إعلان

"أمهدة".. قصة مدينة هجرها سكانها وصانتها رمال الوادي الجديد

كتب : محمد الباريسي

03:58 م 27/04/2026

تابعنا على

في الركن الشمالي الغربي من واحة الداخلة بمحافظة الوادي الجديد، تقبع أمهدة كأنها شريط محفوظ من الزمن؛ مدينةٌ رومانية متأخرة هجرت في أواخر القرن الرابع الميلادي فغطّتها الرمال، لتصون عمرانها ونقوشها ومدرستها وحمّامها وكنيستها الجنائزية المبكّرة، وتمنح الباحثين اليوم نافذةً نادرة على حياة مدينة واحية كاملة عاشت على أطراف الإمبراطورية الرومانية.

من "ست-واح" الفرعونية إلى "ترميثيس" الرومانية

يُعرّف باحثو الآثار أمهدة باعتبارها موقع مدينة "ترِيمِيثِس" (Trimithis) الرومانية المتأخرة، غير أن تاريخها أعمق بكثير؛ إذ كان اسمها في المصرية القديمة "ست-واح" أي "موضع الراحة"، قبل أن تُعرف في العصرين البطلمي والروماني باسمها اليوناني الشهير.

الموقع يقع على مسافة قصيرة جنوبي بلدة القصر، وكان جزءًا من نطاقها الإداري في فترات تاريخية لاحقة،

هذا ما أكده ماهر بشندي، المدير السابق لمنطقة آثار الداخلة، لمصراوي موضحا أن أطراف أمهدية تكشف دلائل ضاربة في القِدم تشير إلى نشاطات ما قبل التاريخ، مع شواهد من عصر الدولة القديمة في محيط التل الذي جرى تشييد معبد الإله تحوت عليه لاحقًا؛ مما يعني أن المكان عرف أهمية مبكرة قبل تحوله مدينةً متكاملة.

معبد تحوت.. من الدولة الحديثة إلى الحقبة الرومانية

قال بشندي، إن معبد الإله تحوت، إله الحكمة والكتابة عند المصريين القدماء، جرى إنشاؤه منذ الدولة الحديثة في أمهدة، واستُخدم عبر العصرين البطلمي والروماني، جرى العثور في الموقع على كتل حجرية مزخرفة من معابد متعاقبة تعود للعصر الصاوي والفارسي، وكذلك لعصري الإمبراطورين الرومانيين تيتوس ودوميتيان.

ذروة الازدهار: القرن الرابع الميلادي

وفق ما أكده ماهر بشندي لمصراوي، بلغت ترِيمِيثِس أوجها في العصر الروماني المتأخر والمسيحي المبكر. وكشفت الحفائر عن منظومة حضارية متكاملة تشمل:

مدرسةً للآداب اليونانية جرى تدوين نصوصها البلاغية مباشرة على الحوائط بالأحمر، تدعو التلاميذ إلى الارتقاء في فنون الخطابة، وبيت سيرينوس الفاخر، منزل عضو مجلس المدينة، بزخارفه الجدارية الأسطورية وقاعاته المزينة، وحمّامًا عامًا متعدد المراحل يعكس خدمات المدينة الرومانية وتحوّلاتها عبر الزمن.

أشار إلى أن بيت سيرينوس يُعدّ واحدًا من أفضل النماذج السكنية الحضرية المتأخرة في الصحراء المصرية، وزخارفه الجدارية أعطت الباحثين مفتاحًا لفهم الذائقة الفنية والرمزية للنخبة المحلية.

من معبد تحوت إلى كنيسة جنائزية مبكرة

بين عامَي 2012 و2023، جرى التنقيب في كنيسة بازيليكية مبكرة بأمهدية، ونُشرت نتائجها عام 2024. وأكد منصور عثمان، خبير آثار قبطية بالوادي الجديد، لمصراوي أن هذا الكشف أعاد رسم خريطة بدايات المسيحية في الواحات، لافتًا إلى أن الكنيسة تُعد من أقدم الكنائس المبنية خصيصًا للعبادة في مصر، وتضم واحدًا من أقدم السراديب الجنائزية المسيحية المكتشفة في البلاد.

قال منصور، إن هذا الكشف يبرهن أن التحوّل الديني في الواحات لم يكن هامشيًا بل مؤسِّسًا لبنى عمرانية وشعائرية جديد.

مشروع الحفائر الدولي ودور جامعة نيويورك

أكد محسن عبد المنعم الصايغ، مدير هيئة تنشيط السياحة بالوادي الجديد ومن أبناء مركز الداخلة ، لمصراوي أن مشروع أمهدة انطلق عام 2001 بإشراف أكاديمي دولي ضمن مشروع واحة الداخلة، وأصبحت جامعة نيويورك (NYU/ISAW) منذ 2008 الراعي الأكاديمي الرئيس، بالتعاون مع شركاء من جامعات ومراكز بحثية دولية متعددة.

وأشار الصايغ إلى أنه جرى إنشاء مأوى خاص لحماية الكتل الحجرية المزخرفة المنقولة من معبد تحوت من عوامل التعرية، فضلًا عن تنفيذ نموذج معماري مُعاد لبيت سيرينوس قرب مدخل الموقع، جرى تهيئته ليصبح نواة مركز استقبال للزوّار.

قال الصايغ، إن هذا البيت المُعاد بناؤه يتيح للزائر أن يعيش تجربة واقعية عن الحياة اليومية في القرن الرابع الميلادي دون تعريض المبنى الأصلي لخطر الانهيار.

وأضاف الصايغ أن النموذج المماثل لبيت سيرينوس احتاج إلى أعمال ترميم بعد موجة أمطار استثنائية تعرّضت لها المنطقة مؤخرًا، حرصًا على جاهزيته لاستقبال الزوار.

مدينة كاملة في نسيج واحد

ختم محسن الصايغ حديثه لمصراوي بالقول إنه حين هجرت ترِيمِيثِس في نهاية القرن الرابع الميلادي، كفلت الرمال عن غير قصد حماية استثنائية لمدينة كاملة يمكن اليوم قراءتها طبقةً طبقة، كأنها تعود لتخبرنا كيف عاش الناس وتعلموا واعتنقوا وتبادلوا السلع في قلب الصحراء.

وبسؤاله عن أهمية الموقع، أكد أن أمهدة ليست مجرد مستوطنة رومانية في صحراء واسعة؛ بل ملفٌّ حضاري شبه مكتمل يجمع: مجلسًا محليًا ونخبةً مدينية، ومدرسةً للبلاغة اليونانية، وحمّامًا عامًا، وعمارةً سكنية مزخرفة، ومعبدًا لإله مصري قديم، وكنيسةً جنائزية مبكرة؛ كل ذلك في نسيج اقتصادي اجتماعي متّصل بالواحات الأخرى ووادي النيل.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان