إعلان

لعبة النفس الطويل.. لماذا تؤجل الصين الحسم العسكري في تايوان؟

كتب : محمود الطوخي

11:00 م 10/05/2026

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

تابعنا على

في الوقت الذي يُصوَّر فيه الاستيلاء العسكري الصيني على تايوان باعتباره أمرا حتميا ووشيكا، تعتمد بكين استراتيجية النفس الطويل في أزمة الصين وتايوان، مراهنة على الوقت والتنمية بدلا من المغامرة العسكرية المباشرة.

وهم الغزو الوشيك وشروط التدخل العسكري

يرى عدد متزايد من المراقبين، بمن فيهم كتاب في مجلة "فورين أفيرز"، أن التصريحات المترددة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن التزامات الولايات المتحدة بالدفاع عن تايوان، وما بدا وكأنه لامبالاة بمصير الجزيرة، قد تغري بكين بمحاولة فرض الوحدة بالقوة العسكرية قريبا، وربما قبل نهاية عام 2026.

وقد أثارت الحرب الأمريكية مع إيران، وإعادة نشر أنظمة الدفاع الأمريكية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط، مخاوف إضافية من أن الصين قد تتحرك للاستيلاء على الجزيرة دون خشية من رد أمريكي.

مع ذلك، تؤكد الباحثتان أماندا هسياو وهي مديرة بقسم الصين في مجموعة "أوراسيا"، وبوني جلاسر مديرة برنامج منطقة المحيطين الهندي والهادئ في صندوق "مارشال" الألماني بالولايات المتحدة، أن هذه التكهنات تسيء فهم استراتيجية بكين في أزمة الصين وتايوان؛ فالصين تريد توحيد تايوان بأقل تكلفة ممكنة، وهي تعتقد حاليا أن هذا الهدف سيصبح أسهل وأقل كلفة كلما مر الوقت.

ووفقا للباحثتين، ترى بكين أن تطوير قدراتها العسكرية والاقتصادية سيمكنها تدريجيا من ردع أي تدخل أمريكي للدفاع عن تايوان، بما يسمح لها بإجبار الجزيرة على الاستسلام السياسي دون الحاجة بالضرورة إلى غزو شامل.

وفي الوقت نفسه، تعتقد القيادة الصينية أنها قادرة على منع تايوان من إعلان الاستقلال الرسمي.

ورغم أن الصين لم تستبعد استخدام القوة، فإن ظروفا محددة قد تدفعها إلى غزو الجزيرة أو فرض حصار عليها، مثل إعلان تايوان الاستقلال رسميا، أو منح الولايات المتحدة اعترافا دبلوماسيا رسميا بالجزيرة، أو اقتناع بكين بأنه لم يعد هناك طريق للوحدة من دون استخدام القوة.

ورغم ذلك، ترى هسياو وجلاسر أن خطر العمل العسكري في المدى القريب لا يزال محدودا؛ لأن بكين باتت تؤمن بشكل متزايد بأن استراتيجيتها طويلة الأمد لضم تايوان تؤتي ثمارها.

حرب التجارة والتكنولوجيا تعزز الموقف الصيني

تستند استراتيجية بكين إلى قناعة راسخة بأن ميزان القوى يميل تدريجيا لصالحها في مواجهة واشنطن. وخلال العام الماضي تحديدا، أصبحت الصين أكثر ثقة بصعودها وبما تعتبره تراجعا أمريكيا.

وفي أثناء ذلك، ترى بكين أن نموذج الحكم الصيني يحقق نتائج أفضل من الديمقراطيات الغربية التي تعتبرها تعاني اختلالات متزايدة، كما تعتقد أنها تمتلك القدرة على تحمل الضغوط الاقتصادية والتكنولوجية الأمريكية، وأنها راكمت أدوات فعالة للتأثير في قرارات واشنطن المتعلقة بالتجارة والتكنولوجيا وتايوان.

ويشير التقرير إلى أن ثقة الصين المتزايدة تعود جزئيا إلى طريقة تعاملها مع الحرب التجارية التي أطلقتها إدارة ترامب عام 2025، حيث ردت بكين على الرسوم الجمركية الأمريكية المتصاعدة بفرض رسوم مماثلة وقيود على صادرات المعادن النادرة، وهي خطوات خلصت الصين إلى أنها دفعت واشنطن سريعا إلى التراجع عن تهديداتها.

إلى جانب ذلك، تؤكد الباحثتان، أن الصين أصبحت أكثر تفاؤلا بقدرتها على تطوير تقنيات تعتبرها حاسمة لتعزيز قوتها الوطنية رغم العقوبات وقيود التصدير الأمريكية.

وفي مجال الذكاء الاصطناعي مثلا، عزز ظهور نموذج اللغة الصيني "ديب سيك" ثقة الدولة والمستثمرين بإمكانية تقليص الفجوة مع الولايات المتحدة، بعدما قدم أداء منافسا للنماذج الأمريكية بتكلفة أقل بكثير.

تحديات الخطة الخمسية الصينية حتى عام 2030

ورغم ذلك، تبقى بكين مدركة للتحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها؛ إذ أن آخر خطة خمسية صينية، التي تحدد أولويات التنمية حتى عام 2030، تحدثت عن مخاطر ومشكلات خفية داخل الاقتصاد الصيني، تشمل تصاعد ديون الحكومات المحلية، واستمرار الانكماش، وأزمة سوق العقارات، وتباطؤ نمو الإنتاجية.

وأشارت الخطة أيضا إلى تهديدات الهيمنة، في إشارة غير مباشرة إلى الأدوات التي تخشى بكين أن تستخدمها واشنطن لعرقلة صعود الصين.

وهنا، ترى القيادة الصينية أن الصبر يظل استراتيجية ناجحة.

تحقيق الانتصار وتجنب المواجهة المباشرة

تعتقد بكين أن قوتها المستقبلية ستدفع الولايات المتحدة وتايوان إلى تجنب المواجهة، وأن تنامي نفوذها سيجذب سكان الجزيرة تدريجيا إلى مزايا الوحدة مع الصين.

وتشير الباحثتان، إلى أنه حتى في حال قررت بكين أن استخدام القوة أصبح ضروريا، فهي تدرك حساسية اللجوء إلى الحرب قبل أن تحقق كامل إمكاناتها التنموية، في وقت لا تزال الولايات المتحدة تتمتع فيه بتفوق اقتصادي وتكنولوجي.

إلى جانب ذلك، لا تستطيع الصين استبعاد احتمال رد أمريكي عسكري أو اقتصادي أو الاثنين معا إذا أقدمت على غزو تايوان. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على سبيل المثال، قد يعتبر أي تحرك صيني عدواني إهانة شخصية ويدفعه باتجاه رد قوي، خاصة أنه سبق أن قال علنا إن نظيره الصيني شي جين بينج تعهد له بعدم غزو تايوان خلال فترة رئاسته.

وفي الوقت نفسه، يعتقد أن حملات التطهير غير المسبوقة التي نفذها شي داخل الجيش الصيني، وإقالة نحو نصف كبار القادة العسكريين، ربما أضعفت قدرة جيش التحرير الشعبي على التخطيط للعمليات العسكرية المعقدة وأبطأت جهود تحديثه العسكري.

وتحذر "فورين أفيرز"، من أن أي صراع كبير مع الولايات المتحدة قد يتحول إلى فشل مكلف للصين، مع خسائر اقتصادية قد تبلغ تريليونات الدولارات، واضطرابات داخلية قد تهدد استقرار النظام، وعزلة دولية واسعة.

لذلك، ترى بكين أن مخاطر المغامرة العسكرية الآن لا تستحق المجازفة، ما دامت واثقة من قدرتها على الانتصار على المدى الطويل.

وفي فبراير الماضي، قال الأكاديمي الصيني البارز ليو جوشين إن التراجع النسبي للولايات المتحدة يعني أن بكين لا ينبغي أن تستنزف كثيرا من قوتها الوطنية في قضية تايوان على المدى القريب، بل ينبغي أن تترك استمرار التنمية الصينية يحسم مسألة وضع الجزيرة مع مرور الوقت.

الرهان على المعارضة وتراجع دعم الاستقلال

تعتمد حسابات الصين أيضا على مواقف الولايات المتحدة وتايوان؛ فاستراتيجية الصبر لا تنجح إلا إذا لم تتخذ واشنطن أو تايبيه خطوات جدية نحو ترسيخ استقلال تايوان رسميا بينما تواصل الصين تعزيز قوتها.

وفي هذا السياق، تعتقد بكين أن حملتها المتواصلة من الضغوط القانونية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية أصبحت أكثر فاعلية، كما ترى أن جهودها لتحسين صورتها لدى الشعب التايواني وإبعاد الجزيرة عن الولايات المتحدة بدأت تحقق زخما متزايدا.

وفي حين تعتبر الصين الرئيس التايواني لاي تشينج تي مؤيدا متشددا للاستقلال وتعارضه بشدة، لكنها فإنها ترى أنه أضعف سياسيا؛ ففي الصيف الماضي، دعم الحزب الديمقراطي التقدمي الذي ينتمي إليه لاي حملة لسحب الثقة من نواب حزب الكومينتانج في البرلمان، لكنه فشل في إسقاط أي نائب، في ضربة محرجة للرئيس وحزبه.

ويمتلك حزب الكومينتانج، بالتعاون مع حزب الشعب التايواني الأصغر، أغلبية برلمانية، ما جعله عائقا قويا أمام أجندة لاي السياسية.

ويعطل الحزبان تمرير ميزانية دفاع خاصة بقيمة 40 مليار دولار، ويدفعان نحو تخصيص أقل بكثير لشراء الأسلحة الأمريكية خلال السنوات الـ8 المقبلة، فضلا عن أن التعاون بين الحزبين يُبقي احتمال فوز المعارضة ببطاقة انتخابية مشتركة في انتخابات 2028 الرئاسية قائما، بما قد يمهد لوصول رئيس أكثر تقاربا مع الصين.

وتوضح هسياو وجلاسر، أن بكين تعتبر صعود تشنج لي وون، رئيسة حزب الكومينتانج المعارض في تايوان، التي تتبنى بوضوح الهوية الصينية وتوافق عام 1992، عزز ثقتها بوجود شريك سياسي جديد داخل تايوان يمكن التعاون معه.

واتضح ذلك خلال الزيارة رفيعة المستوى التي رتبتها الصين لتشنج في شهر أبريل الماضي، حيث التقت الرئيس الصيني الذي ألمح بدوره إلى تمسكه بسياسة الصبر في ملف الوحدة، وأكدت مجددا رفض حزبها لاستقلال تايوان.

وأظهرت استطلاعات أجرتها منصة "ماي فورموزا" التايوانية أن الزيارة رفعت مستوى الثقة الشعبية في تشنج وحسنت صورة حزب الكومينتانج، حتى وإن بقيت غالبية المستطلعين غير واثقين بها.

وترى بكين أن هذه المؤشرات تؤكد فعالية استراتيجيتها طويلة الأمد في بناء علاقات مع قوى المعارضة داخل تايوان.

تحولات جذرية في آراء الشباب التايواني

ورغم أن استطلاعات الرأي الممتدة لعقود تظهر أن نسبة متزايدة من سكان تايوان لا يعتبرون أنفسهم صينيين ولا يؤيدون الوحدة مع الصين، فإن بكين تركز على تحولات جديدة في الرأي العام؛ حيث أظهرت استطلاعات تايوانية تزايد الشكوك تجاه الولايات المتحدة بسبب المخاوف من عدم موثوقية واشنطن إذا اندلع صراع عسكري.

وأصبح الرأي العام في تايوان أكثر استقطابا حول قضايا أمنية أساسية، مثل ما إذا كانت واشنطن ستتدخل عسكريا، وحجم الإنفاق الذي يجب تخصيصه لشراء الأسلحة الأمريكية، وهو ما تعتبره بكين مساحة سياسية لترويج روايات تنافسية تضعف العلاقة بين تايبيه وواشنطن.

وتشير البيانات إلى تغيرات ملحوظة بين الشباب ضمن تطورات أزمة الصين وتايوان؛ فبين مايو 2015 ونوفمبر 2025، تراجعت نسبة التايوانيين بين 20 و29 عاما الذين يعتقدون أن البر الرئيسي وتايوان لا ينتميان إلى صين واحدة من 82.1% إلى 65.8%.

وخلال الفترة بين أكتوبر 2023 ونوفمبر 2025، انخفضت نسبة الشباب المؤيدين للاستقلال من 26.7% إلى 17.9%، بينما ارتفعت نسبة المؤيدين للوحدة من 1.4% إلى 6.8%. وأصبح الجيل الأصغر حاليا أقل تأييدا للاستقلال وأكثر ميلا للوحدة مقارنة بمعظم الفئات العمرية الأخرى.

وترى الباحثتان، أن جهود الصين الإعلامية والثقافية ربما تلعب دورا في هذه التحولات، من خلال تجنيد مؤثرين على الإنترنت لإنتاج محتوى إيجابي عن الحياة في الصين عبر منصات مثل "يوتيوب" و"تيك توك"، إضافة إلى الانتشار الواسع لتطبيقات صينية مثل "ريد نوت" بين الشباب التايوانيين، قبل أن تحظره تايوان مؤقتا في ديسمبر 2025 بسبب مخاوف أمنية.

تراجع الالتزام الأمريكي يعزز استراتيجية بكين

تعتقد الصين أن مواقف ترامب عززت فرضية أن التزام واشنطن بالدفاع عن تايوان قد يتآكل تدريجيا؛ إذ رفض الرئيس الأمريكي تقديم تعهد واضح بالدفاع عن الجزيرة، وطالبها بدفع مقابل الحماية الأمريكية، كما اتهمها بسرقة صناعة الرقائق الإلكترونية الأمريكية.

واعتبرت بكين أن واشنطن أرسلت إشارات على استعدادها لضبط النفس في ملف تايوان لتجنب تدهور العلاقات مع الصين.

ومن بين هذه الإشارات رفض السماح للرئيس لاي بالمرور عبر نيويورك في يوليو 2025، وتقارير عن تأجيل صفقة أسلحة أمريكية لتايوان بقيمة 14 مليار دولار استجابة لضغوط صينية.

وعززت تصريحات مسؤولين أمريكيين بشأن ضرورة نقل جزء كبير من إنتاج الرقائق التايوانية إلى الولايات المتحدة توقعات بكين بأن الالتزام الأمريكي بالدفاع عن الجزيرة قد يضعف بمجرد تراجع اعتماد واشنطن على الصناعة التايوانية.

التحرك البطيء وتنمية النفوذ الصيني

وتشدد "فورين إيرز"، على أنه حتى دون السعي لحسم سريع لقضية تايوان، ستواصل الصين تطوير أدوات جديدة لتعزيز الوحدة وردع الاستقلال، حيث تروج بكين لما تسميه التنمية المندمجة، وهي مجموعة سياسات تهدف إلى جذب الشركات والكفاءات التايوانية وتعميق الاعتماد الاقتصادي والاجتماعي المتبادل، بما يزيد قدرة الصين على ممارسة النفوذ داخل الجزيرة.

كما ستواصل استخدام أدوات سياسية وقانونية وعسكرية لتقليص هامش الحركة أمام الحكومة التايوانية وتقويض استقلاليتها تدريجيا.

وفي الوقت نفسه، تسعى الصين للتأثير بصورة أكبر في سياسة واشنطن تجاه تايوان، عبر محاولة دفع الإدارة الأمريكية إلى تبني مواقف لغوية وسياسية أقرب إلى الرؤية الصينية، مثل إعلان معارضة استقلال تايوان بدلا من الاكتفاء بعبارة عدم دعم الاستقلال.

وتترسخ قناعة لدى بكين، بأن أي تغيير ولو بسيط في الصياغات الأمريكية سيشكل سابقة يمكن البناء عليها لاحقا للضغط على الإدارات الأمريكية المقبلة.

عام 2028.. نقطة التحول الحاسمة في أزمة الصين وتايوان

ورغم أن بكين ترى أن الاتجاهات الحالية تصب في مصلحتها، فإن عام 2028 قد يدفعها إلى إعادة تقييم استراتيجيتها؛ ففي حال أعيد انتخاب الرئيس التايواني لاي، وسيطر حزبه على البرلمان، فقد يصبح أكثر قدرة على تعزيز دفاعات الجزيرة وتقليص العلاقات مع الصين والتأكيد بصورة أقوى على سيادة تايوان.

وفي المقابل، قد تأتي الانتخابات الأمريكية بقيادة أكثر تشددا تجاه الصين وأكثر دعما لتايوان.

ومن المتوقع، أن يحصل الرئيس الصيني في أواخر عام 2027 على ولاية جديدة لـ5 أعوام، مع تعيين قيادة عسكرية جديدة قد تكون أكثر ولاء له وأقل استعدادا لتحذيره من مخاطر الحرب.

وترى "فورين أفيرز"، أن هذه العوامل مجتمعة قد تدفع بكين نحو وسائل ضغط أكثر خشونة، لكنها لن تغير على الأرجح قناعتها الأساسية بأن كلفة الغزو أو الحصار الشامل لا تزال مرتفعة للغاية.

فالصين تدرك أن الولايات المتحدة ما تزال تمتلك تفوقا ماليا وتكنولوجيا وعسكريا كبيرا، وأن أي حرب على تايوان قد تهدد هدف النهضة الوطنية الذي تسعى بكين لتحقيقه بحلول الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 2049.

وتخلص الباحثتان، إلى أن الصين ليست في عجلة من أمرها لضم تايوان بالقوة، لأنها ترى أن الاتجاهات الحالية تمنحها أفضلية متزايدة، وأن الوقت، لا الحرب، قد يكون السلاح الأكثر فاعلية لتحقيق هدف الوحدة.

اقرأ أيضا:

"الجيش خارج المعركة".. كيف تخطط الصين للسيطرة على تايوان دون طلقة واحدة؟

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان