إعلان

كانت سلة غذاء الرومان.. رحلة داخل مدينة "أسمنت الخراب" بالوادي الجديد -صور

كتب : محمد الباريسي

05:54 م 07/05/2026

تابعنا على

كشفت مدينة كاليس القديمة، الواقعة على بعد نحو 15 كيلومترًا شرق مدينة موط في محافظة الوادي الجديد، عن فصل نادر من تاريخ الواحات المصرية، بعدما ظلت أطلالها مدفونة تحت الرمال لقرون طويلة، قبل أن تعيد الحفائر والدراسات الأثرية تقديمها بوصفها واحدة من أهم مدن العصرين اليوناني والروماني في الصحراء الغربية.

وتحمل المدينة، التي يعرفها أهالي واحة الداخلة باسم "أسمنت الخراب"، قيمة تاريخية كبيرة، إذ تشير المصادر الأثرية إلى أنها كانت مركزًا اقتصاديًا ودينيًا مهمًا، ومخزنًا رئيسيًا للغلال والحبوب، فضلًا عن احتضانها معبد الإله توتو وعددًا من أقدم الكنائس القبطية في مصر.

مخزن الغلال وأرض النعيم

قال الخبير الأثري محمود مسعود، مدير آثار الداخلة السابق، لمصراوي، إن تاريخ مدينة كاليس يعود إلى أكثر من 2000 عام، حيث عُرفت في النصوص القبطية باسم "كلس"، وهي تسمية ارتبطت بمعنى مخزن الغلال، ما يعكس الدور الاقتصادي الكبير الذي لعبته المدينة خلال العصر الروماني.

وأوضح مسعود، أن الواحات الداخلة كانت، بحكم موقعها وخصوبة أراضيها، مركزًا مهمًا لإنتاج الحبوب والدقيق، وأن كاليس ارتبطت في الذاكرة التاريخية بفكرة "أرض النعيم"، بعدما مثلت نقطة إمداد غذائي وتجاري للإمبراطورية الرومانية.

مدينة من الطوب اللبن و100 منزل أثري

أضاف الخبير الأثري منصور عثمان، خبير الآثار القبطية بالوادي الجديد، أن كاليس شُيدت بالكامل من الطوب اللبن، خاصة خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين، واحتفظت بتخطيط معماري يعكس طبيعة الحياة اليومية في الواحات خلال تلك الفترة.

وأكد منصور، أنه جرى الكشف عن نحو 100 منزل أثري داخل المدينة، كانت تضم مداخل واسعة تؤدي إلى صالات رئيسية وغرف معيشة، إلى جانب أحواش ملحقة وحجرات صغيرة لتربية الدواجن وأفران للخبز، ما يكشف عن مجتمع مستقر اعتمد على الزراعة والإنتاج المنزلي والحياة المنظمة.

معبد توتو.. الإله النادر في الواحات

ومن أبرز أسرار مدينة كاليس، معبد الإله توتو، الذي يعد من المعابد النادرة المرتبطة بهذا الإله في مصر، وبحسب تصريحات الدكتورة سهام بحر، مدير الآثار القبطية بالوادي الجديد، أنه جرى تصوير توتو برأس آدمي وجسد أسد وذيل يشبه ثعبان الكوبرا، في هيئة تجمع بين القوة والحكمة والرمزية الغيبية.

وأشارت إلى أن المعبد يعود إلى العصر الروماني، وتحديدًا إلى فترة الإمبراطور نيرون بين عامي 54 و68 ميلاديًا، ورغم تهدم أجزاء كبيرة منه، لا تزال بقاياه المعمارية ونقوشه تمثل مصدرًا مهمًا لفهم المعتقدات الدينية في الواحات الداخلة.

أقدم كنائس الصحراء

قالت سهام، إنه لم تكن كاليس مركزًا وثنيًا وتجاريًا فقط، بل تحولت لاحقًا إلى شاهد مهم على بدايات المسيحية في مصر. وتضم المدينة كنيسة شُيدت عام 350 ميلاديًا، وتعد من أقدم الكنائس القبطية المعروفة في مصر.

وأضافت أنه تضم المنطقة ثلاث كنائس أخرى، تنوعت طرزها بين الطراز القبطي والطراز البازيليكي، وهو ما يعكس التحولات الدينية والثقافية التي شهدتها المدينة عبر العصور، من عبادة الآلهة المصرية القديمة إلى انتشار المسيحية المبكرة في الصحراء الغربية.

البرديات والنصوص القبطية

قال محسن عبد المنعم، مدير الهيئة المصرية لتنشيط السياحة بالوادي الجديد، إن البرديات والنصوص القبطية التي عُثر عليها داخل المدينة قدمت صورة دقيقة عن الحياة اليومية والاقتصاد والمجتمع في كاليس، كما دعمت فكرة ارتباط اسم المدينة بمخزن الغلال والحبوب.

وأضاف أنه تشير هذه النصوص إلى أن كاليس لم تكن مجرد أطلال صامتة، بل مدينة نابضة بالحياة، ارتبط سكانها بالزراعة والتجارة والدين، وتركوا وراءهم وثائق نادرة ساعدت الباحثين في قراءة تاريخ الواحات بصورة أعمق.

الرمال التي حفظت المدينة

وأشار إلى أنه ساهمت الرمال والعوامل الطبيعية في إخفاء معالم كاليس لفترات طويلة، لكنها في الوقت نفسه لعبت دورًا مهمًا في حفظ أجزاء من المدينة من الاندثار الكامل، ومع بداية أعمال الحفائر عام 1985، بدأت ملامح الموقع الأثري تظهر من جديد، لتكشف عن مدينة كانت يومًا من أهم مراكز الإنتاج والتجارة في العالم القديم.

واختتم حديثه أنه تعد كاليس اليوم واحدة من أبرز المواقع الأثرية في الوادي الجديد، لما تحمله من شواهد على التفاعل بين الحضارة المصرية والرومانية والقبطية، ولما تقدمه من أدلة على الدور المحوري للواحات في تاريخ مصر الاقتصادي والديني.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان