غارات أمريكية فوق "وكر الجواسيس".. قصة سفارة الولايات المتحدة في طهران
كتب : مارينا ميلاد
مقر السفارة الأمريكية السابق في طهران
في 4 نوفمبر من كل عام، يرفع مئات الإيرانيين لافتات أمام مبنى يتوسط طهران لإحياء ذكرى أزمة الرهائن الأمريكية عام 1979؛ اليوم الذي اقتحم فيه الطلاب الغاضبون المؤيدون للثورة الإسلامية السفارة واحتجزوا 52 دبلوماسياً كرهائن لمدة 444 يوماً. يرفعون لافتات تدعم النظام والحرس الثوري ويهتفون: "الموت لأمريكا". هذا المبنى هو مقر السفارة الأمريكية السابق، والذي قصفت الولايات المتحدة محيطه اليوم، بعد أن بات متحفاً مناهضاً للأمريكيين يُطلق عليه "وكر الجواسيس".
فبحلول فجر هذه الليلة، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات استهدفت مناطق مختلفة في العاصمة طهران وعدة محافظات أخرى، وأظهرت صورٌ نشرتها وسائل إعلام في إيران، بينها وكالة مهر شبه الرسمية، قصفاً وأضراراً لحقت بمبنى السفارة الأمريكية. ووفقاً لما نقله شهود عيان، "فقد تضرر القسم الشرقي من المبنى الواقع عند شارع "طالقاني"، غير تضرر متاجر محيطة بالموقع، دون توضيح رسمي حتى الآن.
فماذا نعرف عن مبنى السفارة الأمريكية السابق في طهران؟

هذا المبنى الذي يلف سوره علاماتٌ تصور تمثال الحرية بـ"رأس جمجمة"، والعلم الأمريكي بشكل "أفعى" أو "شيطان"، يُدار بشكل أساسي من قبل قوات الباسيج، وهي جناح شبه عسكري تابع للحرس الثوري الإسلامي الإيراني. وغُطيت جدرانه الطويلة برسومات وشعارات ملونة تندد بالولايات المتحدة.
وظل موقعه مسرحاً للمظاهرات المناهضة لها، منذ بداية العداء بين الطرفين عقب واقعة احتجاز الرهائن، وانتهاء النشاط الدبلوماسي الأمريكي هناك؛ تلك الأزمة التي أظهرها فيلم "أرغو" عام 2012، الحائز على الأوسكار، مصوراً اقتحام السفارة من قِبل الطلاب الداعمين لآية الله الخميني (زعيم الثورة الإيرانية)، والذين زعموا أن الولايات المتحدة كانت تدبر مؤامرة لتقويض الثورة، مع دعمها ومنحها اللجوء للشاه المخلوع آنذاك، محمد رضا بهلوي.
وفي خطاب سابق، قال سعيد جليلي (رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سابقاً)، عن هذا المكان: "إن مصادرته أظهرت للعالم كله أن السفارات الأمريكية كانت قاعدة للتجسس".


فمع صعود الدرج، الذي يزينه رسومات جرافيتي تصور بالونات الأمم المتحدة، كلب ينبح، نجوم وخطوط مشتعلة، رجل يهودي ذو أنف كبير، وعين العناية الإلهية، ترى ما يعرضه المتحف من وثائق وممتلكات صودرت عام 1979، بما فيها معدات وآلات تجسس، وأوراق ممزقة حاول الرهائن تدميرها أثناء عملية احتجازهم، وقد حُوِّل بعضها إلى كتب. كما يُظهر الغرف العازلة للصوت التي استخدمها الدبلوماسيون الأمريكيون كمخابئ ربما.


وبإمكان السياح إلقاء نظرة على كل تلك الأشياء مقابل حوالي 300 ألف ريال إيراني (أقل من دولار). وقال ماجد علي زاده (مدير المجمع)، في تصريحات سابقة له: "إن المتحف يستقبل في المتوسط من 100 إلى 200 زائر يومياً، 70% منهم سياح".
كانت بيكي إنرايت، وهي كاتبة بريطانية متخصصة في سرد القصص حول المغامرات والرحلات، واحدة من هؤلاء السياح؛ حيث زارت المتحف في وقت يتزامن مع ذروة المظاهرات المعادية لأمريكا عام 2013. صادفتها جدارية كُتب عليها "الموت لأمريكا" تستقبل كل من يدخل ويخرج من محطة المترو. وقالت: "رأيت هناك ما لم أكن أتوقعه، كل شيء كان يصور المشاعر المعادية للولايات المتحدة والتي نسمع عنها كثيراً في وسائل الإعلام الغربية، وهي موجودة بالفعل، لكن صار هناك جيل منفتح أكثر من الماضي". وتصف الأعمال الفنية المنتشرة على الجداريات بأنها "في جوهرها عمل فني حكومي، وليس عملاً فنياً عاماً من صنع الشعب".
وفي مدونتها، انهالت عليها التعليقات من آخرين أبدوا اهتمامهم بهذا الأمر؛ فيقول أحدهم ويدعى "واي": "كنت هناك، لكنني لم أدخل. كنت متردداً حتى في التقاط الصور من الخارج". وتقول أخرى باسم "جوستين": "تذكرني الدعاية المعادية لأمريكا هناك بكوبا؛ لديهم فنون شوارع ولوحات إعلانية متشابهة منتشرة في أنحاء البلاد تندد بهم بشدة".

أما هالف غوناوان، أخصائي وسائل التواصل الاجتماعي والتسويق الإندونيسي، فيصف تجربته هناك بأنها "إلقاء نظرة خاطفة على كبسولة زمنية للتاريخ والدعاية" بعد أن أثار فيلم "أرغو" فضوله للاستكشاف، فيحكي: "عندما سألت مرشدي الرسمي في المتحف عن الفيلم، ذكر أن معظم أحداثه مبالغ فيها على طريقة هوليوود. لكنني رأيت علامات على وجود ثقوب رصاص في الجدران، وثقوباً ناتجة عن كسر الخزائن.. بالنسبة لي، هو نافذة على فصل معقد من تاريخ إيران".

وكانت إسرائيل قد أعلنت اليوم الأربعاء تنفيذها أكثر من 800 طلعة هجومية، شن خلالها نحو 10 آلاف غارة استهدفت قرابة 4000 هدف داخل إيران، مستخدمةً ما يقارب 16 ألف ذخيرة مختلفة. وفي مساء يوم 31 مارس، قال دونالد ترامب (الرئيس الأمريكي)، خلال مقابلة مع الصحفيين في البيت الأبيض، إن الولايات المتحدة ستغادر إيران "قريباً جداً، خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع". وأكمل حديثه "بأن الانسحاب من هذه الحرب لن يكون بالضرورة مصحوباً باتفاق مع الجمهورية الإسلامية؛ فالنظام في إيران تغير حالياً، وهذه المجموعة الجديدة التي تولت السلطة أفضل بكثير من الحكومة السابقة".
وشنت الولايات المتحدة مع إسرائيل ضرباتها على إيران في 28 فبراير الماضي، بأهداف تتأرجح بين "تدمير القدرات النووية الإيرانية" و"تغيير نظامها"، وأدت إلى مقتل أكثر من ألف شخص وقادة إيرانيين، على رأسهم آية الله علي خامنئي (المرشد الأعلى في إيران)، والذي قال من قبل، خلال الذكرى الرابعة والأربعين لاقتحام السفارة واحتجاز الرهائن: "دخل الطلاب السفارة الأمريكية، واستولوا عليها، وكشفوا أسرارها ووثائقها السرية. لقد ضاعت سمعة أمريكا".
اقرأ أيضا:
"ممر طهران".. الرضا الإيراني تأشيرة عبور السفن في مضيق هرمز
مقامرة الحرب.. مراهنون يسبقون "وقف إطلاق النار": من يربح في صراع أمريكا وإيران؟