في الدرب الأحمر.. كيف تحوّلت منابر مصر القديمة إلى خاتم وثوب جلدي؟

03:22 م الإثنين 04 مارس 2019

كتبت-رنا الجميعي:
تصوير- محمود بكار:

"كأن واحد من أحلامي اتحقق أدام عيني".. بوسع ابتسامة كبيرة علّق عبد البديع عبد الرحمن واحدًا من زوار معرض "جديد عبر القديم"، خلال افتتاحه يوم السبت الماضي، حين رأى عبد الرحمن الأعمال المعروضة وجد أن حُلمًا من أحلامه قد تحقق عبر جيل الشباب.

داخل بيت الرزاز، بالدرب الأحمر، أقامت المؤسسة المصرية لإنقاذ التراث معرضًا ضمن مشروع تعمل عليه لإنقاذ المنابر المملوكية في مصر، تقول هنا المصري، مُنسقة المعرض، إن الحدث الفني يعتبر نتيجة أولية للمشروع في مرحلته الأولى، التي بدأت منذ عام ونصف.

1

"لاحظنا إن كتير من منابر القاهرة بتتسرق، سواء للعرض برة مصر أو لحساب شخص بيحطها في بيته"، تشرح هنا الدافع وراء بدء المشروع، فلإنقاذ المنابر يجب أن يتم توثيقها أولًا "عشان نقدر نطالب بالحفاظ عليها"، لذا قامت المؤسسة بالمشروع بدءًا من مرحلة التوثيق المعماري والفوتوغرافي "وعشان الناس تشوف وتحس بالمجهود ده قررنا نعمل المعرض".

2

خاتم، صندوق شاي، لحاف سرير، ثوب جلدي، مقبض باب وقطع أخرى، هي بعض الأعمال التي يتم عرضها بالحدث الفني المُستمر حتى الخميس القادم، كيف إذن لتلك القطع المعروضة أن يكون لها علاقة بإنقاذ المنابر المملوكية؟ تُفسّر هنا قائلة "قررنا نِشرك فنانين من خلفيات مُختلفة يختاروا تصميمات من المنابر ويحولوها لأشكال فنية".

3

14 فنانا مصريا ما بين المهندس والنجار، صانع الخيامية، مصممة الملابس والفنان التشكيلي وآخرون، كل هؤلاء قاموا بجولات لـ20 مسجد مملوكي، لاختيار المنبر المُلهم بالنسبة لهم، داخل المعرض كانت الأم تشرح لأطفالها القطع الفنية، التي جاءت برفقة زوجها، معتز البديوي، المشارك بالمعرض وأولادها "بحب أخليهم يجربوا ويروحوا أماكن جديدة"، ولأن الحدث يخصهم بشكل شخصي "كانوا حابين ده جدًا، وجايين وهما شايلين شغل باباهم".

بلاط عليه تصميم شكل هندسي خاص بمسجد الغمري، الموجود بمنطقة باب الشعرية، كانت تلك هي مُشاركة البديوي، يعمل المصمم كمهندس إنتاج في شركة تصنيع يقوم بعمل البلاط الإسمنتي "دي كانت أول مرة أستوحي تصميم من حاجة عارفينها أصلًا وموجودة في الواقع".

4

قامت المؤسسة بتوثيق المنابر العشرين كمرحلة أولى، وأصبح لديها قاعدة بيانات كبيرة خاصة بالقياسات الأساسية لكل منبر، وفي أكتوبر الماضي بدأ الفنانون جولاتهم الميدانية، كانت التجربة مُختلفة بالنسبة لهم، تذكر هنا أن البعض كان لديهم خلفية عن المساجد، ولكن المُذهل أن آخرون من سكان مصر القديمة "كأنهم كانوا بيشوفوا المساجد دي لأول مرة".

كان ذلك هو حال عاطف كامل، يعمل الشاب في مجال الخيامية منذ 30 عامًا، ورث الحرفة أبًا عن جد، "كنت دخلت الجوامع دي قبل كدا لكن مكنتش بيلفت نظري حاجة قبل كده"، تلك النظرة المُختلفة جعلت كامل يقوم بالالتفات إلى مسجد الجاي اليوسفي، الموجود بمنطقة الدرب الأحمر، اختار تصميم قطعة هندسية من منبره، وقام بتحويلها إلى مفرش سرير ومقاعد "أنا بحب الخيامية ولما بصدّق حد يديني فكرة جديدة أشتغل عليها، والتصميم ده جديد متعملش قبل كده".

5

نفس التجربة مرّت بها مايا جويلي، صحيح أنها زارت مساجد مصر القديمة خلال دراستها الجامعية للفن التشكيلي، لكن السنوات تُصقل تجربة الفرد، وهو ما شعرت به، تعمل مايا كمصممة ملابس منذ 10 سنوات، لكنها كانت المرة الأولى التي تُركز فيها على التصميمات الإسلامية.

6

اتجه قلب مايا نحو منبر مسجد المارداني، الموجود بمنطقة الدرب الأحمر، تُشير المصممة نحو صورة معروضة للمنبر "الحشو تقريبًا كان كله مسروق"، شعرت مايا بحُزن تجاه الأمر "حبيت أعبر عن الفكرة دي باللبس"، لطالما كان وراء تصميمات مايا قصة ما كما تذكر، لذا قررت تصميم رداء مُفرّغ يُعبر عن السرقة "واختارت الجلد لأنه أحسن خامة بتعبر عن الفكرة دي"، حاز ثوب الجلد المُفرّغ على اعجاب كثيرين تحلّقوا حول الرداء.

7

صندوق شاي هذا ما قامت به نسرين شرارة، أحبّت المصممة أن تقوم بصناعة قطعة عملية "ممكن حد يحطها في بيته ويستخدمها"، فلمّا وقعت عيناها على منبر مسجد القاضي أبو بكر بن يوسف المُزهر، الموجود في حارة برجوان، علمت حينها أن قرارها قد تمّ "قلبي دلّني إنه هو دا التصميم"، حيث يحتوي على عدد من المُنحنيات أشبه ما يكون بزهرة "كنت حاسة اسم المسجد على مسمى فعلًا وإنه مُزهر فعلًا".

8

قامت نسرين بتحويل التصميم إلى صندوق شاي مُختلف الشكل "لأن كل اللي موجود من صناديق الشاي مبيكونش عليها أي شكل خالص"، وضعت نسرين بالفعل بداخله أكياس الشاي، وقامت بحماس بشرح المواد المُستخدمة في صناعة الصندوق المعمول من خشب الماهوجني.

9

داخل بيت الرزاز ظلّ عبد الرحمن يسير برفقة زوجته لنحو أكثر من ساعة، رغم ما يظهر عليهما من كِبر السن، إلا أن على وجهيهما بدت أمارات السعادة في كل مرة رأيا فيها قطعة فنية جديدة، أعجبت الفكرة عبد الرحمن كثيرًا، رُبما لأنه هو نفسه فنان قام بتوثيق آثار النوبة في الستينيات من القرن الماضي، "زمان كنا بننادي بحفظ تراثنا المصري، ولما ألاقي دلوقت الشباب بيقوموا بده لازم أبقى فرحان".

إعلان

إعلان

إعلان