قطاع غزة
ألقى التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط بظلال ثقيلة على مسار خطة السلام في غزة، إذ تحوّل الاهتمام الدولي، خلال الأيام الماضية، من جهود التهدئة إلى متابعة المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
ميدانياً، ومع اندلاع الهجمات السبت الماضي، أعلن جيش الاحتلال إغلاق جميع المعابر الحدودية لقطاع غزة، مبرراً ذلك بعدم إمكانية تشغيلها بأمان في ظل الحرب، ومشدداً إجراءاته الأمنية على نحو غير مسبوق. غير أنه عاد لاحقاً ليعلن فتح معبر كرم أبو سالم اعتباراً من اليوم الثلاثاء، تمهيداً لاستئناف دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع بشكل تدريجي.
ولم يقتصر الأمر على إغلاق المعابر، إذ واصل جيش الاحتلال غاراته الجوية وقصفه المدفعي على مناطق عدة في قطاع غزة، في استمرار لخرق اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي.
ويرى محللون ومختصون في الشأن الفلسطيني، في حديثهم لموقع "مصراوي"، أن التطورات الأخيرة ستكون لها تداعيات مباشرة على خطة ترامب بشأن غزة، مرجحين تعطل تنفيذها في ظل الانشغال الدولي بالتصعيد الراهن وتداعياته الإقليمية، وتمادي إسرائيل في إحكام السيطرة على القطاع.

تداعيات مباشرة
بدوره، قال رئيس مركز الدراسات المستقبلية بجامعة القدس، الدكتور أحمد رفيق عوض، إن الحرب على إيران تحمل تداعيات مباشرة على الوضع في قطاع غزة، إذ تؤثر بصورة مباشرة على أي طموح لتقديم رؤية سلام إقليمية.
وأوضح، في تصريحات لمصراوي، أنه بالنسبة لترامب فإن عدم تحقيق الأهداف المرجوة من الحرب على إيران، أو فشلها في إحداث تغيير جوهري في بنية النظام الإيراني، قد ينعكس سلباً على صورة ترامب باعتباره "صانع سلام"، ويقوض قدرته على حشد دعم دولي أو إقليمي لأي مبادرة مستقبلية بشأن غزة.
ولفت إلى أن تماسك إيران في مواجهة الضغوط قد يشجع أطرافاً أخرى على معارضة السياسات الأميركية، معتبراً أن ذلك يضعف فرص تسويق أي خطة سلام تقوم على فرض توازنات بالقوة.
أما بالنسبة لحركة حماس، فاعتبر رئيس مركز الدراسات المستقبلية بجامعة القدس أن أي سيناريو يتضمن انهيار النظام الإيراني أو تفككه أو دخوله في حالة فوضى سينعكس سريعاً على علاقة طهران بحركة حماس، وعلى مجمل المشهد في القطاع.
وأضاف: "إضعاف إيران أو تراجع دورها الإقليمي من شأنه أن ينعكس على حركة حماس سياسياً وأمنياً ومالياً، في حال وجود علاقات دعم بين الطرفين، ما قد يؤدي إلى محاصرة الحركة وإضعاف امتداداتها الإقليمية. ومثل هذا التطور يعني عملياً نهاية ما يُعرف بـ"محور المقاومة" بصيغته التقليدية".

تغييرات استراتيجية لإسرائيل
واتفق مع ذلك مدير منتدى الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والأمن القومي، والمحلل الفلسطيني عبد المهدي مطاوع، الذي ذكر أن أي نجاح للرئيس الأميركي ترامب في فرض شروطه على إيران سيترتب عليه تغيير في الوضع الاستراتيجي لإسرائيل.
وقال مطاوع، في تصريحات لمصراوي، إن "مثل هذا السيناريو قد يفضي إلى تحولات أوسع، من بينها احتمال نزع سلاح حزب الله أو تنفيذ عملية عسكرية واسعة في لبنان، ما سينعكس بدوره على مقاربة الحكومة الإسرائيلية لملف غزة، في حين ستبقى مسألة نزع سلاح حماس الحد الأدنى الذي لن يتراجع عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لاسيما في ظل اعتبارات داخلية مرتبطة بمرحلة ما قبل الانتخابات، حيث يصعب عليه تقديم أي تنازلات".
وكانت قضية نزع سلاح حماس محور الاهتمام قبل التصعيد الإقليمي الراهن، إذ كشف تقرير لموقع "أكسيوس" الأميركي قبل أيام أن الولايات المتحدة تعتقد أن حماس مستعدة لنزع سلاحها مع انتقال خطة غزة إلى المرحلة الثانية، في الوقت الذي أكدت فيه الحركة مراراً تمسكها بسلاحها.
وأكد مطاوع أن أي انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة سيظل مشروطاً بوضع حد نهائي لمسألة نزع السلاح، معتبراً أن استكمال أي اتفاق، في حال قررت واشنطن المضي فيه، قد يفرض على حركة حماس تقديم تنازلات جوهرية.

مشهد إنساني "كارثي"
ومع إعلان إسرائيل إغلاق المعابر، حذر مسؤولون أمميون من أن المخزون المحدود من الوقود في قطاع غزة ينفد بوتيرة سريعة، ما يهدد بتوقف الخدمات الحيوية، إلى جانب احتمالات نفاد السلع الغذائية الأساسية في ظل تعثر الإمدادات.
ودعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إسرائيل إلى إعادة فتح جميع المعابر الحدودية مع القطاع، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية دون عوائق، في ظل الدمار الواسع الذي خلّفته أكثر من عامين من الحرب.
وعن الأوضاع الإنسانية في غزة، وصف المحلل الفلسطيني أحمد رفيق عوض المشهد بـ"الكارثي"، لافتاً إلى أن إغلاق إسرائيل للمعابر لعدة أيام فاقم الأزمات القائمة، رغم الحديث عن إعادة فتحها، مؤكداً أن إسرائيل تفرض سيطرة كاملة على آلية إدخال المساعدات من حيث الكميات والنوعيات، وأن تدفق المساعدات لا يزال دون المستوى المطلوب.
وأشار إلى وجود أزمات حادة في المياه والدواء والكهرباء والإسكان، فضلاً عن تعثر تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، إذ إن إسرائيل تربط الانتقال إلى هذه المرحلة بشروط، من بينها نزع سلاح حركة حماس، ما أدى إلى تعطيل المسار المتفق عليه، وبالتالي استمرار التدهور الإنساني والاقتصادي في القطاع.
وعلى هذا المنوال، قال المحلل الفلسطيني عبد المهدي مطاوع إن إغلاق المعابر أدى إلى ارتفاع مضاعف في أسعار المواد الغذائية، في وقت تسود فيه مخاوف واسعة من تداعيات الحرب، سواء في حال تدخل أي من الفصائل في المواجهة، أو في حال امتناعها عن ذلك، خشية تشديد إسرائيل إجراءاتها عقب انتهاء الحرب على إيران.