لماذا تتحول الشركات الناشئة في مصر إلى السعودية والإمارات؟
كتب : إبراهيم الهادي عيسى
الشركات الناشئة
يكشف عدد من مؤسسي الشركات الناشئة عن معادلة معقدة، فبينما توفر الأسواق الخارجية فرصًا أكبر لجذب المستثمرين والجولات التمويلية والوصول إلى عملاء ذوي قدرة شرائية مرتفعة، تواجه الشركات داخل مصر تحديات تتعلق بتعدد الجهات التنظيمية، وبطء بعض الإجراءات، وصعوبة الحصول على التراخيص في بعض القطاعات، فضلًا عن مطالبات بتطوير التشريعات المنظمة للاستثمار الجريئ وآليات التخارج.
بينما يحذر المؤسسون خلال حديثهم مع مصراوي من النظر إلى التوسع الخارجي باعتباره نزيفًا للشركات المصرية.
وأكدوا أن غالبية تلك الكيانات لا تغادر مصر فعليًا، بل تحتفظ بمراكز التشغيل والكوادر الفنية داخل البلاد، بينما تسعى فقط إلى الاقتراب من المستثمرين والأسواق المستهدفة.
هل تغادر الشركات الناشئة مصر إلى السعودية والإمارات؟
يرى بعض رواد الأعمال أن وضوح الإجراءات وسهولة تأسيس الشركات وانخفاض الأعباء الضريبية وتوافر التمويل في الأسواق الإقليمية تدفع الشركات المصرية إلى تأسيس كيانات قانونية أو فروع خارجية، بينما يذكر آخرون أن مصر لا تزال تمتلك أكبر سوق استهلاكية في المنطقة وقاعدة واسعة من الكفاءات الشابة وتكاليف تشغيل أقل من كثير من الأسواق المنافسة، ما يجعلها بيئة جاذبة للانطلاق والنمو.
هل يكمن الحل في إصلاحات تشريعية وإجرائية أعمق؟ أم في تفعيل القوانين القائمة وتوسيع فرص الشركات المحلية في المشتريات الحكومية والتمويل والاستثمار؟
المهندس أيمن بازرعة الرئيس التنفيذي لشركة سبرينتس للتعليم من اجل التوظيف، يقول لـ"مصراوي" إن توسع الشركات المصرية في أسواق مثل السعودية والإمارات لا يعني خروجها من السوق المحلية، بقدر ما يعكس سعيها للاستفادة من بيئات أعمال أكثر وضوحًا وسرعة في الإجراءات.
ويضيف أن سهولة تأسيس الشركات والحصول على التراخيص في تلك الأسواق تمثل عامل جذب رئيسيًا، موضحًا أن المستثمر أو رائد الأعمال يتعامل مع جهة واحدة وإطار زمني محدد لإنهاء الإجراءات، على عكس ما يحدث في بعض الأحيان داخل مصر، حيث تتطلب الموافقات التعامل مع جهات متعددة، ما يطيل دورة اتخاذ القرار ويزيد من الأعباء البيروقراطية.
بينما يشير إلى أن السياسات الضريبية تعد من بين العوامل المؤثرة في قرارات التوسع، موضحًا أن الضريبة على الشركات في الإمارات لا تتجاوز 9%، بينما قد تتحمل الشركات في مصر أعباء إضافية مرتبطة بالتأمينات الاجتماعية وضريبة كسب العمل، والتي قد ترفع تكلفة التوظيف بنسبة تصل إلى 30% أو أكثر.
ويذكر أن السوق المصرية لا تزال تمتلك مقومات جذب قوية، في مقدمتها الحجم الكبير للسوق المحلية وتوافر الكفاءات الشابة وانخفاض تكلفة التوظيف مقارنة بالعديد من الأسواق الإقليمية، وهو ما يجعلها نقطة انطلاق طبيعية للشركات الناشئة قبل التوسع الخارجي.
بينما يشير المهندس علاء إدريس، الرئيس التنفيذي لشركة تربو سيلوشن لحلول الأعمال البرمجية، إلى أن السبب الرئيس وراء توجه بعض الشركات نحو الأسواق الخليجية لا يرتبط بضعف السوق المصرية وإنما بارتفاع العائدات هناك، موضحًا أن البرنامج الذي يُباع في مصر بنحو 100 ألف جنيه يمكن أن يُباع في السعودية بما يصل إلى 500 ألف جنيه، أي ما يعادل 5 أضعاف قيمته تقريبًا.
ويفسّر لـ"مصراوي" أن شركته أجرت تجربة للتوسع المباشر في السعودية والإمارات قبل نحو عامين، لكنها فضلت لاحقًا الاعتماد على إدارة عملياتها الخارجية من مصر، موضحًا أن الشركة تمتلك حاليًا عملاء في السعودية والإمارات وسلطنة عمان والعراق دون الحاجة إلى إنشاء فروع تشغيلية كاملة في تلك الدول.
يطالب إدريس بعودة برامج الدعم المؤسسي والترويج الخارجي للشركات التكنولوجية، مشيرًا إلى فجوة التنسيق بين الجهات الحكومية والشركات العاملة بالقطاع، وأن الشركات تحتاج إلى برامج أكثر ارتباطًا باحتياجاتها الفعلية سواء في التمويل أو التسويق أو التدريب.
القوانين.. معضلة الشركات الناشئة
المهندس محمد زغلول مدير وشريك مؤسس شركة بايونيرز سليوشنز للحلول البرمجية المتكاملة، يقول لـ"مصراوي" إن القوانين المنظمة لعمل الشركات في مصر ليست المشكلة الأساسية، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تضارب بعض التشريعات وصعوبة الإجراءات التنفيذية، موضحًا أن شركات ناشئة مرّ على تأسيسها أكثر من عامين بينما ما زالت تنتظر استكمال إجراءات استخراج السجل التجاري.
ويشير إلى أن الأنشطة التي لا تحتاج إلى موافقات أمنية يمكن إنهاء إجراءات تأسيسها خلال فترة تتراوح بين 5 و10 أيام فقط، إلا أن معظم الأنشطة، خاصة المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات، تحتاج إلى موافقات أمنية قد تؤخر إصدار السجل التجاري لمدة تتراوح بين 6 أشهر وسنة، وقد تمتد في بعض الحالات إلى سنة ونصف.
ويضيف أن أزمة السوق المصرية لا تتوقف عند الإجراءات، بل تمتد إلى ضعف تطبيق القوانين على جميع المتعاملين، موضحًا أن الدولة طبقت منظومة الفاتورة الإلكترونية والإيصال الإلكتروني بصرامة على الشركات الكبرى منذ 2020، بينما لا تزال قطاعات واسعة من السوق خارج المنظومة دون رقابة مماثلة.
يتفق أيمن بازرعة مع هذا الطرح، إذ يرى أن أحد أكبر التحديات التي تواجه الشركات الناشئة يتمثل في الإطار القانوني المنظم للاستثمار الجريئ، لافتًا إلى أن العديد من المستثمرين يشترطون تأسيس الشركات في بلدان أجنبية قبل ضخ التمويل، بسبب مخاوف مرتبطة ببطء إجراءات التقاضي وعدم وجود تنظيم قانوني واضح لبعض أدوات الاستثمار الحديثة وآليات التخارج.
ويشير إلى أن عدم تفعيل بعض التشريعات الداعمة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة يحرم الشركات المحلية من فرص نمو مهمة، موضحًا أن القانون ينص على تخصيص ما لا يقل عن 40% من المشتريات الحكومية لصالح هذه المشروعات، إلا أن التطبيق لا يزال متفاوتًا بين الجهات المختلفة.
أما علاء إدريس فينظر من زاوية أخرى، إذ يقول إن الإطار القانوني المصري لا يمثل سببًا رئيسًا لخروج الشركات إلى الخارج، لكن التحديات تتعلق بمعالجة المصروفات المرتبطة بالخدمات الرقمية الأجنبية، موضحًا أن شركات مصرية كثيرة تعتمد على خدمات ومنصات عالمية مثل Facebook Business وAmazon Web Services، إلا أن بعض هذه التكاليف لا تُحتسب ضريبيًا بشكل يسمح بخصمها ضمن المصروفات التشغيلية.
ويذكر أن مصر تظل بيئة مناسبة لجذب الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا، مشيرًا إلى انخفاض تكلفة التشغيل مقارنة بالعديد من الأسواق المنافسة، سواء من حيث العمالة أو المرافق أو تكاليف المعيشة، فضلًا عن توافر قاعدة كبيرة من الكفاءات البشرية، مضيفًا: "لدينا سوق واسع ومفتوح، وعدد كبير من المبرمجين والكوادر الفنية، ما يجعل مصر نقطة انطلاق مناسبة للشركات الراغبة في النمو وجذب الاستثمارات".
مشكلات لـ الشركات الناشئة تطل برأسها
يذكر محمد زغلول أن أكثر من 50% من السوق المصرية لا تزال تعمل ضمن الاقتصاد غير الرسمي، ما يخلق فجوة كبيرة في المنافسة بين الشركات الملتزمة وغير الملتزمة، مصرحًا: "في السوق شركات تتحمل ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة وضريبة الأرباح والتأمينات وغيرها من الالتزامات، بينما شركات أخرى تمارس النشاط نفسه دون أن تتحمل أيًا من هذه الأعباء".
ويضيف أن هذه الأوضاع تمنح الشركات غير الرسمية ميزة سعرية كبيرة، موضحًا أن الشركة الملتزمة قد تضطر لبيع المنتج بسعر مضاعف تقريبًا مقارنة بمنافس يعمل خارج المنظومة الضريبية.
كما ينتقد ما وصفه بازدواجية بعض الأعباء الضريبية، موضحًا أن الشركات تسدد ضريبة أرباح تجارية بنسبة 22.5%، ثم تُفرض ضريبة أخرى على توزيعات الأرباح بنسبة 10%، معتبرًا أن تعدد الأعباء والقرارات غير المنسقة يضعف تنافسية الشركات الملتزمة مقارنة بالشركات العاملة خارج المنظومة الرسمية.
أما علاء إدريس فيرى أن الشركات التكنولوجية المصرية لا تعاني غياب الفرص بقدر ما تتأثر بالظروف الاقتصادية العامة، موضحًا أن نشاط الشركات يرتبط مباشرة بحجم الاستثمارات واستقرار الاقتصاد المحلي والعالمي.
ويضيف أن الدعم الحكومي الموجه للشركات الصغيرة والناشئة قد تراجع مقارنة بما كان عليه قبل 2011، مشيرًا إلى أن الدولة كانت توفر في السابق برامج دعم للمشاركة في المعارض المحلية والدولية، فضلًا عن تشجيع المصانع على شراء البرمجيات المصرية.
ويذكر إدريس أن شركته استفادت سابقًا من برامج دعم حكومية للمشاركة في المعارض الخارجية، لافتًا إلى أن مشاركته في معرض "جيتكس" بدبي في 2016 كلّفته نحو 25 ألف جنيه فقط، بينما تكفلت الجهات الحكومية آنذاك بمصاريف السفر والتنظيم، وهو ما ساعد الشركة على التوسع وإبرام تعاقدات جديدة.
الأسواق الخارجية.. بديل لـ الشركات الناشئة أم مكمل؟
في مقارنة مع الأسواق الخليجية، يقول زغلول إن الميزة الأساسية هناك لا تتمثل في انخفاض تكلفة الاستثمار، بل في عدالة المنافسة واستقرار القواعد المنظمة للسوق، بينما يضيف أن تأسيس شركة في مصر قد يتم برأسمال يقل عن مليون جنيه، بينما يصعب تأسيس شركة مماثلة في السعودية أو الإمارات بأقل من 5 ملايين جنيه، إلا أن ارتفاع العائد على الاستثمار وقوة القدرة الشرائية في تلك الأسواق يعوضان هذه التكلفة.
ويوضح أن الفجوة الكبيرة في الرواتب أصبحت من أبرز التحديات أمام الشركات المصرية، مشيرًا إلى أن الموظف الذي تعرض عليه شركة مصرية راتبًا قدره 25 ألف جنيه، قد يتلقى عرضًا من شركة خليجية بقيمة 10 آلاف ريال شهريًا، بما يعادل نحو 140 ألف جنيه، وهو ما يصعّب الاحتفاظ بالكفاءات المحلية.
ويضيف أن بعض الشركات أصبحت تفضّل تأسيس كياناتها القانونية خارج مصر للاستفادة من المزايا الضريبية، موضحًا أن ضريبة القيمة المضافة في مصر تبلغ 14%، بينما تقدم بعض الأسواق الخليجية أعباءً ضريبية أقل وحوافز أكبر للمستثمرين، مطالبًا بتحسين بيئة الأعمال عبر إستراتيجية طويلة الأجل لا تتأثر بتغيير الوزراء أو القيادات التنفيذية.
بينما يذكر علاء إدريس أن السوق المصرية ما تزال من أفضل الأسواق الإقليمية في حجم الطلب وعدد العملاء، موضحًا أن شركته نجحت خلال العام الحالي في التعاقد مع 5 مصانع جديدة داخل مصر، وهو ما يعكس قوة السوق المحلية مقارنة بعدد من الأسواق الإقليمية.
ويشير إلى أن قطاع البرمجيات المصري يفتقر إلى إستراتيجية واضحة لتسويق المنتجات المحلية عالميًا، موضحًا أن شركته تطور أنظمة إدارة موارد المؤسسات (ERP)، في حين تنافس منتجات عالمية مثل Oracle وSAP وMicrosoft، حيث تُباع بعض الحلول الأجنبية بنحو مليون دولار، بينما تُباع المنتجات المصرية المماثلة بنحو 100 ألف جنيه فقط، رغم أن نسبة المكوّن المحلي فيها تصل إلى 100%.
ويذكر أن التجربة الهندية تمثل نموذجًا ناجحًا في دعم صناعة البرمجيات، موضحًا أن الحكومة الهندية تشارك شركات التكنولوجيا بشكل منظم في المعارض الدولية وتوفر لها مظلة ترويجية موحدة، وهو عزّز الحضور العالمي للشركات الهندية.
أما أيمن بازرعة فيقول إن ما بين 70% و80% من الشركات الناشئة المصرية التي وصلت إلى مراحل نمو متقدمة تمتلك كيانات أو فروعًا خارج البلاد، فيما ترتفع النسبة إلى نحو 90% بين الشركات التي حصلت على جولات استثمارية، مشيرًا إلى أن ذلك يرتبط غالبًا باشتراطات المستثمرين أكثر من ارتباطه برغبة الشركات في نقل أعمالها خارج مصر.
ويضيف أن العديد من الجهات الحكومية تفضل التعاقد مع شركات أجنبية رغم وجود بدائل محلية قادرة على تقديم خدمات ومنتجات مماثلة وربما بجودة أعلى، معتبرًا أن دعم المنتج المحلي يمثل أحد أهم الأدوات لتعزيز نمو قطاع التكنولوجيا وريادة الأعمال في مصر.
ويذكر أن جاذبية الأسواق الخارجية تختلف حسب طبيعة النشاط، مشيرًا إلى أن الإمارات توفر مزايا مرتبطة بسهولة الأعمال والضرائب، بينما تتميز السوق السعودية بارتفاع القدرة الشرائية وحجم الإنفاق، في حين بدأت أسواق أخرى مثل العراق والأردن والمغرب وليبيا وسوريا تبرز كوجهات واعدة لبعض القطاعات التكنولوجية والخدمية.
ويوضح أن وجود الشركة داخل الدولة التي ينتمي إليها المستثمر يعزّز الثقة ويسهّل التواصل وإتمام الصفقات، لافتًا إلى أن بعض صناديق الاستثمار تضع ضمن سياساتها الداخلية الاستثمار فقط في شركات مسجلة داخل أسواق أو نطاقات جغرافية محددة، وهو ما يدفع بعض الشركات المصرية إلى تأسيس كيانات خارجية للحصول على التمويل اللازم للنمو والتوسع.