"طبلة من ريحة زمان".. "عم سنجام" يرفض الاعتزال ويوقظ المنيا بأهازيج السبعينات
كتب : جمال محمد
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
في شوارع المنيا القديمة، تختلط رائحة السحور بنسمات الفجر الأولى، يسير رجل سبعيني بخطى ثابتة وصوت يعرفه الجميع، ويحمل طبلته البلدية و"الخرطوم"، ويُطلق نداءه العالي متحديًا صمت الليل، وكأن الزمن عاد سنوات طويلة إلى الوراء... إنه "عم سنجام"، أقدم مسحراتي في المدينة، وحارس طقوس رمضان كما عرفها الآباء والأجداد.
صوت يوقظ الحنين قبل أن يوقظ النائمين
لا يكتفي "ربيع أحمد" الشهير بعم سنجام بقرع الطبل، بل يغني وينشد بأهازيج رمضان القديمة، وينادي أسماء أهل الحي والأطفال واحدًا واحدًا.
"اصحى يا نايم.. وحد الدايم"، تتردد كلماته بين البيوت، فتفتح النوافذ، وتبتسم الوجوه، ويتجمع الصغار حوله في مشهد يشبه صفحات الزمن الجميل.
صوته لم يعد بالقوة ذاتها، لكن حضوره يكفي، فالناس لا تستيقظ على صوته فقط، بل على ذكريات طفولتهم التي تعود كلما مرّ في الشارع.
حكاية مهنة ورثها عن خاله
قبل خمسين عامًا، كان عم سنجام شابًا في السادسة والعشرين من عمره، يتتلمذ على يد خاله الذي علّمه أصول المهنة وأسرارها؛ كيف يضبط إيقاع الطبلة، وكيف يخاطب الناس بحب، وكيف يجعل من السحور مناسبة فرح لا مجرد عادة.
اليوم، وقد بلغ السادسة والسبعين، لا يزال يحمل الطبل نفسه تقريبًا، محتفظًا بأسلوب "مسحراتي زمان" البسيط، بعيدًا عن مكبرات الصوت والتسجيلات الحديثة.
آخر المسحراتية القدماء..
ففي زمن تغيّرت فيه الملامح، وكادت المهنة أن تختفي، بقي عم سنجام واحدًا من آخر المسحراتية التقليديين في المنيا.
لا يرتدي زيًا استعراضيًا، ولا يعتمد على مؤثرات، فقط جلباب بسيط، طبلة بلدية، وقلب ممتلئ بمحبة الناس، فمحبته بين أبناء المدينة لا تُشترى ولا تُصطنع، فهي تراكم سنوات من الوجود الصادق في ليالي رمضان، وذكريات تشاركها مع أجيال متعاقبة.
رمضان بالنسبة له.. موعد حياة
في لقاء خاص مع موقع مصراوي، يؤكد عم سنجام أنه يعشق هذه المهنة وينتظر شهر رمضان المبارك من العام إلى العام.
يقول بابتسامة واثقة: "الناس بتحبني.. وطول ما أنا عايش هافضل أطلع أصحيهم للسحور،
بالنسبة لي، ليست المسحراتي مجرد مهنة، بل رسالة وارتباط روحي بشهر كريم لا تكتمل أجواؤه إلا بصوت الطبلة في الأزقة.
بين الأمس واليوم.. طبلة تقاوم الغياب..
وفي مدينة المنيا العريقة، ربما تبدلت أنماط الحياة، لكن عم سنجام لا يزال يمشي الشوارع نفسها، محافظًا على طقس بسيط يربط الماضي بالحاضر، فهو ليس مجرد رجل يوقظ النائمين، بل شاهد على نصف قرن من ليالي رمضان، وقطعة حية من ذاكرة المنيا، وفي كل ليلة، حين يعلو صوته في السماء الصافية، يدرك أهل المدينة أن رمضان ما زال بخير… طالما هناك مسحراتي اسمه عم سنجام.