سلام بقوة السلاح.. لماذا هندست واشنطن محادثات مرحلية بين لبنان وإسرائيل؟
كتب : محمد طه
لبنان مكبل في هذه الهدنة (AI)
ذهبت بيروت وتل أبيب إلى العاصمة الأمريكية واشنطن لعقد جولة ثانية من المحادثات، أسفرت يوم أمس عن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار لثلاثة أسابيع إضافية. وبينما يبدو في الظاهر أن هذه المحادثات "المثمرة" تهدف فقط إلى تمديد الهدنة الهشة في الجنوب اللبناني، فإن لغة الدبلوماسية الهادئة تخفي وراءها صدامًا حول جوهر التفاوض نفسه.
فقد كشف السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، يحيئيل ليتر، إثر لقائه السفيرة اللبنانية، أن تل أبيب - بدعم مكثف من أقطاب إدارة ترامب مثل جي دي فانس وماركو روبيو ومايك هاكابي - تفاوض لتأسيس "السلام والازدهار والأمن في مواجهة إيران ووكلائها".
تُظهر هذه التشكيلة السياسية الرفيعة والمصطلحات المستخدمة أن الإدارة الأمريكية وإسرائيل تديران هندسة واقع إقليمي جديد يقتلع نفوذ حزب الله ويفرض "تطبيعًا أمنيًا" تحت وطأة التدمير المستمر.
واشنطن.. هندسة الإقليم عبر التفاوض المرحلي
يتجاوز الحضور الأمريكي المكثف، والرعاية المباشرة من قبل إدارة الرئيس ترامب لهذه المحادثات، دور الوسيط الكلاسيكي.
تعتمد واشنطن في هذه المفاوضات المباشرة - الأولى من نوعها منذ عام 1993 - على استراتيجية "المراحل"؛ حيث بدأت بهدنة أولية لعشرة أيام في منتصف أبريل، ثم مُددت لثلاثة أسابيع لضمان استمرار الضغط التفاوضي.
وتجد واشنطن في هذه الجلسات المتتالية فرصة استراتيجية لاستثمار نتائج الحرب التدميرية من أجل تجريد حزب الله من سلاحه وإنهاء النفوذ الإيراني في شرق المتوسط، مع التلويح بوعود اقتصادية هائلة لإعادة الإعمار إذا سار لبنان في ركب الترتيبات الجديدة.
وتتقاطع هذه التحركات مع قراءة ديفيد شينكر في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، الذي اعتبر أن الأهمية التاريخية لهذه المحادثات تكمن في انعقادها رغم المعارضة العنيفة من إيران وحزب الله.
ويعني ذلك أن الولايات المتحدة تتعامل مع الورقة اللبنانية بوصفها ساحة قابلة لإعادة التشكيل، مما يحول طاولة واشنطن إلى غرفة عمليات دبلوماسية لقطف ثمار الحرب عبر مسار مرحلي يربط تمديد الهدنة بتقديم تنازلات سياسية وأمنية.
اقرأ أيضًا: صراع على تعريف الحل.. لماذا تحولت هدنة حرب إيران إلى مأزق مستدام؟
ما الذي تريده إسرائيل فعليًا من لبنان؟
وأمام هذا المشهد، تبرز الأهداف الإسرائيلية لتتجاوز الترتيبات الحدودية المؤقتة نحو إحداث تغيير جذري في بنية الدولة اللبنانية. إذ تطالب تل أبيب بآلية أمنية تضمن تجريد حزب الله من سلاحه، وتأسيس منطقة عازلة واسعة.
وتشير تغطيات قناة الجزيرة والتقارير الإسرائيلية المرافقة للمفاوضات إلى أن إسرائيل تلعب "لعبة مزدوجة"؛ فهي تتفاوض في واشنطن وتعلن عدم وجود خلافات كبيرة مع الدولة اللبنانية، وتواصل في الوقت نفسه فرض سيطرتها العسكرية في الجنوب والتهديد بالتحرك العسكري الشامل إذا لم تُحقق أهدافها السياسية.
تشرح هذه التحليلات أن إسرائيل تستخدم ضغط الهدنة المتقطعة كأداة لتقويض شرعية الحزب داخليًا، في محاولة لدفع الحكومة اللبنانية لتولي مهمة التجريد بنفسها.
ويهدف هذا السقف الإسرائيلي المرتفع إلى الحصول على حق مستمر في استهداف التهديدات داخل لبنان، مما يعني فرض نوع من "الوصاية الأمنية عن بُعد" تمنع إعادة تسليح الحزب، تحت طائلة التلويح بحرب أوسع أو إشعال فتنة أهلية في الداخل اللبناني إذا رفضت بيروت التعاون.

المأزق اللبناني.. التفاوض على حافة الهاوية
وهكذا، يجد المفاوض اللبناني نفسه محاصرًا بين فكي كماشة أمام هذا السقف الإسرائيلي والأمريكي المرتفع.
ومن هنا، توجهت بيروت إلى واشنطن في الجولة الثانية لطلب تمديد الهدنة لشهر إضافي - وحصلت على ثلاثة أسابيع - بهدف وقف الخروقات وتسهيل عودة النازحين.
ومع كل هذا، تضطر الدولة اللبنانية في المقابل للتفاوض على بنود تمس جوهر السيادة الوطنية وهيكل السلطة الداخلي، في وقت يؤكد فيه اتفاق الهدنة الأصلي احتفاظ إسرائيل بحق "الدفاع عن النفس" ضد أي تهديد وشيك داخل الأراضي اللبنانية.
هنا، تكتمل الدائرة في قراءة مركز "كارنيجي" للشرق الأوسط، الذي يوضح عمق هذا المأزق، محذرًا من أن انخراط بيروت في هندسة "سلام أمريكي-إسرائيلي" سيؤدي حتمًا إلى استعداء طهران.
ويرى المركز أن إيران ترفض التنازل عن "الورقة اللبنانية" بسهولة، وهو ما قد يتجلى في تصعيد التوترات في الشارع اللبناني، وتحريك تظاهرات ضد المفاوضات، وصولًا إلى التلويح بحرب أهلية.
كذلك، يشير "كارنيجي" إلى أن رغبة بعض الأطراف اللبنانية في التحرر من النفوذ الإيراني قد تدفعهم، دون قصد، نحو قبول هيمنة إسرائيلية مقنعة باتفاقات أمنية مجحفة.
سلام مفروض أم جولة مؤجلة؟
يتبين من هذه التقاطعات المعقدة أن الجولات المرحلية في واشنطن، وما تمخضت عنه من إعلان تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، قد لا تحمل استقرارًا حقيقيًا للمنطقة في الأمد المنظور. إذ تُعد المحادثات التي تستضيفها إدارة الرئيس دونالد ترامب بمثابة عملية جراحية سياسية دقيقة تهدف إلى سلخ لبنان عن المحور الإيراني، مستخدمة في ذلك قوة الضغط العسكري الهائل تارة، والمغريات الاقتصادية الموعودة تارة أخرى.
تتجاوز هذه الرعاية الأمريكية فكرة الحوار التقليدي لفض اشتباك حدودي، لتأخذ طابع الهندسة الإقليمية الرامية إلى استثمار الهزات الميدانية في فرض واقع جيوسياسي جديد، يضمن أمن شمال إسرائيل ويقلم أظافر طهران في ساحل المتوسط.
ويصطدم هذا المسار الأمريكي الإسرائيلي بعقبة استراتيجية كبرى؛ فمع إصرار تل أبيب على انتزاع وصاية أمنية كاملة تحت غطاء شعارات "السلام والازدهار والأمن"، تقف إيران وحلفاؤها في حالة رفض قاطع لتقديم أي استسلام سياسي يعقب التراجع العسكري.
وتنظر طهران إلى أي ترتيب أمني يجرّد حزب الله من سلاحه على أنه ضربة قاضية لخطوط دفاعها الأمامية المتقدمة.
ونتيجة لهذا التناقض الجذري بين سقف أمريكي يطلب التجريد الكامل، وموقف إيراني يستميت للبقاء، يبدو تمديد الهدنة مجرد شراء مؤقت للوقت، ومحاولة لتأجيل انفجار برميل بارود تتقاطع عنده خطوط النار والمصالح الإقليمية.
ويُستثمر هذا الوقت القصير إما لإنضاج "تطبيع أمني" قسري يغير وجه لبنان الداخلي ويفرض عليه ترتيبات سيادية مجحفة، أو للتحضير اللوجستي والسياسي لجولة عنف أشد تدميرًا في حال فشل هذا الاستثمار السياسي الشرس، لتظل النتيجة النهائية معلقة باختبار ميداني قاسٍ، يتمثل في مدى قدرة الدولة اللبنانية ومؤسساتها على إثبات السيادة ونزع فتيل الذرائع الإسرائيلية خلال فترة الأسابيع الثلاثة.