة هويته "قلت للدكتور خليها زي البطيخة" تقول رضا ضاحكة، فيما تشرد كثيراً متخيلة تفاصيل الحياة بعدما تضع مولودها.

    تحفظ رضا كل ورقة حصلت عليها طيلة 10 سنوات في ملف، تُخطط لوضع صورة السونار خلف حجرة طفلتها، التي أسمتها "مريم" كما تمنت "عشان لو اتكلمت في يوم أقول لها قد ايه تعبنا ولفينا عشان تيجي"، تُفصح عن رغبتها في تعليمها لتصبح طبيبة "عشان تعالج الناس اللي زينا".

     

    تابع باقي موضوعات الملف:

    "لا تذرني فردًا".. مصريون في رحلة البحث عن طفل (ملف خاص)

    ملف-الأطفال

    بالصور- مصراوي داخل أول مركز مصري لأطفال الأنابيب (معايشة)

    2019_1_10_19_39_27_473

    فرح من 7 ليالي.. زوجان يستقبلان مولودتهما الأولى بعد 18 عامًا

    2019_1_8_15_59_36_779

    "في انتظار لُطف ربنا".. مشاهد من مأساة الإجهاض المتكرر في مصر

    2019_1_9_11_43_54_416

    تعرف على أبرز أسباب منع الانجاب (فيديوجرافيك)

    2019_1_11_19_45_55_244

    حكايات الدور الخامس.. أزواج يبحثون عن الإنجاب داخل قصر العيني بـ"سعر حنين" (معايشة)

    2019_1_13_19_36_7_28

    ساعة ميلاد القدر.. رحلة زوجين لإنجاح عملية الحقن المجهري "في اللحظات الأخيرة"

    2019_1_12_15_22_25_565

    "أول طفلة أنابيب مصرية".. كيف وثّقت الصحف ولادة "هبة"؟

    2019_1_11_14_56_13_671

    رئيس وحدة "تأخر الإنجاب": نُجري 600 عملية سنوياً.. و70% من الرجال يعانون ضعف الخصوبة (حوار)

    الدكتور عبدالمجيد رمزي مؤسس ورئيس وحدة تأخر الإنجاب

    ما الفرق بين أطفال الأنابيب والحقن المجهري؟ (فيديوجرافيك)

    2019_1_12_19_0_47_68

    "10 جنيه" مكافأة.. حين عايش ياسر رزق ولادة أول طفل أنابيب مصري

    2019_1_12_17_18_36_967

    "المشاهرة والخلاص".. من عالم "خرافات" تأخر الإنجاب في مصر

    2019_1_14_13_26_44_335

    إعلان

    إعلان

    إعلان