• تلامذة وتراث ينتظر المنقذ .. كلمة النهاية في سيرة الأخوين مهيب

    03:20 م الثلاثاء 11 يوليو 2017
    تلامذة وتراث ينتظر المنقذ .. كلمة النهاية في سيرة الأخوين مهيب

    الأخوين مهيب

    كتب-إشراق أحمد ورنا الجميعي ومحمد مهدي:

    غاب الأخوين مهيب عن الدنيا، لكن عملهم لم ينقطع؛ بقيت سيرتهم رطبة في ذاكرة تلامذتهم، في ابن ورث حب المجال وإن لم يعمل به، ورفاق عاصروهم، مَن غادرهم مبكرًا ولم ينس الفضل، ومَن عزّ عليه استكمال الرحلة بعدهم، وفي أعمال تسعى أسرتهم لإنقاذها، وكاميرات لهم احتفظ بها معهد السينما، يحكي عبرها الأكاديميون لأجيال متوالية تاريخ الرسوم المتحركة وقت أن بدأها أخوين.

    كونه ابن أخيهم الأكبر سعد، لذا انفتح الطريق أمامه مبكرًا لصحبتهم. منذ أن سُمي تيمنًا بعلي، رافق أعمامه "كنت بشوف أعمالهم وأتابعها"، لكنه ارتبط أكثر بعمه "علي"، صار "أبويا الروحي" كما يصف، انبهر بفعله؛ تلك الخطوط التي يديرها العم بين يديه في سهولة ورفق، فتخرج رسوم بهية مُتقنة، بسببه أصر على دراسة الرسوم المتحركة، وتتدرج حتى وصل لرئاسة قسمها في المعهد العالي للسينما ثم أستاذًا بأكاديمية الفنون حاليًا.

    ___ ___1

    عرف الابن الروحي "الأستاذ علي مهيب" كما يحرص أن يلقبه- أبًا وتلميذًا ورئيسًا وشريكًا في العمل، وحينما جاءت الفرصة لم يتوان في تدوين سيرته في كتاب، بدأه قبل وفاته، وأصدره مهرجان القاهرة الدولي لسينما الأطفال عام 2012 بعد رحيله، استغرق إعداده نحو 4 سنوات، فالطبع الدقيق لرائد الرسوم المتحركة طغى على كافة تفاصيل حياته حتى في محاولة كتابة الأخرين عنه.

    "عيش اتعلم وجرب.. متوصلش للقمة أبدا" لازال الابن الوحيد لعلي مهيب يقبض على كلمات أبيه، صحب أحمد والده إلى الاستوديو منذ عام 97 تقريبًا، حتى التقط شغف العمل بالجرافيك، فرغم دراسته لإدارة الأعمال، إلا أن التجربة العملية كانت عبر أبيه، يزيد عليها وراثته حب الرسوم، فبعد تلقي عدد من الدورات التدريبة، صار الشاب مصمم جرافيك.

    2

    الرسوم المتحركة لمهيب الأب عشق، والورق والقلم رفيق دائم. "بابا كان بيبقى عنده تفاصيل أكتر من اللي بتوقعها" يتذكر الابن كيف كان ينسى والده الدنيا بمجرد عزمه الرسم، حتى في أوقات الإجازة "كان عندنا شاليه في الساحل الشمالي لما نروح يقعد يرسم شخصيات ولما يرجع يجرب يحركها".

    يتأثر الابن بوفاة علي مهيب إلى الآن، رغم مرور قرابة 7 أعوام على رحيله؛ فظروف العمل جعلته بعيدًا عن أبيه لحظة وفاته، وقع الحدث قاسيًا على أحمد بقدر قسوة عدم قدرته للإبقاء على الاستديو مفتوحًا، فتلك كانت وصية والده، غير أن ما بقي له فقط قرص مدمج عليه صور آخر أفلامه "وليد المصري" وقرابة ثمان جوائز.

    صورة-(2)

    داخل منزله بمدينة السادس من أكتوبر، ينتشل عبد ناصر أبو بكر كتاب له من مكتبته بعنوان "ذاكرة مصر.. أمة وشعب" يفتح صفحته الأولى، حيث صورة قديمة لشخصان أحدهما يمسك بزمام كاميرا وآخر بالجوار، أما الأول فحسام مهيب مدير التصوير السينمائي، الذي أهداه أبو بكر كتابه، نوعًا من رد الجميل لأستاذه.

    عرف "أبو بكر" طريقه إلى أستديو مهيب طالبًا بالجامعة، يتذكر رئيس تحرير مجلة ذاكرة السينما سابقًا اللقاء الأول بـأستاذه "كانت مقابلة جافة قالي أنت هتشتغل تلات شهور ومش هتاخد أجر"، لم يكن "حسام" يلقن المعلومة للتلميذ بسهولة "لو سألته المتر فيه كام كادر يقول لك قيسه أقول له ليه يقولي كده مش هتنسى".

    ___ ______ ___ ___ 4

    طيلة ثلاثة أشهر ظل "حسام" على جفائه في نظر "أبو بكر"، يطالبه بمهام تعليمية يراها الشاب حينها مرهقة، ولا يعلم السبب "كان يخترع مكان تصوير ويقول لي هات الكاميرا وحط العدسات ونقعد نعيد وبعدين يقول مش هنصور النهاردة"، تعلم "أبو بكر" كل شيء لكنه ضجر مع اليوم الأخير للمدة المتفق عليها.

    قرر تلميذ "حسام" وقتها أن يفارقه، لكن حين ذهب لإعلامه برحيله، قال "مهيب" له "أنا اتفقت معاك أنك مش هتاخد أجر.. بس هاديك". 450 جنيه حصل عليها "أبو بكر"، كان نتاجها تفصيل ثلاث بذات وسيارة أوستن انجليزي، ومن ثم عدّل المصور الشاب عن قراره.

    ما كان جفاء "حسام" البادي إلا طيبة خفية، أسرّ "مهيب" رغبة غير معلنة لإعطاء مَن معه الخبرة اللازمة، ولم يدرك تلميذه "أبو بكر| ذلك الفضل إلا حينما تقدم للتعيين في جريدة مصر المرئية التي حلم بالعمل فيها.

    5

    كان ذلك عام 1984 حين نجح تلميذ استديو مهيب دون المتقدمين الدارسين بمعهد السينما، وباستعلامه عن الأمر، قال له الممتحن مدير التصوير عادل بدراوي "لأن من مسكة الكاميرا عرفت أنك خبير ودي مش أول مرة"، وقتها تذكر "أبو بكر" أستاذه وإلحاحه أن يعيد إخراج الكاميرا وتركيبها رغم شعوره بالزهق.

    بعد وفاة علي مهيب وإغلاق الاستوديو شعر "أبو بكر" أن الرسوم المتحركة ماتت برحيل الأخوين، لكنه ظل محتفظًا بالجميل، يُذكره منصبه دومًا بأستاذه حسام مهيب، إذ تولى التلميذ رئاسة تحرير جريدة مصر المرئية كما توقع مهيب، واستمر في إدارتها حتى خروجه على المعاش قبل نحو ثلاثة أعوام.

    أما عبد القادر الكراني فمنذ وفاة حسام مهيب عام 1996 ولم تطأ قدماه أرض حي العجوزة، حيث الاستديو والعمل مع أستاذه. ما كانت القرابة وحدها التي جمعت بين المصور والأخوين مهيب، بل تأثره بما يقومون به، حتى أنه جمع بين الوظيفة الحكومية بوزارة التموين وتصوير الرسوم المتحركة، استمر ذلك طيلة 19 عامًا، تَشّربَ فيها الفن حبًا "اللي كان بيدور على الفلوس ميشتغلش في استديو مهيب".

    6

    يُخرج الرجل الستيني بضعة صور من مظروف، يحفظ مساعد مدير تصوير استوديو مهيب، تفاصيل العمل كأنها اليوم، عدد الكاميرات، أرقام الشقق التي توسعوا في ضمها للأستوديو، الذي اعتبره منزلا له، ولم يصدق يومًا أن حائلاً نفسيًا سيمنعه عنه وهو الذي عمل به منذ عام 1977.

    وكما كان صعبًا على "الكراني" فراق كاميرا "الأوكسبري" الأولى بعد شراء معهد السينما لها، فبكى بينما يفك أجزاءها لنقلها، كذلك وقع خبر وفاة "حسام" مزلزلً لمساعد مدير التصوير، فترك العمل جُملًة واكتفى بوظيفته الحكومية بوزارة التموين، وأبقى على ذكرى تَلوح له بينما يقوم بصيانة الكاميرا المودعة في معهد السينما.

    7

    بالطابق الثالث، داخل أرجاء المعهد العالي للسينما، حيث يجتمع الطلاب في غرفة الرسم، تقبع أول كاميرا دخلت استوديو مهيب في الستينات، تحمل اسم صاحبها الإنجليزي "نيلسون هورديل"، فيما يُحتفظ في غرفة ثانية، بالأخرى الأحدث التي أهداها علي مهيب للمعهد في الألفينيات، وإلى الآن تشهد كل دفعة جديدة حديث أساتذة المعهد حال رشيدة عبد الرؤوف عن كيفية صناعة الرسوم المتحركة قبل ما يقرب من ستة عقود.

    تراث حافل للأخوين مهيب، لكن لم يعد يبقى منه سوى القليل ينشره علي سعد مهيب الابن الروحي لفنان الرسوم المتحركة، ومنار ابنة حسام مهيب، عبر صفحات أنشأوها على فيسبوك، محاولةً منهما للحفاظ على ذلك التاريخ، فالعائق المادي يقف حائلا أمام تحويل نحو 1800 عملاً لتقنية حديثة تتيح مشاهدتها، ليظل يلح السؤال على أستاذ الرسوم المتحركة كلما عزم على نشر عمل جديد "لماذا لا تقوم وزارة الثقافة أو الإعلام بالحفاظ على هذا التراث؟".

    تابع باقي موضوعات الملف:

    من السويس إلى شبرا.. رحلة محامي ورسام مع ريادة الرسوم المتحركة

    1

    داخل أروقة التلفزيون.. قصة أول قسم للرسوم المتحركة في مصر

    2

    استديو مهيب.. مصنع الرسوم المتحركة في الوطن العربي

    3

    لماذا ردد المصريون إعلانات الستينات؟

    4

    الأخوان مهيب.. أصحاب خدعة "النمر الأسود" وأطول فيلم عن الحرب للأطفال

    5

    بعد أكثر من 40 عامًا.. سوق الجرافيك يُنهي حلم "ديزني الشرق"

    6

    من الجوابات إلى فيسبوك..ذكريات الجمهور مع أعمال "مهيب"

    8

    مسيرة الأخوين مُهيب في سطور (فيديوجراف)

    9

    إعلان

    إعلان

    إعلان