إعلان

بعد تضارب الروايات.. كيف تتأثر خطة ترامب لغزة بإغلاق مركز التنسيق؟

كتب : محمود الطوخي

02:19 ص 04/05/2026

صورة بالذكاء الاصطناعي

تابعنا على

تتصاعد حدة الغموض حول مستقبل خطة ترامب لغزة المعروفة بـ"خطة النقاط الـ20"، في أعقاب تقارير متضاربة كشفت عن توجهات أمريكية لحل مركز التنسيق المدني العسكريالمسؤول عن إدارة المشهد الميداني في القطاع.

وتأتي هذه الخطوة في توقيت حرج يتسم بالتعثر الميداني وتصاعد التوترات الإقليمية، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة واشنطن على الاحتفاظ بـ"خيوط السيطرة" على مسار "المرحلة الثانية" من الاتفاق.

حرب الروايات.. "إصلاح شامل" أم "إغلاق فعلي"؟

كشفت وكالة "رويترز" نقلا عن مسؤولين أمريكيين، عن وجود تضارب حاد في توصيف الخطوة الأمريكية تجاه مركز التنسيق؛ فبينما تصفها الرواية الرسمية لواشنطن بأنها مجرد "عملية إصلاح شاملة"، أكد 7 دبلوماسيين مطلعين أن هذه الخطوة تعني "فعليا إغلاق المركز" بمجرد تولي قوة بديلة للمسؤولية.

وأوضحت أن المركز واجه انتقادات لاذعة بدعوى فشله في مراقبة وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، وتعثره في تعزيز تدفق المساعدات للفلسطينيين المحاصرين، مما دفع إدارة الرئيس دونالد ترامب للتفكير جديا في إنهاء مهمته الحالية.

في المقابل، نفى "مجلس السلام الدولي" في غزة، عبر بيان رسمي على منصة "إكس"، كافة الادعاءات المتعلقة بإغلاق المركز، واصفا إياها بأنها "عارية عن الصحة".

وأكد المجلس في بيانه أن المركز يواصل جهوده اليومية لضمان تدفق المساعدات بمستويات غير مسبوقة، مشيرا إلى وصول المساعدات الغذائية إلى ثلاثة أضعاف عدد المستفيدين السابقين، مع تراجع معدلات نهب الشاحنات من 90% إلى أقل من 1%.

وشدد المجلس على أن المركز يمثل "ركيزة أساسية وحاسمة" لاستقرار الأوضاع المعيشية والأمنية، نافيا وجود أي نية لتقليص دوره في المرحلة الراهنة، غير أن هذا التضارب يثير تساؤلات ومخاوف جدية حول مصير خطة ترامب لغزة حال إغلاق مركز التنسيق.

ومن منظور قانوني واستراتيجي، ترى إيرينا تسوكرمان، محامية الأمن القومي الأمريكي أن تفكيك هذا المركز يضرب الجزء الوحيد من خطة ترامب الذي ترجم الالتزامات السياسية إلى أفعال ميدانية ملموسة.

وتوضح تسوكرمان في تصريحات لـ"مصراوي"، أن المركز يضطلع بـ"العمل الصامت" لضمان عدم تصادم التحركات العسكرية مع عمليات الإغاثة، محذرة من أن اختفاءه سيؤدي إلى فقدان الخطة لقدرتها على التماسك تحت الضغط، حيث سيبدأ كل طرف في التحرك وفقا لأولوياته الخاصة بعيدا عن التنسيق المشترك.

هيكل "كريات غات".. كيف تدار غزة من الداخل؟

أُسس مركز التنسيق المدني العسكري بعد 5 أيام فقط من توقيع خطة واشنطن لإنهاء الحرب، ليكون المركز الرئيسي لمتابعة تطبيق خطة ترامب.

ويتخذ المركز المكون من 3 طوابق تخصصت للفرق الأمريكية والإسرائيلية والتنسيق المشترك، مما جعله حلقة الوصل المباشرة والوحيدة بين القيادتين العسكريتين، من مدينة "كريات غات" جنوبي إسرائيل مقرا له.

ومع انطلاقه رسميا، بدأ مركز التنسيق المدني العسكري عمله بنحو 200 جندي أمريكي، إضافة إلى ضباط من المملكة المتحدة والأردن والإمارات.

وأوضح المحلل العسكري الإسرائيلي، أمير بار شالوم في تصريحات لهيئة الإذاعة البيرطانية "بي بي سي"، أن الهدف الجوهري للمركز هو "ممارسة السيطرة" والتحكم في كافة الإشارات والعمليات الميدانية، واصفا إياه بأنه "الطريقة الأمريكية في إدارة الأحداث".

وأشار شالوم، إلى أن تقارير كشفت عن ارتباط المركز بقاعدة أمريكية سرية تُعرف باسم "الموقع 512" في النقب، والمزودة بمنظومات رادار متطورة للإنذار المبكر.

ومن جانبه، يؤكد منذر الحايك، القيادي في حركة فتح، أن هذا التوجه نحو تقليص أو إغلاق المراكز الدولية يؤثر سلبا وبشكلا كاملا على مسار السلام.

ويشير الحايك في تصريحات لـ"مصراوي"، إلى أن إسرائيل تتصرف حاليا كـ"قوة احتلال مطلق" تسيطر على 58% من مساحة القطاع الجغرافية، معتبرا أن غياب الرقابة الدولية المباشرة التي يوفرها المركز يجعل خطة ترامب "غير مطبقة فعليا" على أرض الواقع، في ظل استمرار سياسة التجويع والضغط العسكري الممنهج.

"المرحلة الثانية".. نزع السلاح وإعادة الهيكلة المدنية

تحول الهوية.. من "غرفة عمليات" إلى "مركز دولي"

تناولت "رويترز"، تفاصيل تقنية حول التحول الهيكلي المرتقب، مشيرة إلى أن الخطة تهدف إلى تغيير هوية المركز ليصبح "المركز الدولي لدعم غزة" ودمجه ضمن "قوة الاستقرار الدولية".

وأوضحت أن هذا التحول يتضمن تقليصا حادا في الدور العسكري الأمريكي؛ حيث سيتم خفض عدد القوات الأمريكية من 190 جنديا إلى 40 جنديا فقط، مع السعي لاستبدال العسكريين بموظفين مدنيين من دول أخرى.

وكشفت الوكالة أن البيت الأبيض عين الجنرال جاسبر جيفرز لقيادة هذا الكيان الجديد، في خطوة تهدف إلى "تدويل" الإشراف المدني على القطاع بعيدا عن الانخراط العسكري المباشر.

وفي يناير الماضي، قررت الولايات المتحدة المضي قدما في بدء "المرحلة الثانية" من خطة النقاط الـ20، رغم المعارضة الإسرائيلية الشديدة الناتجة عن عدم إحراز تقدم في نزع سلاح حماس.

ووفقا لخطة ترامب لغزة، تركز هذه المرحلة بشكل أساسي على 3 محاور: نزع السلاح، والحكم التكنوقراطي، وإعادة الإعمار.

وصفت شبكة "سي إن إن"، هذا الانتقال بأنه محاولة سياسية لتعزيز ما يعتبره الرئيس ترامب أكبر إنجاز في سياسته الخارجية خلال ولايته الثانية، مشيرة إلى أن واشنطن تعول بشكل كبير على "قوات الشرطة الفلسطينية المحلية" كعنصر جوهري في تأمين القطاع.

معضلة "نزع السلاح" وفجوة التوقيت الاستراتيجي

ومن جانبها، ترى "نيومي نيومان"، الزميلة المشاركة في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" والرئيسة السابقة لوحدة الأبحاث في "جهاز الأمن العام الإسرائيلي"، أن هناك "فجوة واسعة" بين تفاؤل إدارة ترامب والواقع الميداني المتسم بالدمار.

تؤكد نيومان، أن عدم اليقين بشأن "تفكيك البنية التحتية العسكرية لحركة حماس" يمثل التهديد الأول لاستقرار الخطة؛ حيث تصر إسرائيل على عملية "خاضعة للإشراف والتحقق" لتفكيك الأنفاق ومنشآت إنتاج الأسلحة، وهو ما ترفضه الحركة التي تعتبر سلاحها وسيلة لحماية أعضائها.

وتحذر الباحثة من أن غياب "طرف ثالث موثوق" مثل مركز التنسيق المدني العسكري الذ تتضارب الرويات حول خطط إغلاقه، سيخلق فراغا أمنيا يعيق أي صيغة توافقية لنقل الأسلحة الثقيلة مثل "الصواريخ والطائرات المسيرة".

سياسيا، شُكلت "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" التي تعمل مباشرة تحت قيادة نيكولاي ملادينوف، المنسق الخاص السابق للأمم المتحدة، ، وبرئاسة علي شعث، المسؤول السابق في السلطة الفلسطينية، كبديل مؤقت لتولي الإدارة اليومية للقطاع.

وتخضع اللجنة لإشراف "مجلس السلام" الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيا.

"غزة الجديدة".. الرؤية العقارية وسيناريو "غزتين"

وفي تحليل أعمق للرؤية الاقتصادية، يكشف الدكتور نيل كويليام، الزميل المشارك في "المعهد الملكي للشؤون الدولية - تشاتام هاوس"، عن ملامح مشروع "غزة الجديدة" الذي يروج له جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي ومستشاره.

يوضح كويليام، أن الخطة تعيد صياغة القطاع كمشروع تطوير عقاري يشبه المدن الخليجية الحديثة مثل دبي، وتعتمد على تقسيم القطاع إلى "مناطق مخصصة" تحل محل الأحياء التاريخية.

ويحذر الباحث من أن هذا المسار قد يؤدي إلى ظهور "غزتين"؛ "غزة المطهّرة" وهي جيب سكني منزوع السلاح والسياسة يخضع لرقابة مشددة، و"غزة المهمشة" التي ستبقى معزولة خارج نطاق الإعمار المباشر.

بالعودة إلى الواقع الميداني، يسلط منذر الحايك، القيادي في حركة فتح، الضوء على الفشل الإنساني في تطبيق المرحلة الثانية، مؤكدا أن إسرائيل لم تلتزم بالانسحاب من "منطقة الخط الأصفر" إلى حدود 4 يونيو 1967.

وفي تعارض مع إعلان مجلس السلام بشأن تحسن الأوضاع المعيشية في غزة، يشير الحايك إلى وجود سياسة تجويع ممنهجة تجبر 80% من العائلات التي تعيش تحت خط الفقر على شراء السلع بأسعار مرتفعة في ظل انقطاع الرواتب.

ويؤكد القيادي في حركة فتح الفلسطينية، أن الواقع الميداني لم يشهد أي تغيير حقيقي، حيث تستمر عمليات الاغتيال والتوغل وخرق الخطوط المتفق عليها، مما يجعل الحديث عن تحسن معيشي مجرد ادعاءات لا أساس لها من الصحة.

الاستقلالية الإسرائيلية وفرصة حماس للمناورة

وفيما يتعلق بالتداعيات السياسية لغياب "الوصاية" الأمريكية، ترى إيرينا تسوكرمان، أن إسرائيل ستجد نفسها في وضع "أكثر استقلالية" بعد إغلاق المركز، حيث ستتخذ قراراتها المتعلقة بالضغط العسكري والسيطرة الإقليمية بقيود خارجية أقل.

وتلفت تسوكرمان، إلى أن هذه الاستقلالية قد تؤدي إلى احتكاك دبلوماسي فوري مع الوسطاء، لأنها تزيل "القناة" التي كانت تستوعب التوترات، بينما تتوقع تعتبر حماس هذا التحول فرصة لإعادة بسط نفوذها في المناطق التي تضعف فيها الرقابة، مستغلة تراجع إجراءات التنفيذ المركزية للمماطلة في الالتزامات الصعبة.

تفكك "أداة السيطرة".. مأزق الوسطاء ودفن حل الدولة

سقوط "جليس الأطفال".. صراع السيادة داخل إسرائيل

يكشف "المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار" عن أبعاد سياسية عميقة لوجود مركز التنسيق المدني العسكري داخل إسرائيل؛ حيث وصفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية دور المركز بأنه كان يعمل بمثابة "جليس أطفال" للرقابة اللصيقة على رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لضمان عدم إفشاله للاتفاق.

على المستوى الداخلي، تسبب المركز في أزمة سيادية حادة؛ حيث اتهم زعيم المعارضة يائير لابيد نتنياهو بتحويل إسرائيل إلى "دولة تابعة" بسبب هيمنة المركز على القرار العسكري.

وأكد مسؤولون عسكريون إسرائيليون أن أي عملية ميدانية في غزة كانت تتطلب "موافقة المركز الأمريكي"، وهو ما دفع وزراء اليمين المتطرف مثل إيتمار بن غفير لتوجيه رسائل حادة لترامب تؤكد أن إسرائيل "دولة ذات سيادة مستقلة"، مما قد يجعل أي إغلاق للمركز استجابة مباشرة لهذه الضغوط السيادية.

بدورها، تشير "بي بي سي" إلى أن إغلاق المركز يعني فقدان واشنطن للقدرة على إدارة الأحداث "على مستوى التفاصيل الدقيقة".

ويوضح ضابط الاحتياط الإسرائيلي موريس هيرش، أن المركز لم يكن مجرد نقطة لتوزيع المساعدات، بل كان "مختبرا" لإنشاء جهة حاكمة بديلة في غزة تضمن عدم بقاء أي جهة "غير شرعية" في إشارة لحركة حماس.

وفي ظل ذلك، يحذر المحللون من أن غياب مركز التنسيق المدني العسكري يعني فقدان السيطرة على "الإشارات" الميدانية، مما يترك الميدان عرضة لتقديرات القادة المحليين بعيدا عن الرؤية الأمريكية الشاملة التي كان يوفرها هيكل "كريات غات".

مأزق الوسطاء العرب.. فقدان الضمانات الهيكلية

وبشأن تداعيات إغلاق المركز على الدور العربي، ترى إيرينا تسوكرمان، محامية الأمن القومي الأمريكي، أن البيئة السياسية ستصبح أكثر صعوبة في الإدارة بالنسبة للوسطاء؛ إذ يعتمد دورهم بالأساس على وجود "هيكل موثوق" يضمن تنفيذ الاتفاقات بعد التوصل إليها، وبمجرد تلاشي هذا المركز، تفقد ضمانات الوسطاء قوتها ويصبح إقناع الأطراف باتخاذ مخاطر سياسية أمرا شبه مستحيل.

وتنبّه تسوكرمان، إلى أن غياب المتابعة الأمريكية المباشرة سيؤدي إلى تباطؤ المفاوضات وتصلب المواقف بدافع الحذر من عدم وجود جهة تنفيذية تراقب الالتزامات.

وتصف "رويترز" حالة "فقدان الثقة" وزيادة القلق بين الحلفاء الدوليين والإقليميين، بما في ذلك الإمارات وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، موضحة أن هذه الدول كانت قد نشرت أفرادا استخباراتيين وعسكريين في المنطقة بناء على تشجيع مباشر من إدارة ترامب"، وأن إغلاق المركز يترك هؤلاء الشركاء في حالة من الغموض العملياتي.

وفي حين لم تُنشر "قوة الاستقرار الدولية" البديلة بعد، مع تأكيد واشنطن الصارم بأن قواتها لن تنتشر داخل القطاع، فإن ذلك يضع عبء التثبيت الأمني على عاتق دول لم تلتزم بعد بمهام أمنية واضحة.

سيناريو "غزتين" ودفن فكرة الدولة الفلسطينية

وفي تنبيه للمآلات الاستراتيجية الكبرى، يحذر الدكتور نيل كويليام، الزميل المشارك في "تشاتام هاوس"، من أن خطة ترامب المعتمدة بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803، تكرر أخطاء "اتفاقيات أوسلو" عبر تفتيت الإدارة وتأجيل القضايا الجوهرية.

ويرى كويليام أن القرار الأممي يضفي الشرعية على "الفصل الكامل" بين غزة والضفة الغربية حتى نهاية عام 2027، مما يمهد الطريق لسيناريو "غزتين"، مؤكدا الباحث أن هذا المسار يتزامن مع إجراءات إسرائيلية لتوسيع السلطة في الضفة الغربية، وهو ما وصفه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بأنه "دفن لفكرة الدولة الفلسطينية"، محذرا من أن ترامب قد يعترف بضم إسرائيل للضفة الغربية كما فعل سابقا مع "مرتفعات الجولان".

على مستوى متطلبات النجاح الميداني، تؤكد نيومي نيومان من "معهد واشنطن" أن النجاح يتطلب التقدم في 3 مسارات متوازية: السياسي عبر تمكين "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، والأمني عبر تدمير الأنفاق، والاقتصادي عبر الحفاظ على حركة المرور في "معبر رفح".

وتوضح نيومان، أن إغلاق المركز من شانه أن يضر بهذه المسارات الثلاثة معا، خصوصا في ظل الخلافات حول صلاحيات اللجنة في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، محذرة من أن أي حوادث في الضفة أو القدس خلال مواسم حساسة قد تنسف كل ما تحقق في غزة، في ظل غياب الرقابة الأمريكية التي تعمل كـ"صمام أمان".

التفكك التدريجي أم الحيلة لاستئناف الحرب؟

في نظرة شمولية، لا يبدو أن أي إغلاق محتمل لمركز التنسيق المدني العسكري يمثل انهيارا فوريا لخطة ترامب، بل هو "تفكك تدريجي" يفقد الخطة تماسكها الداخلي بمرور الوقت.

لكن في الوقت نفسه، فإن غياب "الوصي الأمريكي" يمنح إسرائيل استقلالية عملياتية أكبر، ويمنح حماس مساحة أوسع للمناورة والمماطلة، بينما يترك المدنيين في غزة والوسطاء العرب في مواجهة واقع ميداني يفتقر للضمانات.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان