إعلان

تجار الصاغة لـ"مصراوي": الدهب سعره بيتغير كل ساعة.. وبيوتنا بتتخرب

كتب : مصراوي

05:00 م 08/08/2016

تابعنا على

مُعايشة- علياء رفعت:

بالقرب من حي الغورية وبمجرد عبورك الشارع الفاصل بينه وبين الجهة الأخرى، يستقبلك شارع المُعز الأثري بروائح مُختلطة تنبعث من محلات العِطارة، والعطور بالتوازي، بالتوغل قليلًا في الشارع ذاته ستُبصر عيناك العديد من محلات المشغولات الذهبية، بعضها لماركات عالمية كـ"داماس" و"لازوردي" والبعض الآخر هي محلات كُبرى لتُجار عُرفوا بالاسم واشتهروا في سوق الصاغة، بينما تتوارى المحلات الصغيرة في الأزقة فيقصدها من اختبر البيع منها ووثق ببائعيها. وفي ظِل ارتفاع أسعار الذهب بشكلٍ جنوني؛ رصد "مصراوي" أحوال الصُواغ والمُشترين في الصاغة متجولًا بين محلاتها المُختلفة بعينٍ على أصحابها، والأخرى على مُرتاديها.

(1)

إلى جانب أحد البازارت التي تبيع المشغولات الصدفية، يقع واحد من محلات المشغولات الذهبية التي تتفرد بتصميمها العتيق على الطراز الإسلامي، قد تظنه خاويًا، أو رُبما توقف عن مزاولة تجارة الذهب بعد ركود الأحوال وخلوّ واجهته من أي معروضات، لكن ورقة صغيرة مُعلقة على الزجاج بعبارة "شِراء، بيع دهب" ستجعلك تدرك أنك كنت مُخطىًا.

(2)

"بيع، ولا شِرا حضرتِك؟"، بابتسامة واسعة يستقبلك بها "وائل" الخمسيني وهو جالس على كنبةٍ وثيرة بالقرب من خزنة كبيرة، فيما تخلو الأرفف الداخلية للمحل أيضًا من أى معروضات تمامًا كالواجهة. أغلب زبائنه من النساء كما يذكر، ويأتون جميعهم للبيع رُبما لفك زنقة أو لاحتياج مبالغ مادية كبيرة، فالحال في مصر تغير كثيًرا عما كان عليه في كل شيىء حسبما يقول وائل "معادش حد يقدر يطلب من حد فلوس، الناس بتمشي يومها بالعافية، فبقى الأسهل إن الناس تتصرف في حتتين دهب بدل الحوجة، وعشان كده البيع بقى أكتر من الشِرا، ده غير الأسعار اللي بقت نار".

(3)(4)

ما إن اختتم وائل جُملته حتى توافدت على المحل زبونتان، جائتا بغرض البيع أيضًا وليس الشراء، الأولى تريد بيع سوارين لوالدتها بعدما ضاق مقاسهما، بينما ترغب الثانية في "تَتمين" شبكتها التي تريد بيعها أيضًا لحاجتها المادية. بعدما تفحص وائل ما يحملانه جيدًا بعدسة مُكبرة نصحهما بعدم البيع بعد جلسة استمرت قُرابة الساعة كان سعر الذهب في أولها 470ج للجرام الواحد، حتى وصل في آخرها لـ 450ج ، لتُردد احداهما "يا ريتني كنت بيعت الغويشتين أول ما دخلت، دلوقتي إن بيعتهم هيبقى بيع وخسارة"، فيرد عليها وائل "يا هانم الدهب اتجنن من ساعة ارتفاع سعر الدولار، كل دقيقة السعر بحال والدنيا مش ثابتة خالص".

(5)

على بُعد خطوات قليلة من محل "وائل" يقع محل "حسين بدر"- أحد تجار الصاغة الكِبار- الذي اكتظت "فاترينته" بالمشغولات الذهبية المتنوعة؛ بعضها خليجي والبعض الآخر تركي وإيطالي، بينما انزوت المعروضات المصرية في رُكنٍ قَصيّ فلم يكن لها الحظ الأوفرفي الظهور. على أعتاب المحل يقف رجل أربيعيني ليستقبل الرواد على ندرتهم، ويساعدهم في اختيار ما يريدون، ثم يتوجه بهم بعدها إلى حيث يجلس المَعلم الستيني "مُحسن" الذي لا تتم عمليات البيع إلا بتصديقه عليها بابتسامة وأختام للفواتير.

"سعر جرام الدهب مرتبط بسعر بيع الدولار في السوق السودا مش سعر الدولار اللي البنك المركزي بيقرره، وعشان كده الدهب بقى في العالي لأن الدولار سعره بقى أغلى في السوق السودا" بصوتٍ حزين يقولها المعلم "مُحسن" الذي لا يعرف مهنة أخرى غير بيع الذهب، فقد عمل كصبي في أحمد محال الصاغة أثناء دراسته الجامعية وبعد الانتهاء منها تفرغ تمامًا للمهنة التي أحبها حتى أصبح أحد أشهر المَعلمين اللذين يديرون المحلات الكبيرة نيابة عن أصحابها.

(6)

ورغم ارتفاع أسعار الذهب بشكلٍ لم يعهده المصريين من قبل إلا أن المعلم مُحسن يقر بأن أسعاره في البلاد العربية لم ترتفع مثلما ارتفعت في مصر، فالعُملات التى تتعامل بها دول الخليج لا زالت قادرة على مواجهة ارتفاع سعر الدولار بينما تنهار العملة المصرية أمامه "عشان كدة الطبيعي لو هنشتريه من أى بلد عربي نجيبه بسعر أقل من اللي موجود في مصر لأن السعر هناك بيفرق عن هنا 20 جنية في الجرام الواحد وأحيانًا أكتر كمان لما نحسب المصنعية".

"في بيع وشِرا لأننا في موسم بس مش زي الأول بردو" هكذا يشرح مُحسن حال السوق كما يراه مؤكدًا أن الرواج النسبي الذي تشهده محلات الصاغة هو بسبب كثرة الأفراح في شهور الصيف "لما تبيع في اليوم لنفرين تلاتة يبقى اسمك بيعت" فهذا هو الحال في محله والمحلات المجاورة، وتتلخص تلك "البيعة" عادةً في دبلة وخاتم كما يقول "مبقاش في حد يقدر يشتري شبكة زي زمان، أقل دبلة وخاتم بـ 5 الاف جنية، وأقل شبكة من 15 لـ 20 ألف، الناس هتجيب منين في الغَلا ده".

يتذكر محسن عقودًا ماضية بلمعة الذهب وجماله قائلًا "زمان كان الواحد ممكن يبيع في اليوم الواحد بـ 80 ألف، دلوقتي لما نكسر حاجز الـ20 ألف يبقى كرم، تجارة الدهب بقت واقفة علينا بخسارة، والفرق في تغير الأسعار بيطلع من جيوبنا"، تلك الخسارة لم يذُقها أصحاب المحلات فقط ولكنها طالت المُشترين أيضًا "في كتير بيختلفوا في المحل وقت الشِرا ع الكمية أو الفلوس، وفي جوازات باظت قدام عيني في المحل على 500 ج فرق في سعر الشبكة". وربما لهذا السبب بدأ العديد يسلكون نَهجًا آخر في الشراء للحصول على ما يُريدون بسعرِ أقل "الناس بدأت تتجه لشِرا الدهب الكسر".

(7)

في زقاق صغير مُتفرِع من إحدى الحواري الجانبية للصاغة؛ يلهو صِبية صِغار في مدخل أحد البيوت القديمة المُتهالكة، فيما تعلوهم "يافطة" تُؤكد على وجود محل "وليد الشرقاوي" بهذا المكان. يُعرف وليد في الصاغة بأنه أشهر تُجار"الذهب الكسر" فهو يقوم ببيعه بعد تنظيفه وتلميعه للأفراد وليس للورش أو المحلات وربما هذا هو سبب شهرته.

الفارق بين أسعار الذهب في المحلات العادية ومحلات الكسر يشرحه وليد قائلًا "الدهب هنا سعره أقل مما هو عليه في المحلات العادية لأن المصنعية أقل كتير، جرام الدهب اللي بيوصل لـ 600 جنية بالمصنعية في بعض المحلات، بنبيعه هنا دلوقتي بـ450 بمصنعيته، وأقل من كده كمان لما الدهب بيرخص، والفرق دايمًا لصالح الزبون".

محل الشرقاوي له طابع خاص، فهو عبارة عن شقة في الدور الأول مُقسمة لغرفيتن مُتصلتان ببعضهما البعض عن طريق شباك صغير يُطل منه الجالسون في كل جِهة على الأخرى، فيما تكتظ الغُرفتين بنساء ورجال يقلبون المشغولات الذهبية بين أيديهم بعد أن يزنها وليد ليتركها في حوزتهم ينتقون منها ما يريدون، فيستردها منهم بعد ذلك بوزنها مرة أخرى ليتأكد أن شيئًا لم يؤخذ منها بغير عِلمه.

(8)

بين تلك الجموع جلست فاطمة بهدوء في إحدى الغرفتين بصحبة والدتها وخطيبها ينتقون شبكتها التي قررت عدم شِرائها من المحلات العادية نظرًا لارتفاع الأسعار. "مكنتش هقدر أجيب غير دبلة وخاتم بالعافية لو دخلت أى محل كبير، وبعدين هنا في حاجات دهب إيطالي ذوقها حلو جدًا، وهقدر أجيب اللي أنا عاوزاه بسعر يناسب إمكانياتنا" قالتها فاطمة وهى تُقلب سوارين بين يديها لتنتقي الأجمل بينهم، فيما أكد خطيبها "أنا لو عليَّ أجيبلها حتة من السما، بس أسعار الدهب نار، وهنا في حاجات ذوقها حلو بأسعار معقولة".

(9)

على مقرُبة من محل الذهب الكَسر الذي يديره وليد، تقع الورشة التي يعمل بها "إبراهيم"، يعرفه الجميع بالاسم ويطلقون عليه لقب "الأسطى الحريف" نظرًا لمهارته الشديدة في تشكيل الذهب الذي عمل بمجاله منذ ما يقرب من ثلاثة وأربعون عامًا بعد أن ترك المدرسة في سن السابعة ليساعد والده مع أشقائه.

"مين يصدق إن جرام الدهب يوصل 480 ج ومن غير مصنعية كمان، الواحد بقاله عُمر في المهنة ولا كان يخطر على باله إن ده يحصل" عبر بها الأسطى إبراهيم عن حالة الذهول التى تسيطر على التجار، الصنايعية، والمُشترين من ارتفاع أسعار الذهب بشكل مُبالغ فيه وضع الجميع في مأزق، العامل قبل الشاري "في ناس كتير صفت مصانع وورش الدهب، وعِمالة ياما اتسرحت بسبب غلو الأسعار وخسارات أصحاب رؤوس الأموال بس الخراب كله على دماغ الصنايعية الغلابة".

"القلب ع القلب رحمة" مَنطقٌ يتعامل به الأسطى ابراهيم في أيام الكساد، فيتقاضى نصف اليومية أحيانًا من صاحب الورشة الذي يُكن له الود والمحبة، ويبرر ذلك "لما تشتغل عند حد تكون بتعِزه وتشوفه بيخسر بتزعل، وتفكر ازاى ممكن تقف جمبه في أزمته، وبعدين كفاية إنه رفض يسرح العُمال زي ما عمل باقي التُجار". وترجع هذة الخُسارة إلى أن الذهب ليس سلعة أساسية في حياة الناس كما يقول الأسطى إبراهيم "أصله مش أكل وشُرب، الناس معذورة متشتريش لأن عندها أولويات تانية غير الزينة، وعشان كده بتيجي علينا أيام منشتغلش فيها أصلًا من قِلة الشغل".

للأسطى إبراهيم نصيبًا من زينة الحياة الدنيا بالبنون الذين تتوسطهم ابنة أنهت دراستها الجامعية فصار حلم والدها أن يرزقها الله زوجًا صالحًا في ظل الغلاء الذي يحياه، ورغم عمله بصناعة الذهب إلا أنه قد اتخذ على نفسه عهدًا ألا يُغالي أو يحمل من سيصير زوجًا لابنته ما لا طاقة له به "لو جالي واحد لبنتي ابن حلال هقوله انا مش عاوز شبكة هى الدبلة الدهب بس.. أصل الشباب هتجيب منين يعنى الله يكون في عونهم".

"الناس بتدارى في الألماظ بسبب ارتفاع أسعار الدهب" قالها أحمد عليش صاحب أقدم محلات الذهب بخان الخليلي والصاغة، فالمحل الذي يديره قد ورثه عن والده الذي افتتحه عام 1943، على أعتابه تظن أنك ستضع قدميك بداخل أحد المتاحف القديمة، وبداخله تمتلىء واجهات العرض بالمشغولات الذهبية المُرصعة بالأحجار الكريمة والألماس الذي اتجه الأغلب إلى شرائه هذة الأيام كما يوضح أحمد "الجرام وصل 500 ج، والـ 10 الاف مبقوش يجيبوا دهب، لكن ممكن يجيبوا خاتم ألماظ يتقدم كشبكة، وأهو يبقى اسمها شبكة ألماظ بردو".

يُجزم أحمد بأنه أصبح يفتتح محله كل يوم جالسًا لتَلقي المشاكل فقط. تخسر تجارته، ولا تُدِر عليه الأموال فيصرف عليها مما يدخره "أهو بدل ما أقفل وأسرّح العُمال واعد في البيت، الناس خلاص مبقتش مستوعبة الأسعار، بيدخلوا يسألوا ويخرجوا وهُما بيبصوا لبعض باستغراب".

سبب تلك الأزمة ليس خَفيًا على أحد كما يقول أحمد، فالدولار هو مربط الفرس، إن إزداد سعره بالسوق السوداء ازداد سعر الذهب لكن السنوات التى قضاها الرجل الأربيعيني في رعاية تجارة والده ثم إدارة محلة بعد وفاته جعلت له رأيًا آخر "المشكلة مش في غلوّ سعر الدهب لأنه من سنتين كان أغلى من كده لكن أحنا اول مرة اقتصادنا يقع بالمنظر ده عشان كده حاسين بالفرق الرهيب، الجنية قيمته بقت 10 سنت، وهيفضل الدولار في ارتفاع، واحنا معندناش مصدر يدخلهولنا البلد، التصدير قليل والسياحة بقت في الأرض هنجيب دولارات منين نوازن بيها عشان يبقى عندنا مخرون، الخلاصة إن مش الدهب اللي بيغلى بس الجنية هو اللي بيرخص".

يستأذن مدير حسابات المحل في الدخول إلى حيث مكتب أحمد ويعرض عليه ملف ملىء بأوراق المعاملات المادية، ليخبره أن جلسة الخُبراء في الضرايب قد تم تحديد موعدها وعليهم الاجتماع بمحاسبهم الخاص قبلها، فيقول أحمد بحزنٍ شديد "بيحاسبوني على قيمة الدهب بغض النظر إن كنا بنبيع وفي مكسب ولا لاء، والواحد كل مدى رصيده بيقل لدرجة إني بقيت أبيع 100 جرام دهب كل أسبوع عشان أعرف أقبّض الـ 30 عامل اللي عندي".

لهذا يحلم أحمد بالسفر لخارج البلاد رغم شِدة حُبه لها "خسرت 12 مليون جنية لما محلي اتكسر في الثورة، والدولة عوضتني بـ 14 ألف ج رغم إن ده ميجيش حق الإزاز اللي اتكسر، والدهب كل يوم في الطالع ومفيش بيع، عشان كده مبقتش بفكر غير في إني الاقي حد يشتري المحل وأخد بضاعتي وأهاجر بدل ما أفلّس أو أموت من القهرة هنا".

حي الغورية الدهب شارع المُعز محلات العِطارة السوق السودا سعر الدولار البنك المركزي

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان