"اللغم الجيو-اقتصادي".. ماذا لو فعّل الحوثيون "المشاركة القصوى" في حرب إيران؟
كتب : محمد جعفر
حرب إيران - صورة تعبيرية بالـ AI
"سياسة الدولة تكمن في جغرافيتها".. مقولة القائد الفرنسي نابليون بونابرت تبدو اليوم أكثر واقعية من أي وقت مضى، مع احتدام المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى؛ فالجغرافيا التي منحت طهران موقعًا استراتيجياً مشرفاً على مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، تحولت في أتون هذه الحرب إلى عنصر قوة يتجاوز في تأثيره القدرات العسكرية التقليدية، ليصبح "سلاح الممرات" هو الورقة الأقوى في الحسابات الاستراتيجية المعقدة.
ومن بوابة الجغرافيا ذاتها، برز لاعب آخر ليزيد المعادلة تعقيداً؛ وهم "أنصار الله" (الحوثيون) في اليمن، الذين يسيطرون على مواقع حاكمة تطل على مضيق باب المندب، فبعد أسابيع من الترقب منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، سجلت الجماعة مشاركتها الميدانية الأولى بإطلاق صاروخين باتجاه إسرائيل السبت الماضي، في تطور نوعي ينقل الصراع من حيز التهديد إلى المواجهة المفتوحة.
هذا التحول الدراماتيكي يطرح جملة من التساؤلات الجوهرية حول توقيت الهجوم ودلالاته: هل يمثل انخراط الحوثيين محاولة فعلية لتوسيع جبهات الاستنزاف دعماً لإيران وتشتيتاً لخصومها؟ أم أنها مجرد رسالة ردع استراتيجية موجهة للقوى الإقليمية لثنيها عن الانضمام للتحالف المناوئ لطهران؟ والأهم من ذلك، هل تمتلك الجماعة القدرة العسكرية الكافية لفرض معادلة اشتباك جديدة وتغيير موازين الصراع؟، وهي أسئلة يحاول هذا التقرير تحليلها واستكشاف أبعادها، عبر مجموعة من الخبراء.
لماذا قرر الحوثيون المشاركة الآن؟
تشير صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية إلى أن إطلاق الحوثيين صواريخ على جنوب إسرائيل يأتي كتحذير للولايات المتحدة من حشد قواتها في البحر الأحمر تحسباً لضربة محتملة واسعة النطاق على إيران، أو لمحاولة تأمين مضيق هرمز عبر مرافقة السفن، مرجحة أن يكون السبب في الأساس عسكري استراتيجي متمثل في عرقلة حركة حاملات الطائرات الأمريكية عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، لا سيما إذا قرر الرئيس دونالد ترامب فتح مضيق هرمز أو شن عملية جوية وبحرية وبرية واسعة النطاق.
اقرأ أيضًا: بعد وصول آلاف الجنود للمنطقة.. هل تتدخل أمريكا بريًا في إيران؟
وتضيف الصحيفة أن الحوثيون يمتلكون القدرة على تهديد السفن الأمريكية فضلاً عن إمكانية تعطيل حركة الملاحة في مضيق باب المندب باستخدام الألغام البحرية، موضحًة أنه حتى لو تمكن الجيش الأمريكي من اعتراض صواريخ الجماعة وطائراتهم المسيّرة، كما فعل سابقاً، فإن هذا التهديد كفيل على الأقل بإبطاء حشد القوات لعملية واسعة النطاق، في حال قرر الرئيس ترامب المضي قدماً فيها.

كارت إيراني.. الحوثيون يعملون بإشراف الحرس الثوري
يرى بليغ المخلافي، المستشار الإعلامي للسفارة اليمنية في القاهرة والباحث السياسي، أن انضمام جماعة الحوثي إلى التصعيد كان متوقعًا منذ بداية الحرب، مشيرًا إلى أن إيران تتبع تكتيكًا يعتمد على استخدام أذرعها الإقليمية تدريجيًا، مثل حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن، بهدف تشتيت الدفاعات الإسرائيلية وزيادة الضغط عليها، فضلًا عن تهديد حركة الملاحة، وربما الوصول إلى إغلاق مضيق باب المندب في حال تصاعد الصراع.
وأوضح "المخلافي" في تصريحات خاصة لـ"مصراوي"، أن الحوثيين يمثلون إحدى الأوراق التي فضّلت طهران تأجيل استخدامها، لكنها لجأت إليها مع إطالة أمد الحرب وتطور مساراتها، مشيرًا إلى أن قدرات الجماعة اليمنية تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الإيراني، وأنه حتى الصاروخ الذي أُطلق مؤخرًا على إسرائيل كان إيراني الصنع، وأن الجماعة تعمل عسكريًا بإشراف خبراء وضباط من الحرس الثوري الإيراني، مستشهدًا بتقارير تتحدث عن وصول خبراء إيرانيين إلى السواحل اليمنية للإشراف على العمليات.
اقرأ أيضا: انكسار النظام الإيراني.. كيف يهدد بإحياء دولة "الحشاشين"؟
وأشار المستشار الإعلامي للسفارة اليمنية في القاهرة، إلى أن طهران تسعى عبر هذه الأذرع إلى فتح جبهات متعددة ضد إسرائيل وزيادة الضغط على دفاعاتها الجوية، محذرًا من أن توسع عمليات الحوثيين قد يشمل استهداف دول الجوار أو قواعد عسكرية أجنبية في المنطقة، ما قد يؤدي إلى اتساع رقعة الصراع ودخول الحرب مرحلة أكثر تعقيدًا.
الحصول على مبالغ من دول الجوار
وفي تحليل لصحيفة "الجارديان"، تشير إلى أن الجماعة اليمنية لم تقاتل بعد بشكل مباشر نيابة عن إيران على الرغم من أنه - وفقًا لتقارير الأمم المتحدة - تم شحن العديد من أسلحتها من طهران، لافتًة إلى أن مشاركة "الحوثي" تتوقف على مدى مشاركتها وما إذا كانت تنوي إرسال بعض الصواريخ باتجاه إسرائيل، أم أنها ستستغل مضيق باب المندب الضيق لإغلاق البحر الأحمر أمام الملاحة بشكل فعال، تمامًا كما أغلقت إيران مضيق هرمز فعليًا.

وتذهب الصحيفة إلى ما هو أبعد من التوقيت وهو هدف الحوثيين من المشاركة، زاعمًة أنهم قد يتصرفون بحذر جزئياً رغبة في مبالغ مالية من السعودية، مقابل عدم استئناف القتال ضد الجنوب أو زعزعة استقرار البحر الأحمر، مؤكدًة أن قوة الحوثيين تكمن في اعتراض السفن بدلاً من إرسال الصواريخ باتجاه إسرائيل، أو ضرب منشآت النفط في الدول الخليجية كما حدث مع السعودية في 2019.
اقرأ أيضًا: "كعب أخيل" وحرب إيران.. ماذا لو ضُربت محطات تحلية المياه بالشرق الأوسط؟
استراتيجية إيران من انضمام الحوثيين
في تفصيل شامل لاستراتيجية بلاده، كشف السفير الإيراني السابق في أذربيجان، أفشار سليماني، الأهداف الكامنة وراء التحركات الأخيرة في المنطقة، موجهًا تحذيرًا مباشرًا للإدارة الأمريكية من مغبة المساس بالأراضي الإيرانية.
وأوضح سليماني، في تصريحات خاصة لـ "مصراوي"، أنه يبدو أن استراتيجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية تتمثل في الاستخدام الأقصى والشامل للقوات الوكيلة، بما في ذلك جماعة "أنصار الله" اليمنية، للتحرك بشكل مرحلي في مواجهة العدوان الأمريكي والإسرائيلي، مؤكدًا أنه من الواضح أن تخفيف الضغط عن "حزب الله" في لبنان، باعتباره أحد الأذرع الرئيسية لجبهة المقاومة، يعد أيضًا أحد الأهداف المقصودة من هذه التحركات.

وأضاف سليماني أنه بالنظر إلى تاريخ أفعال الحوثيين اليمنيين في توجيه ضربات للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، فإن هذا التحرك يمكن أن يحمل رسالة لهما أيضًا، لافتًا إلى أن هذين البلدين، إلى جانب قطر والبحرين، انحازوا إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وهو ما اعترف به ترامب أيضًا.
موقف الخليج من انضمام الحوثيين للحرب
وأشار معهد تشاتام هاوس، إلى أن قرار الحوثيين بالانضمام إلى الصراع الأوسع في الشرق الأوسط يعد تصعيداً خطيراً ومثيراً للقلق البالغ، لافتًا إلى أن أي اضطراب مستمر سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن، وزيادة أسعار النفط، وفرض ضغوط إضافية على الاقتصاد العالمي الهش الذي يعاني أصلاً من تداعيات الوضع في مضيق هرمز وفي الوقت نفسه، قد تصبح البنية التحتية الاقتصادية والعسكرية الحيوية في منطقة الخليج أكثر عرضة للخطر.
وأوضح المعهد في تحليله، أنه إذا وسع الحوثيون عملياتهم لتشمل هجمات على دول مجلس التعاون الخليجي المجاورة، فقد تكون العواقب أكثر خطورة، إذ تتمتع الجماعة المدعومة من إيران بموقع أشد خطورًة من داعمتها لتهديد البنية التحتية السعودية والقواعد العسكرية الغربية في الخليج، بما في ذلك تجدد المواجهة المباشرة بين دول عربية والحوثيين.
ويعاود خلاف حديثه للإشارة إلى أنه في حال قررت إيران جر الحوثيين أو إدخال الحوثيين في مسألة استهداف دول الجوار، فستكون تصعيد خطير، رغم الكفاءة العالية التي أثبتتها دول الخليج في مسألة التصدي للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، منذ بداية الصراع.
وتابع: لكن إذا تطور الصراع وهدد الحوثيين الجيران خاصة من منطقة حدودية مع السعودية، وهي مسافات قريبة، فهذا بالتأكيد بيكون أمر مزعج، سواء من ناحية القدرة على التصدي للمقذوفات التي ستطلق من قبل جماعة الحوثيين أو حتى لمسألة يعني الأضرار التي قد تحصل، وتهديد منابع النفط التي بدورها سترفع أسعار برميل النفط عالميا مما سيؤثر على ارتفاع الأسعار عالميا ويؤدي لأزمات اقتصادية، بجانب كذلك تهديد ممرات الملاحة، وهذه كلها بالتأكيد ستكون مؤثرة".
تأثير الحوثيين محدود وتأخر مشاركتهم بسبب تفاهمات مع واشنطن
وعلى النقيض، يقلل الدكتور إحسان الخطيب، عضو الحزب الجمهورى وأستاذ العلوم السياسية بجامعة "مورى ستايت"، من فعالية جماعة الحوثي إذ يرى أن دخول الجماعة إلى الحرب الحالية لن يغير من الأمر شيء وقد يبدو تدخلها أقرب إلى "رفع عتب"، لافتًا إلى أن الجماعة شاركت سابقًا في المواجهة مع إسرائيل وأمريكا وبريطانيا خلال عام 2024 دون أن تؤثر بشكل حاسم في المعادلة العسكرية.
بعد عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023 وإعلان إسرائيل الحرب على غزة، تعهد الحوثيون بمهاجمة السفن الأمريكية والإسرائيلية وأي سفن تنقل بضائع إلى "الموانئ الفلسطينية المحتلة" تضامنًا مع غزة، ومنذ 17 أكتوبر وحتى منتصف يناير، استهدف الحوثيون بما لا يقل عن 27 سفينة في ممرات الشحن الدولية، فيما ردت الولايات المتحدة وحلفاؤها بضرب أكثر من 60 هدفًا في اليمن، شملت أنظمة رادار ومنصات إطلاق وصواريخ الحوثيين، وذلك قبل أن تتوقف تلك الهجمات في أكتوبر 2025 بعد التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة.

وأرجع وأستاذ العلوم السياسية في تصريحات خاصة لـ "مصراوي"، إلى أن تأخر مشاركة الحوثي في الحرب جاءت بسبب تفاهمات غير مباشرة مع الولايات المتحدة والتي تتعلق بأمن الملاحة في البحر الأحمر، مقابل عدم الدخول في الحرب الأهلية اليمنية ودعم الشرعية اليمنية عسكريًا واستخباراتيًا وماليًا، وهذا ما لم يريده "الحوثيون" بأن تكون أمريكا إلى جانب الشرعية في الحرب الأهلية اليمنية.
وأضاف أن إسرائيل تعتبر جبهة الحوثيين ثانوية، لكنها تمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فرصة لتعزيز روايته بأنه يواجه تهديدات متعددة الجبهات، ما يساعده سياسيًا في تقديم نفسه كقائد يقود معركة معقدة، مشيرًا إلى أن الدور الحوثي الحالي لن يصل، على الأرجح، إلى تعطيل الملاحة في البحر الأحمر كما حدث سابقًا، مرجعًا ذلك إلى الضغوط الأمريكية التي لوّحت بدعم الحكومة الشرعية في اليمن عسكريًا واستخباراتيًا في حال تصعيد الحوثيين.
كما حذر الدكتور إحسان الخطيب من أن أي محاولة لإغلاق مضيق باب المندب قد يؤدي إلى أزمة دولية كبرى وتستجلب ردودًا عسكرية قوية من الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما قد يدفع الحوثيين لتجنب هذا السيناريو.
صواريخ الحوثيين على إسرائيل "تحذير رمزي" لأمريكا
ويوافق الدبلوماسي الأمريكي السابق نبيل خوري الدكتور إحسان الخطيب في رأيه، إذ يرى أن الهجمات التي شنتها جماعة الحوثي اليمنية المدعومة من إيران على إسرائيل تُعد في الغالب رمزية، وتهدف إلى إرسال تحذير من تدخل محتمل في مرحلة لاحقة، مشيرًا إلى أن هذه الهجمات جاءت ردًا على تهديدات الولايات المتحدة بتصعيد الحرب مع إيران في حال فشل المفاوضات: "لقد أطلقوا صاروخين كتحذير بسبب الحديث عن التصعيد المحتمل، مع وجود قوات أمريكية في طريقها إلى المنطقة".
ويشير نبيل خوري نائب رئيس البعثة السابق في السفارة الأمريكية في اليمن، في تصريحات لشبكة الجزيرة، إلى أن الحوثيين يكررون موقفهم قائلاً: "ما زلنا هنا، وإذا كنتم ستشنون هجوماً شاملاً على إيران، فسنتدخل حينها"، موضحًا أن تدخلهم الأهم قد يكون إغلاق مضيق باب المندب، ما قد يؤدي إلى احتجاز السفن التجارية في البحر الأحمر ويشكل "خطًا أحمر" للولايات المتحدة، وهو ما سيستدعي هجومًا سريعًا على مواقعهم في اليمن.
في نهاية المطاف، تبدو مشاركة جماعة الحوثي في الحرب الإيرانية الراهنة بمثابة "تفعيل لغم جيو-اقتصادي" كانت طهران تدخره للحظات الحرجة، وبينما يرى فريق من الخبراء أن هذه التحركات لا تزال في إطار "الرسائل الرمزية" و"رفع العتب" السياسي لدعم محور المقاومة، إلا أن خطورة الموقف تكمن في الجغرافيا لا في حجم الانفجار؛ فإغلاق مضيق باب المندب بالتوازي مع مضيق هرمز يعني شل حركة 32% من التجارة والطاقة العالمية، وهو سيناريو كفيل بنقل الحرب من الميدان العسكري إلى "حرب أمعاء خاوية" دولية.
اقرأ أيضًا: سيناريو "الصحون الفارغة".. هل تدفع حرب إيران العالم نحو مجاعة؟
إن دخول الحوثيين على خط المواجهة، سواء كان بمناورة إيرانية لتشتيت الخصوم أو برغبة في تحسين شروط التفاوض الإقليمي أو حتى رسالة لدول أخرى، يضع المجتمع الدولي أمام خيارات صعبة؛ والسؤال الأهم الآن قد لا يكون ماذا لو كان الحوثيون قادرين على تغيير ميزان الحرب عسكريًا، بقدر ما هو إلى أي مدى يمكن استخدامهم إيرانيًا لفرض مزيد من الضغط الاقتصادي العالمي في معركة "عض الأصابع" الجارية الآن في الشرق الأوسط؟