بالتوقيت الأمريكي.. هل يتلاعب "ترامب" بالأسواق؟ (تحليل بالأرقام)
كتب : مارينا ميلاد
صورة مصممة بالذكاء الاصطناعي
قبل عطلة نهاية الأسبوع، وبمجرد أن كرر دونالد ترامب (الرئيس الأمريكي) تهديداته بضرب إيران "بقسوة شديدة" في الأسابيع المقبلة، ارتفع النفط بقوة، وهبطت الأسهم الأمريكية والأوروبية.
وخلال 38 يومًا، منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، اضطربت الأسواق المالية العالمية بسبب الصراع؛ فانخفضت أسعار الأسهم مع ارتفاع تكلفة النفط والغاز، ثم تحسن الأمر بشكل ما مع عدة تصريحات لـ"ترامب" حول التهدئة والمفاوضات، فصعدت الأسهم مع انخفاض ملحوظ في أسعار النفط، قبل أن تنقلب الأمور مرة أخرى.
فهل يتلاعب "ترامب" بالأسواق حقًا؟ كما زعم محمد باقر قاليباف (رئيس البرلمان الإيراني) حين قال: "يستخدم الرئيس ترامب حربه وينشر أخبارًا كاذبة للتلاعب الصارخ بالسوق". في هذا التحليل، نرصد رقميًا تحركات البورصة وأسعار الطاقة بالتوقيتات الزمنية لتصريحات الرئيس الأمريكي؛ لنكتشف تأثير كل "تدوينة" له على تشكيل واقع السوق.

تدوينة الرئيس الأمريكي على منصة "تروث سوشيال"
مهلة ترامب الثانية
"يوم الثلاثاء سيكون يوم محطات الطاقة، ويوم الجسور في إيران. لن يكون له مثيل! افتحوا المضيق اللعين، أيها الأوغاد المجانين، وإلا ستعيشون في الجحيم - سترون!"؛ هكذا كتب "ترامب" مساء الأحد على منصة "تروث سوشيال"، ليبدأ العد التنازلي لمهلته الثانية لإيران لفتح مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس نفط العالم.
ومع الساعات الأخيرة اليوم، شهد سوق الأسهم الأمريكي تحركات مترددة وتقلبت أسعار النفط.
وقد رفضت إيران مقترح وقف إطلاق النار، وصرح مسؤولوها بـ"عدم قبول أي اقتراح لا يضمن عدم تعرضهم لهجوم آخر".

ووثّقت نشرة "كوبيسي" الاقتصادية، أحد أشهر الحسابات المتخصصة في تحليل الأسواق المالية العالمية، كيف أثرت تصريحات "ترامب" من ناحية، والمسؤولين الإيرانيين -وبينهم رئيس البرلمان- من ناحية أخرى على سوق الأسهم. وعلى سبيل المثال، ذكرت في أحد تحليلاتها: "أنه في تمام الساعة 4:12 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، صرّح رئيس البرلمان الإيراني بأن أخبار ما قبل افتتاح السوق تُعدّ مؤشراً عكسيًا؛ فإذا تسببت في انخفاض حاد في السوق، فعلينا الشراء، أو العكس. وفي تمام الساعة 6:00 مساءً، افتتحت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 على انخفاض بنسبة 1% تقريباً، ثم هبطت، وبحلول الساعة 11:00 مساءً، استعادت جميع خسائرها وعادت إلى الارتفاع".
ثم، في تمام الساعة 7:25 صباحاً، نشر "ترامب" أن "تقدماً كبيراً يُحرز في محادثات السلام مع إيران"، وبالتزامن، تداول المؤشر نفسه على ارتفاع يزيد عن 100 نقطة عن أدنى مستوى له سجله قبل ساعات، مضيفاً 900 مليار دولار إلى القيمة السوقية.
واختتمت النشرة تحليلها بوصفها: "إننا نعيش أوقاتاً استثنائية في تاريخ السوق".

إنذار ترامب الأول لإيران
وسبق المهلة الثانية التي وضعها "ترامب" لإيران إنذارٌ أول مدته 48 ساعة، أطلقه يوم 22 مارس، وهو يوم عطلة. ووقتها، ترقبت الأسواق ما سيحدث مع افتتاح جلسات التداول يوم الإثنين، ولكن قبل أن تبدأ، نشر "ترامب" في السابعة صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة خبراً عن "إجراء محادثات جيدة ومثمرة للغاية" مع طهران، معلناً تأجيل جميع الضربات على البنية التحتية للطاقة لمدة خمسة أيام.
وعلى الفور، أدى القرار إلى ارتفاع قيمة الأسهم الأمريكية بمقدار 1.7 تريليون دولار، وانخفاض أسعار النفط بنحو 14%، وارتفاع سعر البيتكوين إلى ما فوق 70 ألف دولار.
وأظهرت البيانات أنه تم تداول آلاف العقود على سعر النفط الخام بحجم أكبر بكثير من المعتاد قبل 15 دقيقة من تعهد "ترامب" بوقف الضربات؛ فعند الساعة 06:49، تم تداول 734 عقد نفط، وفي الدقيقة التالية ارتفع العدد إلى 2168 عقداً -أي أعلى بـ 16 مرة من المتوسط الذي لُوحظ طوال ذلك اليوم.

فهل أجرى دونالد ترامب بالفعل محادثات مثمرة مع إيران؟
في وقت لاحق من اليوم نفسه، نفت الحكومة الإيرانية إجراء أي محادثات، ووصفتها بـ"الأخبار الكاذبة"، وارتفعت أسعار النفط مجدداً بعد هذه التصريحات.
إذن، هل ما فعله "ترامب" مجرد حيلة لتحقيق مكاسب للأسواق المالية ودفع كبار المستثمرين إلى جني الأرباح؟ يرى محللون "أنه من المرجح أن يكون المتداولون الذين راهنوا على انخفاض الأسعار قبل الإعلان قد استفادوا من تراجع ترامب المفاجئ"، وتساءلوا عما إذا كان بعض المشاركين في السوق قد تصرفوا بناءً على معلومات مسبقة.
فمثلاً، قال ستيفن إينيس (المحلل في شركة إس بي آي لإدارة الأصول)، في تصريحاته لوكالة فرانس برس: "إن ما يبرز هنا ليس فقط حجم الصفقات، ولكن التوقيت أيضاً.. المتداولون ليسوا عرافين. عندما تتغير مراكز التداول قبل دقائق من ظهور خبر مؤثر في السوق، فهذا يعني عادةً أن شخصاً ما يتصرف بناءً على معلومات استخباراتية قبل انتشار الخبر".
"هذا يبدو غير طبيعي بالتأكيد"، هكذا يصف موكيش ساهديف (كبير محللي النفط في شركة XAnalysts) ما حدث في ذلك الوقت، وقال: "لم تكن هناك أي مؤشرات على إجراء أي محادثات جادة بين الولايات المتحدة وإيران؛ لذا فإن وضع كل هذه الأموال على انخفاض أسعار النفط يثير تساؤلات".
وعلق كريس مورفي (السيناتور الأمريكي) على الأمر عبر حسابه في X قائلاً: "رهان بقيمة 1.5 مليار دولار... قبل خمس دقائق من منشور ترامب. من كان وراءه؟ ترامب نفسه؟ أحد أفراد عائلته؟ موظف في البيت الأبيض؟ هذا فساد.. فساد مذهل".
والجدل نفسه دار حول المراهنات الإلكترونية التي نشطت مع هذه الحرب، حيث راهن كثيرون بشكل صحيح في اللحظات الأخيرة وبمبالغ مرتفعة على خيارات مثل اندلاع الحرب أو عدم التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بحلول نهاية مارس، مما أثار الشك حول كونهم على دراية بمعلومات سرية. ورداً على ذلك، صرح متحدث باسم البيت الأبيض لصحيفة "فايننشال تايمز" بأن الإدارة "لا تتسامح مع أي مسؤول يتربح بشكل غير قانوني من معلومات داخلية".
اقرأ: مقامرة الحرب.. مراهنون يسبقون "وقف إطلاق النار": من يربح في صراع أمريكا وإيران؟
وفي الأيام التالية، تأرجحت أسعار النفط حتى انخفضت إلى ما دون 100 دولار في الليلة التي سبقت الخطاب المتلفز لـ"ترامب" يوم 1 أبريل؛ الخطاب الذي كان يتوقع البعض أن يضع خطة لإنهاء الصراع.
غير أن ما حدث كان العكس تماماً؛ فبعد خطاب بُث في ذروة وقت المشاهدة للأمريكيين يوم 2 أبريل، ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد عندما هدد "ترامب" إيران مجدداً وقال: "إن الولايات المتحدة ستنجز أهدافها الاستراتيجية للحرب قريباً جداً، وستقضي الأسبوعين أو الثلاثة القابلة في قصف إيران حتى تعود إلى العصر الحجري".

كلمات قليلة قفزت بسعر خام برنت لفترة وجيزة إلى ما يزيد عن 109 دولارات للبرميل، وانخفضت أسواق الأسهم في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. وقال ألبرتو بيلورين (المؤسس والمدير الإداري لشركة إنتر كابيتال إنرجي): "إن هذا الارتفاع كان مراجعة واضحة لواقع السوق في أعقاب التفاؤل السابق بوقف إطلاق النار الوشيك".
وسبق وقال وائل النحاس (الخبير الاقتصادي)، في تصريحاته لـ"مصراوي" "إن ما يحدث يعتبر نمطا متكررًا من التلاعب المتعمد بتوقيت التصريحات والسياسات بهدف خلق تأثيرات مباشرة على الأسواق المالية وتحقيق مكاسب محددة لأطراف معينة"، مشيرًا إلى أن "ترامب" غالبًا ما يستخدم تصريحاته كأداة لإعادة توجيه الأسواق، ما اعتبره "ليس حادثة عابرة" بل "جزء من استراتيجية مستمرة قبل قرارات هامة مثل الرسوم الجمركية أو المواقف السياسية الأخرى".
وقد أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي دخلت أسبوعها السادس، إلى تعطيل شديد لإمدادات النفط والغاز العالمية؛ حيث توقفت شحنات النفط عبر ممر هرمز، وهو شبه مغلق أمام أغلب الناقلات باستثناء بعض السفن التي سمحت لها طهران بالمرور في مسار مغاير وعرفتها بـ"سفن الدول الصديقة".
اقرأ: "ممر طهران".. الرضا الإيراني تأشيرة عبور السفن في مضيق هرمز
وفي خطابه الأخير، قال "ترامب" إن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى طاقة الشرق الأوسط، داعياً الدول الأخرى إلى التدخل لتحرير الشحنات المتعطلة في الخليج قائلاً: "إلى تلك الدول التي لا تستطيع الحصول على الوقود، والتي يرفض الكثير منها المشاركة في قطع رأس إيران... تحلّوا ببعض الشجاعة المتأخرة، واذهبوا إلى المضيق واستولوا عليه".
وتترقب الأسواق ما سيحدث لمؤشراتها وأسعارها غداً، بنهاية المهلة الأخيرة (حتى الآن) التي حددها "ترامب" مساء غد الثلاثاء؛ فقد كتب ترامب على منصته تلك الكلمات فقط: "الثلاثاء، الساعة 8:00 مساءً، بتوقيت شرق الولايات المتحدة".