• من السويس إلى شبرا.. رحلة محامي ورسام مع ريادة الرسوم المتحركة

    09:33 ص الأحد 09 يوليه 2017
    من السويس إلى شبرا.. رحلة محامي ورسام مع ريادة الرسوم المتحركة

    رحلة محامي ورسام مع ريادة الرسوم المتحركة

    كتب- محمد مهدي ورنا الجميعي وإشراق أحمد:

    أمام باب غرفة والديه بالسويس، وقف أبناء محمد مهيب، بينهم الطفل "حسام" ذو الخمسة أعوام، في أواخر مارس 1935، مشدوهًا نحو الزحام بالداخل، الأم تواجه آلام الوضع، هناك مشكلة ما، الطبيب يقترح التضحية بالجنين لسلامة الزوجة، يبدو كأنه "كليشيه" في فيلم أبيض وأسود لكنه حقيقيًا، الفرحة تلاشت من وجوه الأسرة، حضر القلق والتوتر، قبل أن يُسمع صوت صراخ المولود الجديد، سُمي "علي"، كانت مفاجأة للجميع، لكنها سعيدة.

    في بيت مُنظم، وأب يعشق الدقة والنظام، تربى الطفلين برفقة أشقائهم السبعة، ترتيب حسام الرابع ثم يليه "علي"، عُرف عن والدهما اجتهاده في وظيفته بمصلحة التلغراف "وإنه بيتعلم كل حاجة بنفسه"، يقرأ سلسلة علم نفسك بنفسك، يُصلح أي شيء يصيبه العطب في المنزل "وحصل على ماجستير من انجلترا وهو في مصر"، كما يقول علي سعد مهيب، ابن شقيق الأخوين مهيب.

    1

    السنوات تمضي على الأسرة دون جديد، الأيام اعتيادية، غير أنهم اضطروا إلى ترك مدينتهم "السويس" بغتة في حرب 1948، انتقلوا على مضض إلى القاهرة، استأجروا منزلًا في حي شبرا الراقي "كان وقتها زي الزمالك كدا" تعايشوا مع التجربة الجديدة، استكمل الأطفال دراستهم، فيما بدا على "حسام" شغفه بالرسم، وقع أنامله بالريشة مُدهش، موهبته تدفع شقيقه إلى السير في الدرب نفسه "كان بيرسم وبيعمل مجلات الحائط" رغم غضب الوالدين.

    أنهى "حسام" دراسته الثانوية، كانت آماله متعلقة بالالتحاق بمدرسـة الفنون الجـميلة العليــا بالزمالك، نشب خلاف في البيت الهادئ، ثار الأب، رفضت الأم، حاول دون جدوى، الصدام عنيف، فاختار الانحناء للموجة والالتحاق بكلية الحقوق "بمنطق أن كل ولاد الناس الكويسة سياسيين ومحامين" بينما خاض شقيقه "علي" طريق الفن "كان متميز في المدرسة والأساتذة كانوا يشجعوه على الرسم".

    بعد نجاحه بمدرسة التوفيقية الثانوية، أراد "علي" الانضمام إلى كلية الفنون الجميلة، واتخذ موقفًا مختلفًا عن شقيقه، أصر على قراره، دافع عن اختياره، تقدم بأوراقه لقسم الحفر رغم حزن الأب، ونجح في تحقيق أمنيته "طموحه كبير، قال لازم أبقى عميد الكلية في يوم من الأيام" صدق الشاب وكان الأول على دفعته حينما تخرج 1956.

    صورة2

    ماذا يفعل "حسام" في التوقيت نفسه؟ قَلّ شغفه بالرسم خلال دارسته بكلية الحقوق، اتجه إلى التصوير، اشترى كاميرا صغيرة، لا تفارقه قط، فصارت هوايته الجديدة "وبعد التخرج اشتغل في وزارة الخارجية"، قضى بعض الوقت في إدارتها قبل إرساله إلى غزة ليعمل بالسفارة المصرية "وهناك اتقبض عليه في 56 وتم أسره على إيد الصهاينة" تحكي زوجته حفيظة الطوبجي.

    غاب الشاب لعدة أشهر دون خَبر "أهله كانوا هيتجننوا ومنعرفش هو فين" وعندما أُطلق سراحه حكى لهم تفاصيل الليالي المرعبة، هاجموا مكتبه، أول ما فكر فيه هو كاميرته، شعر بالخوف أن يحطموها فصنع حفرة في أرضية غرفته ودفنها، وحينما أفرجوا عنه هرول نحوها لاستعادتها قبل السفر لأسرته.

    2

    في القاهرة التحق "علي" بعد تخرجه بكلية التربية الفنية لتعلم أساليب التدريس "راح ومعاه زمايله مصطفى حسين وسامي رافع"، درسوا هناك على يد الدكتور يوسف سيده "كان لسه جاي وقتها من ألمانيا ومعاه كاميرا فولكس فيلم 8 ملي" -بحسب علي سعد مهيب أستاذ الرسوم بأكاديمية الفنون- أخبرهم الرجل أنه يمكن تصوير رسوم متحركة من خلالها فتحمس الرفاق الثلاثة.

    كل يوم، يقضي الزملاء نهارهم في الدراسة، ثم يداومون على التدرب بالكاميرا "كانوا بيقفوا في الشمس ويحطوا الكامير واللوحة ويصوروا كادر كادر"، لم تكن النتيجة احترافية، لكنهم تعلموا مع الوقت، ثم وصل إلى "علي" وسامي رافع خطاب التعيين بكلية الفنون الجميلة، حاولوا رغم انشغالهم استكمال مشروعهم لكن كلا منهما شق طريقه، وكانت الرسوم المتحركة سبيل علي مهيب.

    لماذا لا يتعاون الأخوان "مهيب"؟ "حسام" لديه خبرة جيدة في التصوير، و"علي" لا يضاهيه أحد في الرسم، والاثنين اجتمعا على عشق الرسوم المتحركة، انهمك كلا منهما في دربه، قبل أن تتلاقى الخيوط في عام 1958 ليكونا ثنائي يملك طموحا كبيرًا في عالم "الأنيميشن"، لكن ينقصهما كاميرا مُخصصة لتصوير تلك النوعية من الأعمال "اللواء عدلي الشريف تحمس للعمل معاهم" كما يحكي أستاذ الرسوم بأكاديمية الفنون.

    اجتمع الثلاثي، لكل منهم دور مُحدد، يضعون الفكرة سويًا، "علي" يقوم برسم الشخصيات وتحريكها، بينما يتولى "حسام" و"عدلي" مهمة التصوير، بما تتضمنه من وضع الكاميرا وطريقة الإضاءة وتثبيت وتحريك الرسومات من أمامها "استغرق فيلمهم سقوط الملك فاروق شهور رغم أن مدته لم تزد عن 3 دقائق" كما أشارت "هانيا مهيب" ابنة شقيق الأخوين في مقال لها.

    بجانب عمل "حسام" مع شقيقه "علي"، عُرف عنه اهتمامه بالتمثيل "لأنه كان جان ودايمًا يحب الكاميرا والتعامل معاها"، حصل على دور صغير في أحد أعمال التلفزيون "لما دخل وشاف المكان، عرف إنهم عايزين ناس تقدم أفكار جديدة في كافة المجالات"، على الفور تناقش الشقيقان واتفقا على أهمية التقدم لإذاعة فيلمهما في التلفزيون.

    داخل أروقة مبنى التلفزيون المُطل على النيل، في منتصف 1961 تحرك الأخوين "مهيب" في طريقهما لمكتب المهندس صلاح عامر، رئيس المؤسسة الهندسية بالتلفزيون، وبين أيديهما نسخة من الفيلم، لا يبدو التوتر على ملامحهما لكن القلب لم يتوقف عن الارتجاف، المقابلة مهمة، وعملهما على أعتاب الشهرة إن تمت الموافقة على إذاعته.

    رحب رئيس التليفزيون بهما فور رؤيتهما، بساطته أزالت القلق، طلب تحضير غرفة مجهزة لعرض الفيلم، انتقلوا إليها، انفرجت أساريره عقب مشاهدته، كان الحماس باديًا في تعليقاته وحركة يديه المؤكدة أن لهما مستقبل كبير في هذا الفن، قبل أن يصمت للحظات، ويُلقي بمفاجأة سارة أشبه بميلاد "علي" قبل 25 عامًا "عرض عليهم يعملوا أول قسم للرسوم المتحركة في مصر".

    تابع باقي موضوعات الملف:

    داخل أروقة التلفزيون.. قصة أول قسم للرسوم المتحركة في مصر

    2

    استديو مهيب.. مصنع الرسوم المتحركة في الوطن العربي

    3

    لماذا ردد المصريون إعلانات الستينات؟

    4

    الأخوان مهيب.. أصحاب خدعة "النمر الأسود" وأطول فيلم عن الحرب للأطفال

    5

    بعد أكثر من 40 عامًا.. سوق الجرافيك يُنهي حلم "ديزني الشرق"

    6

    تلامذة وتراث ينتظر المنقذ .. كلمة النهاية في سيرة الأخوين مهيب

    7

    من الجوابات إلى فيسبوك..ذكريات الجمهور مع أعمال "مهيب"

    8

    مسيرة الأخوين مُهيب في سطور (فيديوجراف)

    9


    اقرأ أيضا :
    داخل أروقة التلفزيون.. قصة أول قسم للرسوم المتحركة في مصر

    إعلان

    إعلان

    إعلان