محرم شرعًا.. المفتي يحذر من استخدام الـAI في تجسيد الذات الإلهية
كتب : محمد قادوس
الدكتور نظير عياد
حذر الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، من استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعيAI" "في تصميم صورٍ أو توليد نماذج وتقنيات تُجسِّدُ الذاتَ الإلهيَّةَ -يُعدُّ تشبيهًا وتمثيلًا محرَّمًا شرعًا.
وفي بيان الرأي الشرعي في تلك المسألة، أكد فضيلة المفتي أنه يحرم الإقدام عليه بأي حال من الأحوال؛ صيانةً لحرمةِ العقيدةِ، وحفظًا لجلالِ المعبودِ عزَّ وجلَّ، وتجنُّبًا للاستخفافِ وتنقيصِ مقامه الأعلى، ومنعًا للتعدي على الغيبِ الذي استأثرَ سبحانهُ وتعالى بعلمهِ، والخوضِ فيما لا يليق بجلاله.
وأضاف عياد، في بيان فتواه عبر بوابة الدار الرسمية: أن الأصل الثابت المقرَّر في عقيدة المسلمين أنَّ الذاتَ الإلهيةَ مقدسةٌ مُنزَّهةٌ عن التمثيل والتصوير والتجسيد؛ لأنَّه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، كما أخبر اللهُ بذلك في كتابه العزيز بقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، أي: هل تعرف له نظيرًا أو شبيهًا أو مَن يُشاركه في اسمه وصفاته، كما في "الجامع لأحكام القرآن" للإمام القُرْطُبي (11/ 130، ط. دار الكتب المصرية).
وأكد المفتي، إنَّ توليد الصور بالذكاء الاصطناعي للذات الإلهية فعلٌ محرمٌ شرعًا؛ لما يترتب عليه من محاذير شرعيةٍ وعقديةٍ جسيمة، من أبرزها ما يلي:
أولًا: المساس بجلال الله تعالى وتنزيهه؛ إذ إنَّ تمثيل الذات الإلهية بأي صورةٍ أو هيئةٍ يناقض ما تقرر من نفي التجسيد والمماثلة عن الله سبحانه وتعالى.
قال إمام الحرمين الجُوَيْنِي في "الشامل في أصول الدين" (ص: 287، ط. منشأة المعارف): [اعلموا أرشدكم الله أن مِن أعظم أركان الدِّين نفيَ التشبيه] اهـ.
ومثل هذا التمثيل للذات الإلهية العَلِيَّة يُعدُّ تعديًا صريحًا على مقتضيات التوحيد، ومساسًا بجناب الألوهية، فضلًا عما فيه من إساءة الأدب مع الله تعالى، واستخفافٍ بجلاله وعظمته، مما يُخِلُّ بما يجب له من التعظيم والإجلال والتقديس.
وقد أكَّد أئمة الهدى من التابعين والفقهاء هذا الأصل العقدي؛ بيانًا لوجوب التنزيه المطلق لله تعالى عن مشابهة خلقه أو تمثيله في صورةٍ من الصورِ.
قال الإمام البَيْهَقِي في "الأسماء والصفات" (2/ 60، ط. مكتبة السوادي): [لا يجوز أن يكون الباري تعالى مصوَّرًا، ولا أن يكون له صورةٌ؛ لأن الصورة مختلفةٌ، والهيئات متضادةٌ، ولا يجوز اتصافه بجميعها لتضَادِّها، ولا يجوز اختصاصه ببعضها إلا بمُخَصِّصٍ، لجواز جميعها على من جاز عليه بعضها، فإذا اختصَّ ببعضها اقتضى مخصِّصًا خصصهُ به، وذلك يوجب أن يكون مخلوقًا وهو محالٌ، فاستحال أن يكون مصوَّرًا، وهو الخالق البارئ المصوِّر] اهـ.
ثانيًا: النهي عن التفكر في ذات الله تعالى: لما في ذلك من تجاوزٍ لحدود العقول ومزلةٍ في التصور، إذ إن العقل البشري قاصرٌ عن الإحاطة بذات الله المنزهة عن الكيفية والصورة.
يدل على ذلك: ما ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللهِ، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي اللهِ» أخرجه الأئمة: الطَّبَرَانِي في "الأوسط"، والأصبهاني في "العظمة"، والبَيْهَقِي في "الشُّعَب".
وعن عبد الله بن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وَآله وسلم ونحن في المسجد حِلَقٌ حِلَقٌ، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «فِيمَ أَنْتُمْ؟» قلنا: نتفكر في الشَّمس كيف طَلَعَت؟ وكيف غَرَبَت؟ قال: «أَحْسَنْتُمْ، كُونُوا هَكَذَا، تَفَكَّرُوا فِي الْمَخْلُوقِ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ» أخرجه الإمام الأصبهاني في "العظمة".
والحديثان وإن كان في سنديهما ضعف، إلا أن اجتماعهما يُكسبهما قوة، ومعناهما صحيح، ولهما شواهدُ تعضدهما، كما قرره الإمامان: الحافظ السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: 261، ط. دار الكتاب العربي)، والحافظُ العَجلُوني في "كشف الخفاء" (1/ 358، ط. المكتبة العصرية).
ومن ثمَّ فإن محاولة توليد صورةٍ تُجسِّد ذات الله تعالى بالذكاء الاصطناعي تُعَدُّ مندرجةً في هذا النهي الصريح، بل أشدَّ خطرًا؛ لأنها تُحوِّل الوهم الباطل الطارئ في الذهن والتصور الخاطئ إلى صورةٍ محسوسةٍ تُرى وتُتداول بين الناس.
ثالثًا: ادعاء علم الغيب فيما لا يحيط به البشر علمًا: إذ إنَّ تصويرَ الذات الإلهية خوضٌ في عالمٍ غيبي لم يُؤذَن للإنسانِ بالإحاطةِ به، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: 65]، وقال جلَّ شأنه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 59]، و"الغيب: ما غاب عن علم الناس، وأصله مصدر غاب فسمي به الشيء الذي لا يشاهد"، كما أفاد العلامة الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (13/ 60، ط. الدار التونسية).
إضافة إلى ذلك، فإن توليد هذه الصور قد يفضي إلى تصوراتٍ خاطئة واعتقادات فاسدة عن ذات الله عز وجل في أذهان الناس، لا أساس لها من الصحة، ومبنيَّة على الوهم والخيال، خصوصًا لدى الأجيال الناشئة التي قد تتلقَّى تلك الصور على أنها حقيقية أو مقبولة شرعًا، ومن المقرر في الشريعة المطهرة منع الوسائل المفضية إلى المحرمات والمنكرات ابتداءً، وهو ما عبَّر عنه الفقهاء بقولهم: "ما أفضى إلى الحرام حرام"، كما في "فتح القدير" للإمام كمال الدين بن الهُمَام (9/ 239، ط. دار الفكر)، وبلفظ آخر: "ما أدى إلى الحرام فهو حرام"، كما في "قواعد الأحكام" للإمام عِز الدِّين بن عبد السلام (2/ 218)، و"درء المفاسد أَوْلَى من جلب المصالح"، كما في "الأشباه والنظائر" للإمام السيوطي (ص: 87).
وقال عياد، إن الواجب على المسلم أن ينزِّه فكره عن التوهم والتفكر في ذات الله سبحانه وتعالى بما يقتضي الهيئة أو الصورة، وألَّا يلجأ في ذلك إلى أي وسيلة من الوسائل، بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي، فإن ذلك خطر عظيم يُفضي إلى التشبيه والتجسيم بالذات العليَّة، والأحرى به أن يتفكر فيما دلَّ على قدرة الله تعالى وعظمته من آياته الكونية وأفعاله الباهرة، ليزداد بذلك إيمانًا وخشوعًا، لا أن يتفكر في ذاته جلَّ وعَلَا أو يسعى إلى إنشاء وتوليد صور لها.
اقرأ ايضًا:
ما حكم وضع حجر أو تراب تحت رأس الميت عند الدفن؟.. الإفتاء توضح
هل يأثم من يسمع الأذان ولا يستطيع ترك المحاضرة أو العمل للصلاة؟.. أمين الفتوى يجيب
هل تصح الجماعة خلف المأموم الذي يستكمل صلاته؟.. أمين الفتوى يجيب