"رئيس كوكب المُشترى".. هل كان مُقدّرًا لماكرون أن يُصبح مكروهًا؟
كتبت- رنا أسامة:
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
قالت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بدافي كلمته التي خرج بها إلى شعبه مساء الاثنين، مُنهكًا. كان ينظر إلى الكاميرا بعينين شبه مُقفلتين، وأعلن "حالة طوارئ اقتصادية".
في إطار التدابير التي اتخذها لاحتواء الاحتجاجات الشعبية المُناهضة لحكومته، تعهّد ماكرون برفع الحد الأدنى للأجور بنحو 100 يورو شهريًا- وهي لفتة هامة جاءت بعد يوم من تأكيد وزير العمل الفرنسي عدم رفعه- إلى جانب إلغاء الزيادة الضريبية المُخطّطة على أولئك من يجنون أقل من ألفيّ يورو شهريًا.
وتحقيقًا للمُساواة بشكل ملحوظ، أعلن ماكرون في الوقت نفسه عدم إعادة إدخال "ضريبة الثروة" التي ألغاها عند تولّيه منصبه قبل 18 شهرًا، وعِوضًا عن ذلك أعلن أنه سيعمل على شلّ الجهود المبذولة لجذب المستثمرين من رجال الأعمال إلى فرنسا.
ومع ذلك، تستبعد المجلة في تقريرها المنشور عبر موقعها الرقمي، أن تنجح كلمة ماكرون في "علاج رئاسته المشلولة"، على حدّ تعبيرها.
لكنها قالت إن خطاب ماكرون الذي كان ينتظره الفرنسيون والعالم أجمع بفارغ صبر، وعلى نحو مُقلِق، كان مُتوقّع أن يأتي بخسًا ولا يرقي إلى مستوى الحدث.
منذ منتصف نوفمبر الماضي، تصدّرت الحركة الشعبية التي تُطلق على نفسها "السُترات الصفراء"- إشارة إلى السُترات الصفراء العاكِسة للضوء التي يرتديها المتظاهرون- المشهد في فرنسا، مُعربين عن استيائهم- أو في الواقع كراهيتهم - للحكومة وللرئيس ماكرون.
تُشير المجلة إلى أن عددًا لا يُحصى من متظاهري "السُترات الصفراء" استخدم كلمة "كراهية" لتبرير سبب نزولهم إلى الشوارع في تظاهرات جابت أنحاء العاصمة الفرنسية باريس، حتى أن العديد منهم لم يُشارك في تظاهرات من قبل.
بشكل جزئي، تقول فورين بوليسي إن مشاعر الكراهية تولّدت لدى الفرنسيين بفضل العديد من التدابير التي اتخذتها حكومة ماكرون منذ تولّيه منصبه، بدءًا من رفع الضرائب على الوقود- التي أُلغيت الآن- وخفض الحدّ الأقصى للسرعة، وصولًا إلى زيادة الضرائب المُستقطعة وإلغاء ضريبة الثروة، إلى جانب خفض القوة الشرائية واستمرار البطالة.
ورغم أن هذه السياسات لا تبدو كافية لتبرير كل هذا الكمّ من الغضب الشعبي، تُشير المجلة إلى أن تعليقات عدد من المُراقبين والمُشاركين في التظاهرات أظهرت كيف حوّل ماكرون نفسه، بسرعة فائقة، إلى هذه الشخصية المكروهة اللعينة التي أصبح عليها في نظر شعبه، بحسب قولها.
لم يلبث أن استقرّ بالكاد في الإليزيه، حتى قدّم نفسه كما أنه يحكم مثل كوكب المُشترى- إله السماء في المجموعة الشمسية. لكن بشكل مُنصِف، تقول المجلة إنه لم يستخدم الكلمة لوصف نفسه؛ لكن بدلًا من ذلك، ألصقها إلى سلفه، فرانسوا أولاند، الذي عزا فشله في إدارة البلاد إلى رفضه أن يكون "رئيس كوكب المُشترى".
بيد أن ماكرون حاول بكل تأكيد في حقيقة الأمر، بحسب المجلة أن يحكم مثل المُشترى، وبدا ذلك في إصراره على تبنّي ما أسماه مستشاروه "النهج العمودي"، الذي لا يقتصر على إصدار الأوامر من الأعلى فقط، لكنه أيضًا يُقصِر عمليات التفكير واستخدام المنطق للخروج باستنتاجات على الجهات العُليا فقط.
الأمر الذي ظهر جليًّا ليس على مستوى بعض الإجراءات والقرارات التي اتخذها ماكرون في الإليزيه، لكنه برز أيضًا في سلوكه الشخصي بشكل عام. تستشهد فورين بوليسي بأنه في وقت سابق من هذا العام، صاح خلال اجتماع حول نظام المساعدات الاجتماعية، قائلًا "يكلفنا الأمر الكثير من المال، لكن لا شيء تغير، الناس الذين يولدون فقراء يبقون فقراء".
وهناك قضية الحارس الشخصي لماكرون، ألكسندر بينالا، الذي شوهِد وهو يجر امرأة بعيدًا عن الاحتجاج ويضرب متظاهرًا، خلال احتجاجات عُطلة عيد العمال في الأول من مايو الماضي، مُرتديًا خوذة مكافحة الشغب رغم أنه كان خارج الخدمة وقتذاك.
وُجّهت انتقادات كثيرة لماكرون لتقاعسه عن التحرك في وقت مُبكر، رغم إيقاف بينالا في بداية الأمر عن العمل لمدة 15 يومًا ثم السماح له بعد ذلك بالعودة للعمل. وحينئذٍ، أعلن ماكرون أنه فقط المسؤول عما يجري داخل الحكومة، وأضاف "إذا كان الآخرون لديهم مشكلة مع ذلك فليأتوا إليّ وينالوا مني".
وفي هذا الصدد، تعتبر المجلة أن كلمة ماكرون برهنت على أن بعض الفرنسيين عازِمون على تحدّي الرئيس الفرنسي، دون التفكير في ثمن ذلك. أوقعت الاحتجاجات التي بدأت قبل أربعة أسابيع 4 قتلى ومئات الجرحى، وتكبّدت البلاد خسائر بمئات الملايين من اليورو ، بما يُمثّل كارثة حقيقية للرئيس ماكرون.
كما أثبتت كلمة ماكرون أنه لم يتمكّن حتى من فهم قواعد "رئاسة كوكب المُشترى". بكل عِناد وتصلّب، أقرّ ماكرون بأنه "جرح" آخرين بكلماته، لكنه فشل في الاعتذار عنها. والأهم من ذلك- في نظر المجلة- أنه "بينما كان يحاول ماكرون تغيير نبرته العنيدة في خطابه، لم يتضح ما إذا نجح في تغييرها بشكل كافٍ أم لا".