إعلان

ملتقى أزهري يحذر من التسول: ظاهرة محرمة شرعًا وتؤدي إلى الكسل وفساد المجتمع

كتب : علي شبل

08:28 م 07/03/2026

الجامع الأزهر يناقش خطورة ظاهرة التسول وآثارها على

تابعنا على

واصل الجامع الأزهر عقد ملتقاه الفقهي «باب الريان» تحت عنوان «ظاهرة التسول وأثرها السيئ على المجتمعات»، حيث استضاف الملتقى الأستاذ الدكتور عبد العظيم خير الله، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر وعضو اللجنة الرئيسة للفتوى بالأزهر الشريف، والشيخ زكريا جمال متولي، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، فيما أدار الحوار الشيخ أحمد محمد عبد العزيز، الباحث اللغوي بالجامع الأزهر، وذلك بحضور جمع من رواد الجامع الأزهر وطلاب العلم.
في بداية الملتقى أكد الأستاذ الدكتور عبد العظيم خير الله، أن التسول يُعد من الظواهر الخطيرة التي حذّر منها الإسلام، واصفًا إياه بأنه سلوك قبيح يقوم على سؤال الناس في الطرقات العامة والتحايل للحصول على أموالهم بحجة الحاجة والعوز، في حين أن كثيرًا من هذه الحالات لا تكون حقيقية، بل يتحول التسول لدى البعض إلى حرفة ومصدر للكسب بطرق غير مشروعة.

وأوضح أن الإسلام نهى عن هذه الظاهرة لما يترتب عليها من آثار سلبية، منها نشر الكسل وترك العمل والاعتماد على أموال الآخرين، إضافة إلى ما تورثه من الطمع والجشع، مؤكدًا أن العلماء أجمعوا على حرمة التسول بغير ضرورة، وأن ما يتحصل عليه المتسول من أموال بهذه الطريقة يعد مالًا محرمًا، مشيرا إلى ما ذكره الإمام أبو حامد الغزالي من أن أصل المسألة في التسول محرم، ولا يباح إلا في حال الضرورة القصوى، مبينًا أن حرمة التسول تتأكد لعدة أسباب، منها أن المتسول قد يلجأ إلى التحايل وتغيير حقيقة حاله، وكأنه يشكو الله إلى الناس، كما أن في ذلك إذلالًا للنفس، وهو ما لا يليق بالمسلم الذي ينبغي أن يحفظ كرامته، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله».

وأضاف أن التسول قد يؤدي كذلك إلى إيذاء الناس، إذ قد يضطر بعضهم إلى إعطاء المال حياءً أو دفعًا للإحراج، وقد يكون العطاء في هذه الحال بغير طيب نفس، وهو ما يخرجه عن مقصده الصحيح، مبينا أن هناك فرقًا واضحًا بين التسول وبين السؤال المشروع لمن له حق في الزكاة والصدقات، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، موضحًا أن المقصود بالسائل هنا هو المحتاج الحقيقي الذي له حق في أموال الزكاة والصدقات، كما حددت الآية الكريمة مصارفها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. مشددا على ضرورة توجيه الزكاة والصدقات إلى مستحقيها المعروفين، وعدم إعطائها لمن يتخذ التسول وسيلة للتحايل على الناس، داعيًا إلى العمل والاجتهاد والبعد عن الكسل، لأن انتشار المال الحرام الناتج عن التسول يضر بالمجتمع ويضعف روح العمل والإنتاج.

ومن جانبه، أكد الشيخ زكريا جمال متولي أن ظاهرة التسول لا تضر بالمجتمع فحسب، بل تنعكس آثارها السلبية على المتسول نفسه، إذ يفقد كرامته ويذل نفسه أمام الناس، كما قد يتعرض للاستغلال، خاصة إذا كان المتسول امرأة أو طفلًا، حيث قد تستغله بعض النفوس الضعيفة في أعمال لا يقرها الشرع.

وأشار إلى أن التسول قد يكون سببًا في التسرب من التعليم، إذ يجد بعض الأطفال في مدّ اليد للناس وسيلة سهلة للكسب، فيتركون التعليم ويتجهون إلى هذا الطريق، كما أنه يحرم الفقراء الحقيقيين من وصول الصدقات والزكاة إليهم، وقد يدفع بعض المتسولين إلى الحقد على المجتمع إذا قوبلوا بالقسوة أو الإهانة، موضحا أن العلماء حرموا السؤال بغير حاجة، كما ذكر الإمام النووي رحمه الله، مبينًا أن الإسلام عالج هذه الظاهرة على مستويين، أولهما توجيه المتسول نفسه إلى حفظ كرامته وعدم سؤال الناس إلا عند الضرورة، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «"اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول" أما المستوى الثاني فهو توجيه من يعطي الصدقة، حيث دعا الإسلام إلى نصح السائل برفق دون نهر أو غلظة، مع توجيهه إلى طلب الرزق الحلال، كما حث على تحري مستحقي الصدقات والبحث عن الفقراء الحقيقيين في محيط الإنسان وأقاربه، وأكد في ختام حديثه أن المجتمع ومؤسساته مطالبون بالبحث عن المحتاجين الحقيقيين ورعايتهم، والعمل على الحد من ظاهرة التسول، حتى يبقى المجتمع متماسكًا قائمًا على التكافل الصحيح بعيدًا عن هذه الظواهر السلبية.

وفي ختام الملتقى، استمع الضيفان إلى أسئلة الحضور حول عدد من القضايا المتعلقة بالأمور الفقهية الدينية والدنيوية، وأجابا عنها في ضوء المنهج الأزهري الوسطي، بما يعكس رسالة الأزهر الشريف العلمية والدعوية، ودوره الديني والتوعوي في خدمة المجتمع.

ويأتي ملتقى «باب الريان» في إطار ترسيخ الدور الدعوي والتوعوي الذي يضطلع به الجامع الأزهر خلال شهر رمضان المبارك، حيث يحرص على تنظيم منظومة متكاملة من الدروس العلمية والملتقيات الفكرية والبرامج التربوية التي تستهدف تعميق الوعي بحقائق العبادات ومقاصدها، انطلاقًا من دوره التاريخي في نشر صحيح الدين، وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال، وخدمة المجتمع.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان