"محاكم الدم والصلح".. كواليس القضاء العرفي من جبال سيناء إلى كفور الدلتا (فيديو وصور)
كتب : فادي الصاوي
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
بينما تنشغل المحاكم المدنية بآلاف القضايا، يبرز "القضاء العرفي" الذي لا يعرف الأوراق الرسمية، لكن كلمته يبدو سيف على رقاب الجميع.. من "رهن الإبل" في سيناء، إلى "التغريب" في الدلتا، و"العفو بلا كفن" في الصعيد؛ يظل القضاء العرفي في مصر هو الحاكم الفعلي الذي يملك مفاتيح حقن الدماء.
جنوب سيناء:"رهن الحلال" كقوة إجبار ناعمة
في قلب البادية، لا يحتاج صاحب الحق إلى محضر شرطة لإجبار خصمه على التقاضي، بل يلجأ لوسيلة ذكية تُسمى التوثيق، ويقول الشيخ فريج سالم، شيخ قبيلة الحويطات بطور سيناء: "العرف البدوي ابتكر وسيلة إجبار قانونية وراقية؛ فإذا رفض الخصم المثول للقضاء، يقوم صاحب الحق بأخذ (حلاله) من إبل أو أغنام وإيداعها عند طرف ثالث وسيط بالقرب من خصمه، قائلاً له: (هذه وثاقة عندك في حقي عند فلان)، لتظل أمانة لديه حتى يرضخ الخصم للحق".
ويؤكد الشيخ فريج، أن عملية "رهن الحلال" تتم بأصول وأدب، ويُحظر فيها التعدي بالضرب، كما لا يمكن لصاحب الإبل استخدام القوة لاستعادتها لأن ذلك يعد خرقاً للعرف يضعه في موقف الضعف، مما يضطره صاغراً للذهاب إلى بيت "الملم" (قاضي الإحاطة)، الذي يحيل القضية لقاضٍ مختص لضمان الحيادية.
كفر الشيخ: التغريب واقتلاع بذور الفتنة
وعلى النقيض من رهن الإبل في سيناء، تتسم أحكام الجلسات العرفية في محافظات الدلتا، ولاسيما كفر الشيخ، بالصرامة التي تصل إلى الاقتلاع من الجذور، ففي قرية "الكوم الطويل" التابعة لمركز بيلا، لم تكتفِ اللجنة العرفية برئاسة محمد عبد السميع شلبي بفرض دية قيمتها 3 ملايين جنيه في جريمة قتل بسبب أسبقية ري الأرض، بل أصدرت حكماً هو الأقسى عرفياً، حيث قررت اللجنة تغريب أسرة الجاني نهائياً عن محل إقامتها، وإلزامها ببيع أرضها الزراعية جهاراً، لضمان عدم حدوث احتكاك مستقبلي يجدد الدماء.
وتكرر المشهد في مركز سيدي سالم، حيث قضت لجنة عرفية بتغريب أسرة كاملة (زوج وزوجته وابنهما) خارج نطاق المركز والمدينة بالكامل، مع إلزامهم بدفع دية شرعية عبارة عن شقق سكنية، وتوقيع شرط جزائي قيمته 5 ملايين جنيه في حال مخالفة بنود الصلح.
ثورة العفو وتحطيم قيود الكفن في محافظات الصعيد
وفي صعيد مصر، شهد عام 2026 تحولاً تاريخياً في مفاهيم الصلح، ففي مدينة القرنة غرب الأقصر، سجلت "ساحة الطيب" سابقة بإنهاء خصومة ثأرية بين عائلتي "آل عبود" و"آل حافظ" دون تقديم "القودة" (الكفن)، وهو طقس كان يُعتبر سابقاً انكساراً لا يقبله البعض، ليحل محله "العفو المطلق" تحت راية الأزهر والكنيسة.
وفي أسوان، وتحديداً بمركز كوم أمبو، شارك المحافظ المهندس عمرو لاشين في مراسم صلح كبرى بقرية الكاجوج بين عائلتي "سيد محمد" و"آل قوي"، وسط حضور 3 آلاف مواطن، وأكد المحافظ أن هذه الجلسات هي صمام الأمان لإرساء دعائم السلم الاجتماعي، مشيداً بدور عواقل وأجاويد القبائل في تصفية النفوس قبل الأوراق.
كواليس قضاة الظل: لماذا يوقع الخصوم على بياض؟
المحكم العرفي الحاج مرتجع أبو شميلة، عضو لجان المصالحات، أن القاضي العرفي يستمد قوته من تاريخ عائلته وثقة الناس، قائلاً: "المحكم العرفي ليس مجرد شخص يحكم، بل هو (قاضي شرع وعرف) يتحرك بمجرد سماع الأزمة لحقن الدماء قبل أن تصل للمنصة الرسمية".
عن دور المحكم وسلطته الأدبية، يقول الحاج مرتجع أبو شميلة، عضو لجان المصالحات، في لقاء إعلامي سابق له،: "إن المحكم العرفي ليس مجرد شخص يحكم بين الناس، بل هو قاضي شرع وعرف يستمد قوته من ثقة الناس وتاريخ عائلته في الحق، نحن لا ننتظر من المحكمة أن ترسل لنا القضايا، بل نتحرك بمجرد سماعنا بوجود مشكلة لحقن الدماء قبل أن تصل لمنصة القضاء الرسمي".
وأوضح أن أهم شرط لنجاح الجلسة العرفية هو اختيار (المحكمين) المشهود لهم بالحياد، مضيفا: "لابد أن يكون المحكم بعيداً عن أهواء العائلات، وإلا سقطت الجلسة، والضمان الحقيقي لتنفيذ أحكامنا هو الشرط الجزائي والتوقيع على بياض أحياناً قبل بدء الجلسة، هذا ليس إكراهاً، بل هو ضمان لجدية الأطراف في إنهاء النزاع واحترام كلمة الرجال".
وتابع: "الجلسة العرفية تبدأ بـ 'فتح كلام' واتفاق على أن حكم اللجنة نافذ على الكبير قبل الصغير.. القانون المدني يتعامل مع نصوص وأوراق، لكن العرف يتعامل مع نفوس. نحن في الجلسة العرفية نبحث عن جرح المشكلة لنعالجه من جذوره، فإذا حكمنا بالدية أو التغريب، يكون ذلك بهدف ألا يرى الخصم خصمه مرة أخرى فتتجدد الدماء".
وافقة الرأي الحاج شاكر الإمام، محكم عرفي، الذي كشف في تصريحات إعلامية سابقة له، أن الجلسة العرفية هي (قضاء الضرورة) الذي يهدف أولاً وأخيراً لإصلاح ذات البين، مضيفا: "نحن لا نبحث عن الجاني لنعاقبه فقط، بل نبحث عن الطريقة التي تجعل الطرفين يتصافحان وتعود المياه لمجاريها، لأن أحكام المحاكم الرسمية قد تفصل في القضية لكنها لا تنزع الغل من القلوب".
وتابع: "الجلسات العرفية هي الذراع اليمين للأمن؛ لأنها بتنهي مشاكل ممكن تقعد في المحاكم سنين، وممكن تتسبب في قتلى ومصابين، إحنا بنقفل باب الفتنة في ساعة زمن".
العلم يؤكد: دراسة "شبراخيت" تكشف أسرار التفوق
لم يتوقف الأمر عند المعايشة الميدانية، بل عززت الأبحاث الأكاديمية هذا الدور، حيث كشفت دراسة أجرتها الباحثة ماجدة محمود أحمد بجامعة دمنهور حول مركز "شبراخيت" بالبحيرة، عن أرقام وحقائق حول القضاء العرفي في المحافظة.
وأظهرت الدراسة أن 36.4% من المحكمين العرفيين جامعيون، وأن 100% منهم يتمتعون بمستوى مشاركة تطوعية مرتفعة، مما يعكس أن "الوجاهة الاجتماعية" ليست مجرد مظهر بل هي "تراكم من العطاء الاجتماعي".
وأوضحت الدراسة أن النزاعات في الريف تتركز حول (الحدود الزراعية، الميراث -خاصة حرمان الإناث- ومشكلات الري والصرف)، وهي قضايا قد تستغرق عقوداً في القضاء المدني لكنها تُحل عرفياً بالتراضي.
كشفت الدراسة الميدانية عن دوافع اجتماعية عميقة تجعل المواطن الريفي يلوذ بـالمجالس العرفية فراراً من المحاكم الرسمية، واحتلت سرعة الفصل المرتبة الأولى في دوافع المبحوثين؛ فبينما تقبع القضايا في دهاليز المحاكم المدنية لسنوات نتيجة بطء الإجراءات وتعدد مستويات التقاضي، تنجح الجلسة العرفية في رد الحقوق لأصحابها في جلسة واحدة أو بضع جلسات، مما يمنع تحول الأزمات الصغيرة إلى صراعات دموية.
التكلفة والاقتصاد المنزلي
وخلصت الدراسة إلى أن القضاء الرسمي ينهي الخصومة قانوناً لكنه نادراً ما ينهيها نفسياً؛ إذ غالباً ما يخرج أحد الأطراف شاعراً بالهزيمة، مما يترك جذور الغل قائمة، في المقابل، يرتكز العرف على مبدأ التراضي الشامل؛ حيث تُصاغ الأحكام بلمسة إنسانية تراعي صلة الرحم وقواعد الجيرة، مما يؤدي إلى كسر حدة العداء واقتلاع فتيل الثأر من النفوس.
ولم تغفل الدراسة الجانب المادي؛ إذ يرى 56.25% من الحالات (وهم غالباً من ذوي المستوى الاقتصادي المنخفض) أن الجلسات العرفية تحميهم من نزيف المصروفات القضائية وأتعاب المحامين المرهقة، مما يجعلها عدالة بمتناول الجميع.
وأظهرت النتائج أن وجود شخصيات ذات هيبة ووقار (بنسبة قيادية مرتفعة بلغت 63.6%) داخل هذه المجالس، يمنح الأحكام صبغة أخلاقية تجعل الخروج عنها "عيباً" اجتماعياً لا يغتفر، وهو ضغط معنوي يفتقده القضاء الرسمي الذي يتعامل مع أرقام ومواد صماء - وفقا لنص الدراسة.
رابط الدراسة العلمية.. اضغط هنا