إعلان

هدم الجسور والتهجير.. كيف تُعيد إسرائيل هندسة جنوب لبنان عبر "الليطاني"؟

كتب : أحمد جمعة

11:14 ص 25/03/2026

استهداف جسور نهر الليطاني

تابعنا على

بينما جذبت تقارير المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران أنظار الاهتمام الدولي، تمضي على الضفة الأخرى في لبنان عملية عسكرية إسرائيلية بلا هوادة، تستهدف بشكل منهجي هدم جسور نهر الليطاني، في تحرك يتجاوز البعد العسكري المباشر إلى فرض واقع ميداني جديد قد يرسم حدود المواجهة المقبلة بين إسرائيل و"حزب الله".

واعتبرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، أن نهر الليطاني، الممتد لمسافة 145 كيلومترًا عبر جنوب لبنان، يُعد محورًا رئيسيًا في الحرب الدائرة بين إسرائيل وحزب الله، وهي الثانية خلال عامين، وقد يكون العامل الحاسم في تحديد مدى اتساع رقعة القتال.

وعاد النهر إلى الواجهة مجددًا بعد أن قررت قوات الاحتلال شن هجوم واسع النطاق تضمن غارات جوية مكثفة، أسفرت عن مقتل أكثر من ألف شخص، في الوقت الذي أصدرت أوامر إخلاء واسعة شملت كامل الجنوب اللبناني، حيث طُلب من مئات الآلاف من السكان الانتقال إلى شمال نهر الليطاني، قبل أن يتم توسيع نطاق هذه الأوامر لاحقًا إلى مناطق أبعد.

ويعتقد محللون عسكريون لبنانيون، في حديثهم لموقع "مصراوي"، أن استهداف جسور نهر الليطاني لا يندرج فقط ضمن الأهداف التكتيكية المباشرة، بل يأتي في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى عزل جنوب لبنان ميدانيًا، وقطع خطوط الإمداد، وفرض واقع جغرافي جديد يحد من تحركات "حزب الله" ويقيد قدراته اللوجستية، تمهيدًا لإقامة منطقة عازلة تعمل عليها إسرائيل قد تمتد حتى ضفاف النهر.

1111111111_2_11zon

ماذا نعرف عن نهر الليطاني؟


تعود أهمية نهر الليطاني في هذا الصراع إلى عقود مضت، إذ تشكلت مكانته بفعل جولات متكررة من القتال على طول الحدود اللبنانية-الإسرائيلية.

وحتى عام 2000، كانت القوات الإسرائيلية تحتل شريطًا من جنوب لبنان أطلقت عليه "المنطقة الأمنية"، وبعد انسحابها ظلت المناطق الواقعة جنوب الليطاني واحدة من أقوى قواعد عمليات حزب الله.

وانعكس هذا الواقع في اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى حربًا كبرى بين الطرفين عام 2006، وبموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، كان من المفترض أن تكون المنطقة الواقعة بين الحدود الإسرائيلية ونهر الليطاني خالية من عناصر حزب الله، كما حول القرار النهر إلى الحد الشمالي لمنطقة عازلة تُدار من قبل الجيش اللبناني بدعم من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

غير أن هذا الاتفاق لم يُطبق فعليًا كما هو مخطط له، فعلى الرغم من هدوء نسبي على الحدود استمر قرابة عقدين، اتهمت إسرائيل حزب الله بتعزيز ترسانته العسكرية ونشر مقاتليه جنوب النهر، وفي المقابل، اتهمت الحكومة اللبنانية وحزب الله إسرائيل بالاستمرار في التواجد داخل مناطق حدودية متنازع عليها، وبانتهاك السيادة اللبنانية بشكل متكرر.

2222222_1_11zon

وتقول نيويورك تايمز، إنه مع تصاعد الصراع حاليًا، يبدو أن إسرائيل تتجه إلى فرض رؤيتها الخاصة لمنطقة عازلة، فخلال الأيام الماضية، استهدف الجيش الإسرائيلي الجسور والمعابر فوق نهر الليطاني، متهمًا حزب الله باستخدامها لنقل المقاتلين والأسلحة إلى جنوب لبنان.

وفي لبنان، تتزايد المخاوف من أن يتحول نهر الليطاني إلى الهدف النهائي للتوغل البري الإسرائيلي، وربما إلى الحد الفاصل لمنطقة احتلال إسرائيلية جديدة في جنوب البلاد.

وتقول صحيفة "لوموند" الفرنسية، إنه على بعد 80 كيلومترًا جنوب بيروت، جرى تدمير جسر القاسمية على الطريق الرئيسي الرابط بين منطقة صور وبقية لبنان يوم الأحد، إثر غارتين جويتين إسرائيليتين.

هذا المعبر، الذي تم استهدافه مرة أخرى بعد ظهر يوم الاثنين، كان يستخدمه اللبنانيون الفارون من القصف الإسرائيلي متجهين شمالًا، وبالاتجاه المعاكس لنقل الإمدادات إلى المدن والقرى في المنطقة.

والآن، لم يتبق سوى طريق وصول واحد يربط العاصمة بمدينة صور، الواقعة على بعد 20 كيلومترًا من الحدود مع إسرائيل.

3333333333_3_11zon

تهديد إسرائيلي.. بالتدمير الكامل


بدوره، توعد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، بالعمل على "السيطرة على الجسور المتبقية والمنطقة الأمنية حتى نهر الليطاني"، مشيرًا إلى أن إسرائيل ستحتل جنوب لبنان حتى نهر الليطاني بهدف إنشاء "منطقة عازلة دفاعية"، كاشفًا للمرة الأولى عن نية بلاده الاستيلاء على أراضٍ تعادل نحو عُشر مساحة لبنان.

في المقابل، شدد حزب الله اللبناني على قتال القوات الإسرائيلية لمنعها من احتلال جنوب لبنان، واصفًا هذه الخطوة بأنها "تهديد وجودي" للدولة اللبنانية.

وقال النائب البارز في حزب الله، حسن فضل الله، إن أي احتلال إسرائيلي جنوب الليطاني سيُواجه بالمقاومة، مضيفًا في تصريح لوكالة رويترز: "لا خيار أمامنا سوى مواجهة هذا العدوان والتمسك بالأرض".

ودمرت إسرائيل 5 جسور فوق النهر منذ 13 مارس، كما سرعت عمليات هدم المنازل في القرى اللبنانية القريبة من الحدود، في إطار ما تقول إنه حملة تستهدف حزب الله وليس المدنيين.

لكن بموجب القانون الدولي، تُعد الهجمات على البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المنازل والجسور، محظورة بشكل عام.

4444444444_4_11zon

أهداف إسرائيل من استهداف "جسور الليطاني"


بدوره، اعتبر الخبير العسكري اللبناني، العميد ناجي ملاعب، إن الحديث الإسرائيلي عن "عملية محدودة" يفتقد إلى المصداقية في ضوء التجارب السابقة، مشيرًا إلى أن إسرائيل استخدمت الوصف ذاته في بداية عملياتها الانتقامية في غزة، قبل أن تتوسع ميدانيًا خلافًا حتى لبعض الدعوات الأمريكية، ومنها طلبات الرئيس السابق جو بايدن بعدم اقتحام رفح، وهو ما لم تلتزم به.

وأضاف "ملاعب" في تصريحات لمصراوي، أن "ما يجري حاليًا لا يمكن اعتباره عملية محدودة، في ظل الحشد العسكري الكبير، حيث دفعت إسرائيل بثلاث فرق عسكرية، قبل أن تعززها بثلاث أخرى، ما يعكس نية واضحة لتوسيع نطاق العمليات".

وأشار إلى أن التصريحات الإسرائيلية بشأن الوصول إلى نهر الليطاني، بالتوازي مع تكرار إنذارات النزوح، تكشف عن هدف يتجاوز البعد العسكري المباشر، إذ لم تعد التحذيرات تقتصر على القرى الحدودية، بل امتدت إلى مناطق أوسع، بما يوحي بمحاولة إفراغ الجنوب اللبناني من سكانه.

ولفت إلى أن استهداف الجسور يندرج ضمن هذا السياق، بهدف منع عودة النازحين، فضلًا عن تمهيد السيطرة على ضفتي نهر الليطاني، معتبرًا أن إنذارات الإخلاء حتى شمال النهر تعكس نية للسيطرة على كامل مجراه في الجنوب، مسترجعًا أن إسرائيل سبق أن نفذت ما أسمته "عملية الليطاني"، ما يعزز فرضية أن الهدف الاستراتيجي يتعلق بالسيطرة على موارد المياه.

وأكد أن تدمير البنية التحتية أو حتى احتلال الجنوب لن يحقق هدف نزع سلاح حزب الله، نظرًا لانتشاره على امتداد الأراضي اللبنانية، من المرتفعات إلى الأنفاق وصولًا إلى الحدود السورية، مشددًا على أن الهدف الحقيقي يتمثل في ممارسة ضغوط على الحكومة اللبنانية، لفرض شروط إسرائيلية خلال أي مفاوضات مقبلة.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان