• كيف يرى السوريون في مصر العودة إلى بلادهم؟

    01:47 م الأحد 06 يناير 2019

    كتب- أحمد شعبان:

    خمسة أعوام مرّت على مجيء السوري إبراهيم فهد إلى مصر. ضاقت به سُبل العَيش في وطنه، جراء الصراع الدموي الدائر فيها، فحمل أهله وما تيسر له من متاع وما تبقّى لديه من ذكريات، تاركًا خلفه وطنه، وسلسلة مطاعم، كانت مصدر رزقه. جاء إلى مصر، وبدأ رحلة جديدة، أقام فيها مشروعًا ساعده على الاستقرار بها، وتخلّى عن فكرة العودة إلى سوريا "وصلت إلى مرحلة من الاستقرار المادي والمعنوي والأسري يصعب معها مغادرة مصر".

    من دمشق خرج إبراهيم وعائلته، كانت أمامه خيارات عدّة للذهاب إلى لبنان أو الأردن، فضّل القدوم إلى مصر، اتّخذها وطنًا ثانيًا، وجد فيها اختلافًا عن البلدان الأخرى، أقام مطعمًا للمأكولات السورية في حي المهندسين بالجيزة "أهل مصر لم يسمونا لاجئين وإنما اعتبرونا ضيوفا ومن أهل البلد"، وبينما يسترجع بفخر ذكرياته في سوريا، وطنه الأم، تاريخها، عراقتها، يعود ويؤكد أن "الإنسان في الآخر بيعيش في المكان اللي فيه استقرار وأمان قبل أي شيء آخر".

    في ظل غياب أي حلّ قريب للصراع الدائر في سوريا الذي دخل عامه الثامن؛ تواترت بين الحين والآخر أخبار عن عودة الاستقرار إلى مناطق عدة في سوريا بعد سيطرة النظام عليها، والحديث عن إعادة إعمار سوريا، كذا عودة بعض السوريين من لبنان ودول أجنبية أخرى إلى سوريا، بحسب المركز الروسي لاستقبال وتوزيع وإيواء اللاجئين السوريين، ودعوة الخارجية السورية اللاجئين السوريين للعودة إلى بلادهم قبل شهور.

    ومؤخرًا قالت الأمم المتحدّة، في 11 ديسمبر الماضي، إن ربع مليون لاجئ سوري سيكون بإمكانهم العودة إلى ديارهم العام المقبل رغم العوائق الهائلة التي تواجه العائدين، ودعت إلى دعم الملايين الذين لا يزالون في الدول المجاورة لسوريا.

    فيما صرّح أمين عوض، مدير إدارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المقر الرئيسي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأنه من المتوقّع أن يعود حوالي 250 ألف سوري إلى بلادهم في 2019. وذكرت المفوضية في وقت سابق، أن 117 ألف لاجئ عادوا إلى سوريا منذ 2015، من بينهم 37 ألفًا عادوا هذا العام من أصل قرابة 6 مليون لاجئ خارج سوريا.

    في رأي إبراهيم فإن الحديث عن عودة الاستقرار وإعمار سوريا "إشاعات"، وحتى إن كانت هناك نيّة لذلك فهي تظل حبيسة لسياسات وتوافقات معينة "احنا كشعب بعيدين عنها"، وحسب الأخبار التي ترده من أقاربه في سوريا، لا ينصحونه بالعودة حاليًا، وفق قوله فإنه لم يتغيّر شيء على أرض الواقع سوى قليل من الاستقرار "لا يسمح إنك ترجع وتفتح مشروعك هناك مرة تانية".

    خلال سنوات إقامته بمدينة السادس من أكتوبر؛ أحبّ أنس حمزة، 24 عامًا، العيش في مصر "الشعب هنا كتير حلو"، لكنّ وجع الغُربة لا يفارقه، ينتظر أي فرصة للعودة إلى بلده، الغوطة الشرقية، التي شهدت معارك ضارية بين قوات النظام والفصائل المسلّحة "عندي أموت بقذيفة أو برصاصة في بلدي أحسن من الغربة".

    كان العام 2012 حين خرج الشاب من دمشق، كان موعد تجنيده لأداء الخدمة العسكرية "لقيت نفسي هكون مخيّر أقتل الطرف ده أو الطرف التاني، وأنا مش عايز كده فطلعت من سوريا"، توجه إلى بيروت ومنها إلى مصر وعمل بمجال المطاعم والمأكولات، ينتظر أن يكمل مبلغ 8 آلاف دولار يسدده حتى يسقط عنه التجنيد الإلزامي، ويستطيع العودة إلى سوريا.

    رغم أن والده فارق الحياة جراء الحرب، وتفرّقت به وإخوته السبل في الشتات، إلا أنه يتمنى العودة إلى سوريا، حتى يكمل دراسته ويبدأ حياته من جديد في بلده، "المناطق التي سيطرت عليها الحكومة أصبح بها خدمة وفي فرص شغل كتير، والعيشة في سوريا أحسن كتير من مصر، ومستقبلي لازم أسسه في بلدي".

    منذ 7 أعوام ومصر تحتضن حوالي نصف مليون سوري، أصبحوا يمثلون إحدى أكبر الجاليات بها، حسب تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وهو الرقم المعلن أيضًا من جانب الحكومة المصرية، حسب تقديرات محمد ثروت سليم القائم بأعمال السفارة المصرية في سوريا، والسفير طارق القونى، مساعد وزير الخارجية للشئون العربية سابقًا.

    ويقيم السوريون في مصر في محافظات عدّة منها: القاهرة والإسكندرية والجيزة وبعض محافظات الدلتا. وتحظى مدينة 6 أكتوبر بكثافة سكانية كبيرة من السوريين.

     

    بعد أنس بعام، أتى إياد محمد إلى القاهرة، قادمًا من دمشق، هربًا من التجنيد الإلزامي والمشاركة في الحرب الضارية الدائرة في سوريا، لا يرى صاحب الـ24 عامًا أفقًا للعودة إلى سوريا حاليًا، يقول إن عددا من أصدقائه ذهبوا في زيارة قبل أسابيع وأخبروه بأن الوضع استقرّ من الناحية الأمنية فقط، لكن "مفيش شغل وآثار الحرب ما زالت موجودة"، بينما يفكّر في زيارة وطنه كلما أتاحت له الظروف خلال السنوات المقبلة.

    إياد يعمل في محل مفروشات سوري بحي المهندسين بالجيزة؛ غير أن السنوات التي قضاها بمصر تركت في نفسه أثرًا طيبًا "هي سنين تكويني كشاب من عمر 18 إلى 24 سنة، وحتى لو رحت سوريا لازم هرجع لمصر".

    بخلاف أصحاب المشاريع في مصر؛ فإن بقية السوريين بمصر يفضّلون العودة، حسب رأي "أنس"، بينما يقول "إبراهيم" إن العودة ليست مطروحة بالنسبة له ولعائلته "عندنا في مصر رؤوس أموال ومشاريع وأولادنا دخلوا المدارس". ويضيف أن معظم السوريين العائدين جازفوا بالعودة وتسرّعوا دون إدراك صعوبة الوضع هناك "اللي راح مقدرش يكمّل حتى 10 أيام وبيحاول يرجع على مصر تاني"، فيما يشير إلى أنه قد يفكّر وأهله في زيارة سوريا كل فترة، بعد أن تستقرّ أوضاعها.

    وفق تقرير للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، صدر في مايو 2017، فإن السوري يعتبر هو المستثمر الأول في مصر خلال السنوات الست من 2011 إلى تاريخ صدور التقرير، ونجح السوريون في إنشاء مشروعات تجارية واستثمارات تقدر بـ800 مليون دولار في السوق المصرية.

    التقرير الذي حمل عنوان "توفير فرص العمل يحدث الأثر المنشود"، أشار إلى أن السوريين استطاعوا الدخول إلى الاقتصاد المصري، والمشاركة برأس مال قدر بالملايين خلال السنوات الماضية، رغم أن عددا كبيرا من الصعوبات التي واجهتهم مثل الحصول على تراخيص العمل، وإن كان من المحتمل أن يكون هذا التقدير أقل من الرقم الفعلي، لأن عددًا كبيرًا من المشروعات التجارية السورية لا تكون مسجلة أو تسجل تحت اسم مصري.

    وتدخل الاستثمارات السورية في عدد كبير من القطاعات مثل النسيج والمطاعم والأسواق المحلية، وشركات تكنولوجيا المعلومات، ويعمل بها عدد كبير من المصريين، إضافة إلى أن الشركات السورية توفر التدريب للمصريين، وتضخ العملة الأجنبية، وتعزز الصادرات، بحسب التقرير.

    على عكس "إبراهيم"، يتمنّى محمد سامي، صاحب محل عطور في وسط البلد، أن يعود إلى سوريا، التي خرج منها مُجبرًا عام 2013، لا يعتقد أن الوضع أصبح مستقرًا بما يسمح له بالعودة إلى سوريا، يخشى أن يتم القبض عليه من المطار "حصل كده مع ناس كتير رغم إنهم ليس لهم علاقة بأي طرف"، وفق ما يقول.

    رغم امتلاكه لرأس مال ساعده في إقامة مشروعه بمصر، إلا أن التفكير في العودة يطارد دومًا صاحب الـ29 عامًا "في الآخر هرجع بيتي، وممكن أتابع مشروعي من هناك وآجي مصر من وقت للتاني"، فالفارق كبير، برأي الشاب، بين أن تعيش في مصر مخيّرًا وأن تعيش فيها مُجبرًا.

    إعلان

    إعلان

    إعلان