إعلان

حارس الصحراء الصامت.. قصة مدينة طينية عجيبة جمعت بين الفراعنة والعثمانيين

كتب : محمد الباريسي

02:30 م 21/05/2026

تابعنا على

في قلب صحراء الوادي الجديد، وعلى بُعد نحو 35 كيلومترًا من مدينة موط، تقف مدينة بلاط الإسلامية العتيقة على ربوة مرتفعة تُشرف على الطرق والدروب الرملية، كأنها حارسٌ صامت لتاريخ الواحات وذاكرة أجيالها المتعاقبة.

على مساحة تناهز 22 فدانًا من البيوت الطينية والأزقة المتشابكة، يلتقي عبق العمارة الإسلامية بروح الصحراء الجافة، لتتشكّل قرية تبدو للوهلة الأولى كمتاهة لا نهاية لها، غير أنها في حقيقتها كتابٌ مفتوح يروي حكاية مئات السنين من التكيّف مع البيئة، ومواجهة قسوة المناخ، وتعاقب الحضارات.

خاض مصراوي جولة استثنائية بين دروب هذه المدينة القديمة، واستمع إلى شهادات عدد من المختصين والمسؤولين الذين كشفوا لأول مرة أسرار هذا المكان الفريد وكيف تحوّل إلى متحف مفتوح يعكس تمازج الحضارات في نقطة واحدة من صحراء مصر الغربية.

جذور ضاربة في عمق التاريخ الفرعوني

قبل أن تُعرف بلاط بأزقتها الإسلامية ومبانيها الطينية، كانت هذه المنطقة تحتضن واحدة من أعرق التجمعات الأثرية في مصر. فعلى بُعد كيلومتر واحد فقط من المدينة الإسلامية، ترقد مقابر بلاط الفرعونية العائدة إلى الأسرة السادسة، حوالي عام 2420 قبل الميلاد.

وما زالت جدران تلك المقابر المنحوتة في الهضبة الصخرية تحتفظ برسومات حية تجسد تفاصيل الحياة اليومية للمصريين القدماء؛ صيادون وفلاحون وموكب حكام يراقبون الصحراء من عُلٍ.

وأفاد الأثري منصور عثمان، في تصريحات خاصة لمصراوي، بأن الشواهد الفرعونية المحيطة ببلاط تؤكد أن المنطقة كانت مركزًا لحكام الواحات خلال عصري الدولة القديمة والوسطى، مشيرًا إلى أن "قلاع الضبة وعين الأصيل ومقبرة حاكم الواحات، التي يحمل مدخلها نقشًا هيروغليفيًا يصفه بـ'أقوى حكام الصحراء'، تعكس الدور المحوري للمنطقة في إدارة طرق القوافل والتجارة عبر الصحراء".

بصمة رومانية في قرية البشندي

لم يتوقف الحضور الحضاري عند الفراعنة؛ إذ كشف عثمان لمصراوي أن المنطقة استمرت مسرحًا للتنافس الحضاري عبر العصور، فظهر التأثير الروماني جليًّا في مقبرة "كتيانوس" الشهيرة بقرية البشندي المجاورة، حيث تجسّد نقوشها مشاهد التحنيط والبعث في مزيج فريد بين الفن المصري والروماني، وبالقرب منها يقع ضريح الشيخ البشندي، الذي جرى تشييده بحجارة معبد فرعوني قديم، قبل أن يتحول في مرحلة لاحقة إلى مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، في دلالة بالغة على تراكم الهويات وتمازج الحضارات في بقعة واحدة.

ميلاد مدينة على ربوة عالية

مع انبثاق العصر الإسلامي وتوسعه نحو العصر العثماني، بدأت ملامح مدينة جديدة تتشكّل على ربوة مرتفعة في قلب الواحة. وُلدت بلاط الإسلامية؛ مدينة صغيرة لكنها محصّنة، بُنيت بالطوب اللبن وخشب السنط وجريد النخيل وجذوعها، لتوفر لسكانها حمايةً من الأعداء ومن قسوة البيئة في آنٍ واحد.

وأكد الخبير الأثري بهجت أبوصديرة، مدير الآثار السابق بالوادي الجديد، في تصريحات خاصة لمصراوي، أن اختيار موقع المدينة لم يكن محض صدفة، قائلاً: "بلاط الإسلامية أُنشئت على ربوة مرتفعة كإجراء وقائي يحميها من المياه الجوفية، ويمنحها في الوقت نفسه موقعًا دفاعيًا استراتيجيًا يسمح لسكانها برصد أي حركة قادمة نحو الواحة قبل وصولها".

متاهة من الطين

من يسير اليوم داخل دروب بلاط الإسلامية يشعر كأنه دخل متاهة من الطين والخشب، غير أن هذه "المتاهة" وُضعت لأهداف واضحة ومحددة.

وأوضح أبوصديرة لمصراوي أن الأزقة الضيقة والمسقوفة بالأخشاب داخل المدينة لم تُخطَّط بصورة عشوائية، بل جرى تصميمها بعناية فائقة لتوفير نظام تبريد طبيعي يعتمد على مبدأ "الاتزان البيئي"، أي الاستفادة من الظل والتهوية الطبيعية لخفض درجات الحرارة داخل المنازل والدروب، مما جعل المدينة بأسرها تعمل كنظام تكييف طبيعي متكامل في قلب الصحراء.

وأضاف أن استخدام الطوب اللبن ساعد على تخفيض الحرارة داخل الجدران، فيما أسهم سمك الحوائط وضيق الممرات وارتفاع المباني في توفير ظل دائم طوال ساعات النهار، مؤكدًا أن "السقائف الخشبية التي تعلو أجزاء من الطرق ليست مجرد عنصر جمالي، بل جزء أساسي من منظومة معمارية صُمِّمت لتحدّ من قسوة الحر وتخلق بيئة معيشية مريحة في مناخ صحراوي شديد الجفاف"، وهو ما يعكس، في تقديره، فهمًا معماريًا متقدمًا لمفهوم العمارة البيئية قبل أن تُعرف بهذا المصطلح في الدراسات الحديثة بقرون طويلة.

وثيقة تاريخية تتحدى الزمن

على واجهات المنازل في بلاط الإسلامية، تبرز أعتاب خشبية محفورة بالحفر البارز، تحمل نقوشًا وزخارف عربية وتواريخ وأسماء أصحاب البيوت الذين شيّدوها جيلًا بعد جيل.

وفي تصريحات خاصة لمصراوي، وصفت الأثرية سهام بحر، مديرة الآثار الإسلامية بالوادي الجديد، هذه النقوش بأنها "وثيقة تاريخية حية"، مشيرةً إلى أن أقدم تاريخ مدوّن على هذه الأعتاب يعود إلى سنة 1163 هجريًا، فيما يصل أحدثها إلى 1253 هجريًا، ما يعني أن المدينة حافظت على عمرانها وسكانها خلال ما يزيد على قرنين كاملين متواصلين.

وأشارت إلى أن الجدران الداخلية للمنازل تضم آيات قرآنية وأدعية وأسماء الملاك وأبنائهم، مما يجعل كل بيت أشبه بسجل عائلي منقوش على الطين والخشب، يعكس القيم الدينية والاجتماعية الراسخة لأهالي الواحة، ويمنح الباحثين مادة نادرة لدراسة أنماط الحياة في المجتمعات الصحراوية التقليدية.

مقر البلاط الملكي العثماني

كشف محسن عبد المنعم يونس، مدير هيئة تنشيط السياحة بالوادي الجديد، في تصريحات لمصراوي، أن تسمية المدينة بـ"بلاط" تعود إلى كونها كانت مقرًا للبلاط الملكي في العصر العثماني، حيث اتخذها الحكام والإداريون قاعدةً لإدارة شؤون الواحات، وقد ترك هذا الدور السياسي والاجتماعي بصمته الواضحة على خريطة المدينة؛ إذ تنتشر بين منازل الأهالي عمائر دينية ومدنية بارزة، أبرزها ديوان العمدة، ومسجد "عين قبالة"، ومسجد "عين علم" ذو المئذنة الشاهقة، إلى جانب بيت عائلة إبراهيم والطواحين وعصارة الزيتون والكتاتيب والحوانيت التي كانت تخدم السكان والقوافل المارة على حدٍّ سواء.

تنظيم اجتماعي لم تمحُه القرون

ورغم مرور مئات السنين، لا يزال التنظيم الاجتماعي التقليدي قائمًا في بلاط الإسلامية حتى اليوم.

وأوضح عبد المنعم لمصراوي أن شوارع القرية ما زالت مقسّمة إلى مناطق تحمل أسماء العائلات الكبرى، ويعرف السكان كل حارة بأهلها وتاريخها العريق، مضيفًا أن "هذا النمط من التقسيم لا يحفظ فقط الروابط الأسرية، بل يساعد في تنظيم الحياة اليومية من المناسبات الاجتماعية إلى إدارة الخلافات، ويخلق انتماءً قويًا لكل زاوية في المدينة".

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان