إعلان

حرب إيران.. هل يسقط ترامب بحلمه القديم على "شواطئ الفخ" في جزيرة خرج؟

كتب : محمد طه

12:10 ص 18/03/2026 تعديل في 06:55 ص

صورة تعبيرية عن حرب إيران وتداعيات قصف جزيرة خرج ب

تابعنا على

مشهد الدخان المتصاعد من المنشآت العسكرية في جزيرة خرج، ضمن تطورات حرب إيران، يختصر حالة التخبط التي تعيشها إدارة ترامب الحالية، فالرئيس الأمريكي أعلن تدمير أهداف عسكرية على الجزيرة، لكنه تعمد الإبقاء على البنية التحتية النفطية سليمة مؤقتًا، في محاولة لاستخدامها كأداة مساومة لفتح مضيق هرمز، وإنقاذ أسعار النفط.

هذا الفصل المتعمد بين ضرب الدفاعات وتجنب النفط لا يعكس نصرًا استراتيجيًا حاسمًا، بل يطرح تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كانت واشنطن قد انتقلت من سياسة الردع المباشر إلى ممارسة ضغط عسكري "مجهول العواقب". إذ تبدو الإدارة الأمريكية وكأنها تسير على حبل مشدود، ترغب في شل قدرات طهران، لكنها تخشى في الوقت ذاته إطلاق رصاصة الرحمة الاقتصادية التي قد ترتد إلى صدر الاقتصاد العالمي وتطيح بأسواق الطاقة.

إنفوجراف تم تصميمه بالذكاء الاصطناعي

جزيرة خرج.. حلم ترامب القديم

لم تكن جزيرة خرج يومًا هدفًا هامشيًا في العقل الاستراتيجي الأمريكي، بل هي المركز العصبي الذي يضخ نحو 90 بالمئة من صادرات الخام الإيرانية. لكن الأهمية لا تقتصر على التصدير اليومي، وإنما تمتد إلى القدرات التخزينية الهائلة التي تجعل الجزيرة قنبلة اقتصادية موقوتة.

الدكتور جمال القليوبي أستاذ هندسة البترول والطاقة بالجامعة الأمريكية، يكشف لـ "مصراوي"، بُعدًا نفسيًا وتاريخيًا في القرار الأمريكي، مشيرًا إلى أن ضرب منشآت النفط في خرج هو هدف راسخ في مذكرات ترامب.

ويوضح القليوبي: "ليس مستغربًا أن يفكر الرئيس الأمريكي في خرج. هذا الكلام لو عدت بالذاكرة لسنوات مضت حين كان سيناتورًا جمهوريًا، ستجده في مذكراته، من ضمن أساسياته لضرب الحالة الاقتصادية لإيران وعدم استهداف بناء البرنامج النووي هو ضرب ميناء خرج.

وهذا التوجه هو صهيونية مسيحية موجودة في التزامات ترامب، وفق ما يوضحه القليوبي، الذي يضيف أن ترامب يعتقد أن "من ضمن الحالة الاقتصادية التي تستطيع أن تتحكم في إيران هو ضرب ميناء خرج الذي يعد أحد أهم أركان الحالة الاقتصادية التي تقود قيمة إيران وقدرتها المالية".

مخطط يوضح المقارنة المرعبة بين التصدير اليومي لجزيرة خرج، وسعتها التخزينية الهائلة (36 مليون برميل)، وحجم التهديد الإقليمي على مضيق هرمز.

هذا التحليل يتطابق حرفيًا مع وثائق تاريخية كشفت عنها مجلة "نيوزويك" الأمريكية، والتي أكدت أن هوس ترامب بجزيرة خرج يعود إلى عام 1988، حين صرح لصحيفة "الجارديان" بأنه لو تعرضت السفن الأمريكية لضربة، سيتدخل للسيطرة على الجزيرة الإيرانية وتدميرها، وهو ما أكده أيضًا خبير الطاقة في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، بيتراس كاتينس، الذي وصف الجزيرة بـ "العقدة الرئيسية" لاقتصاد طهران.

أسعار النفط.. ما يعنيه التصعيد

ويحذر القليوبي من أن الجزيرة لا تضخ فقط 1.8 مليون برميل يوميًا، بل لها "قدرات تخزينية تصل إلى أكثر من 36 مليون برميل، وهي عصب التأمين المالي الاقتصادي لإيران". ويدعم هذا الرعب أرقام مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، الذي حذر من أن استهداف الجزيرة قد يخرج 1.6 مليون برميل من السوق الفوري، بينما يهدد الرد الإيراني 18 مليون برميل يوميًا من صادرات الخليج.

ويضع القليوبي الأسواق العالمية أمام تشخيص دقيق، موضحًا أن أسواق النفط تمر بست مراتب، وأننا "في المرحلة رقم خمسة الآن ما بين مرحلة الشح والانقطاع"، مع معدل نقص وصل إلى حوالي 12.5 مليون برميل.

ويكشف لـ "مصراوي" أن البنية التحتية الخليجية "تم ضربها واستهدافها في أكبر موانئها كالأحمدي في الكويت، وجنوب نفط البصرة (نفط البصرة)، ورأس تنورة في المملكة، ومنطقة الفجيرة، ومناطق في أبو ظبي وقطر والبحرين"، مؤكدًا أن التعافي يحتاج "من أربعة إلى ستة أشهر".

فيما يحذر من سيناريو الانقطاع التام؛ موضحًا أن وكالة الطاقة الدولية وجهت باستخدام المخزون الاستراتيجي للدول الكبرى، "وهذا سيكفي لمدة 20 إلى 25 يومًا فقط، وإذا استمرت الحرب أكثر من ذلك، فسترتفع أسعار النفط حتى تصل إلى 170 دولارًا".

مخطط يوضح المراحل الست لأسواق النفط العالمية وكيف نقف اليوم في المرحلة الخامسة (الشح أو الندرة) كما صرح الدكتور جمال القليوبي.

رسائل النار والإنزال البري

على الصعيد الميداني، يحمل الفصل بين الأهداف العسكرية والاقتصادية دلالات عملياتية خطيرة. اللواء سمير فرج، الخبير الاستراتيجي والمحلل العسكري، يقرأ هذا المشهد لـ "مصراوي"، موضحًا أن "الولايات المتحدة ضربت الدفاعات والرادارات الإيرانية على الجزيرة ولم تقترب من المقدرات النفطية لأنها لا تريد الإضرار بالنفط عالميًا".

لكنه يشدد على أن "ضرب الدفاعات جعل الجزيرة بدون أي دفاعات، وهذه رسالة تحذيرية شديدة من الولايات المتحدة بأن الجزيرة يسهل السيطرة عليها، ما يمهد لأي عملية إنزال وسيطرة كاملة على الجزيرة في وقت قادم".

ويستدرك فرج موضحًا أن هذا "لا يعني أن إيران فقدت السيطرة على مضيق هرمز لأنها لا تزال تملك القدرة على تفخيخ الممر واستخدام الزوارق السريعة في هجماتها، وبالتالي قدرتها على تهديد السفن لا تزال قائمة".

يتقاطع هذا التحذير العسكري من اللواء فرج مع رؤية أكاديمية سياسية يطرحها الدكتور إبراهيم عوض، أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأمريكية، الذي لا يستبعد سيناريو احتلال خرج.

ماذا بعد احتلال واشنطن جزيرة النفط؟

يقول لـ "مصراوي": "لا يُستبعد أن تقوم الولايات المتحدة باحتلال جزيرة خرج عسكريًا، وأظن أن الأمر سيكون محل نقاش مهم في داخل الولايات المتحدة".

ويطرح عوض تساؤلات مفصلية: "هل احتلال خرج سيكون سهلًا عسكريًا أم لا؟ وبعد ما يُحتل هل سيستطيع أن يحقق الأهداف الاقتصادية المرجوة من ورائه أم لا؟ ثم ماذا عن المقاومة الإيرانية فيما بعد ذلك؟".

ويؤكد أن "الجمهور الأمريكي ليس مرتاحًا ولا محبًا للحرب الجارية حاليًا، وامتداد هذه الحرب وتعريض القوات الأمريكية لأي مقاومة إيرانية سيؤثر سياسيًا على ترامب، ويؤثر حتى على تماسك بعض الحلفاء له الذين لا يريدون مساعدته ولكن لا يريدون معارضة ما يفعله، وهو ما قد يغير من موقفه".

صورة التقطها قمر صناعي تُظهر محطة نفطية في جزيرة خارك، إيران، بتاريخ 25 فبراير 2026. (رويترز) (1) (1)

أمريكا وغياب الرؤية بحرب إيران

التخبط بين التصعيد العسكري والرعب الاقتصادي الظاهر الآن لم يعد حبيس التحليلات، بل تفجر كزلزال داخل أروقة صنع القرار.

يصف الدكتور إبراهيم عوض لـ "مصراوي" السلوك الأمريكي بـ "الغرابة الشديدة". ويقول: "هذه عملية لم تخضع لأي تفكير معمق ومرتب ويبدو أنه لم تُجهز لها خطط بديلة لما يمكن أن يتم في اليوم التالي". وهذا شيء في غاية الغرابة".

ويضيف: "حتى في حرب فيتنام التي كانت كارثة، هم انسحبوا أو دخلوا في مهام صغيرة رويدًا رويدًا، بينما دخلوا في إيران دفعة واحدة وبضربة كاملة وعنيفة في منطقة مصدرة للنفط، وهم الآن لا يعرفون ماذا سيحدث، أو يدعون أنهم لم يعرفوا، والبادي أنها كانت فكرة وليدة اللحظة".

ويسخر عوض من الطلب الأمريكي للحلفاء أو الصين بالمساعدة في فتح مضيق هرمز. ويضيف: "كيف تطلب من حلفائك المساعدة بينما أنت لم تستشرهم أو تبلغهم قبل ضرب إيران؟ إيران فتحت المضيق للجميع باستثناء الولايات المتحدة وإسرائيل، فلماذا يطلب ترامب من الدول المساعدة فتح المضيق. هل كان مغلقًا من الأساس إلا أمامك. هو مفتوح بالنسبة لهذه الدول؟ وترامب دخل حرب إيران دون رؤية واضحة".

ويدلل عوض على هذا التخبط الأمريكي الراهن باستقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، جو كينت، الذي صرح وفقًا لـ "أكسيوس"، أن إيران "لم تشكل تهديدًا وشيكًا" للولايات المتحدة. بينما امتد الانقسام بمعسكر الصقور؛ كما نقلت مجلة "نيوزويك"، التي أشارت إلى انتقادات مستشار الأمن القومي الأسبق جون بولتون لترامب.

فخ قبرص.. مكيدة إسرائيل لجرجرة أوروبا

بموازاة الزلزال الداخلي، تواجه واشنطن أيضًا في حرب إيران عُزلة أوروبية، كما يكشف الدكتور محمد محسن أبو النور، خبير الشؤون الإيرانية رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية.

يقول إن أوروبا رفضت المشاركة في حرب إيران لاعتبارين؛ الأول هو "فك الارتباط مع ترامب الذي خذل الموقف الأوروبي مرتين؛ عندما ضغط على زيلينسكي لتوقيع اتفاقية غير مرضية مع روسيا، وعندما تحدث عن احتلال جرينلاند واضعًا إياهم في مأزق تاريخي". أما الاعتبار الثاني فهو أن "أوروبا تمكنت بالفعل من تأمين احتياجاتها النفطية عن طريق روسيا، وإيران تحدثت عن السماح للناقلات الأوروبية بالمرور بعد تفاهمات".

ويكشف أبو النور، في تصريحاته لـ"مصراوي"، أن الأنباء عن استهداف قواعد بريطانية في قبرص كانت "مكيدة إسرائيلية لجرجرة أوروبا إلى المعركة وتحويلها لمعركة دولية".

ويؤكد أن "الأوروبيين كانوا في منتهى الدهاء وفطنوا لتلك المكيدة ولم يشاركوا، مما دفع ترامب للقول إنه لا حاجة له بالقواعد البريطانية، في حين أن بريطانيا في الواقع هي التي لم تسمح لأمريكا باستخدام أهم قاعدة لديها: دييجو جارسيا في المحيط، وهذا منع القاذفات الاستراتيجية من تحقيق نجاحات أعلى".

مضيق هرمز

العقل الإيراني و"الهيمنة الذكية"

لفهم ديناميكية الرد الإيراني، تواصل "مصراوي" مع الدكتور مصدّق بور، الباحث الإيراني ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية العربية، الذي أكد أن محاولات الضغط الأمريكية أعطت "نتائج معكوسة".

يقول: "اغتالوا أعلى شخصية سياسية ودينية وهو السيد الخامنئي، فماذا جنوا؟ ردة فعل عنيفة من القوات المسلحة. إيران استهدفت القواعد الأمريكية والمصالح الاقتصادية والصناعية، لأنها تعتبر أي مورد اقتصادي ومالي لأمريكا في المنطقة هو جزء من اقتصادها".

اقرأ أيضًا: مصدق بور لـ"مصراوي": إيران ترفض وقف الحرب.. استنزفنا واشنطن إقليميًا ومصر "استثناء"

وبينما ينفي "بور" إغلاق مضيق هرمز، قائلًا: "إيران تمارس هيمنة ذكية على هذا المضيق، حيث يمكن لجميع السفن أن تمر باستثناء التابعة للشركات الأمريكية والدول التي دخلت الحرب إلى جانبها"، يشير إلى ادعاء ترامب بأنه "قضى على القوة البحرية الإيرانية، في وقت لا يزال عاجزًا عن تمرير سفنه بالمضيق، ويستجدي الدول الأخرى التي لم تستجب له".

ويطرح "بور" رؤية طهران المستقبلية بثقة بالغة، فيقول: "إذا قاومت إيران لمدة ثلاثة أشهر، ستتحول إلى قوة دولية وعالمية. ولن تجرؤ أي دولة في العالم من الآن فصاعدًا على فرض حظر على إيران، بل بالعكس، إيران هي من ستفرض الحظر على سائر دول العالم من خلال سيطرتها على المنطقة".

كما يعود ويشدد على أن الهدف الأسمى الآن هو "إجلاء القواعد الأمريكية من المنطقة لأنها هي التي تنتهك سيادة الدول العربية وتتآمر عليها". ويشيد بدور بالوساطات العربية، فيقول: "كانت هناك وساطة من الشقيقة سلطنة عُمان، ومصر، والسعودية، وقطر، ولكن أمريكا لم تحترم هذه الدول".

فشل الحصار.. مَن يربح صراع كسر الإرادات؟

هذه القراءة الإيرانية لـ "الهيمنة الذكية" يوثقها أكاديميًا الدكتور إبراهيم عوض بقوله: "إيران تريد أن تمد أجل الحرب، ورهانها على أن أمريكا لن تستطيع أن تصمد للضغوط السياسية والاقتصادية".

لكنه يرفض أن يحدد المنتصر في هذه المواجهة، ويضيف: "من الصعب أن تقول من هزم من حتى الآن، لكن يمكن أن نقول إن إيران، خلافًا لما كان يمكن توقعه، في موقف يجعلها هي تدير المعركة السياسية والاقتصادية".

ويؤكد فشل الحصار الاقتصادي الأمريكي، موضحًا أن "شراء الصين للنفط من إيران هو مساعدة لا شك فيها، وإيران أيضًا تبيع نفطًا للهند، وبالتالي هي ليست محاصرة اقتصاديًا كما أراد ترامب.. إيران نجحت في مد الحرب لفترة أطول مما كان يظن الرئيس الأمريكي، والوقت الذي امتدت إليه المعركة أطول مما توقعه الجانب الأمريكي".

الدخان من مبنى محترق استُهدف بغارة جوية إيرانية بطائرة مسيرة في منطقة السيف بالمنامة (رويترز)

الموقف المصري من الحرب

في خضم هذا الصراع المعقد، تبرز التحركات الإقليمية لمحاولة احتواء التداعيات.

هنا، يعود اللواء سمير فرج ليوضح أن دور مصر في القضايا العربية "ثابت وراسخ تاريخيًا"، مستشهدًا بمشاركتها في حرب تحرير الكويت.

ويؤكد فرج أن الموقف المصري يجسد مفهوم "مسافة السكة" الذي أشار إليه الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأن "القاهرة مستعدة بشكل كامل لدعم الدول العربية في أزمتها الحالية مع إيران، شريطة أن يتم ذلك وفقًا لمطالب الدول المعنية وحاجاتها الميدانية، سواء في صورة أسلحة أو ذخائر أو خبرات استخباراتية، وأن هذا يخضع لتقديرات العسكريين".

حدود التدخل في أزمة الشرق الأوسط

ويوجه فرج نقدًا صريحًا للسياسة الإيرانية، معتبرًا أن زج الدول العربية في الصراع مع القوى الغربية يمثل "خطأً إيرانيًا فادحًا سيترك جرحًا عميقًا في العلاقات العربية الإيرانية، خاصةً وأن دول الخليج أعلنت رفضها استخدام أراضيها ضد إيران".

بينما يشدد على أن مصر التي قطعت علاقاتها مع طهران منذ رحيل السادات، "تدرك مخاطر مشاريع تصدير الثورة، وترى في إيران وإسرائيل تهديدين للأمن القومي، مما يدفعها لتبني سياسة متوازنة تحمي مصالحها الوطنية"، على حد قوله.

ورغم هذا التغير في الموقف المصري من حرب إيران نتيجة "النوايا العدوانية" التي أظهرتها طهران مؤخرًا، وفق تصريحاته، يؤكد اللواء فرج على أن "الدولة المصرية بقيادة الرئيس السيسي هي الطرف الوحيد القادر في الوقت الحالي على قيادة مسار تفاوضي بين الإيرانيين والأمريكيين، خاصةً مع اتصالات مصر المستمرة لإدانة أي تصعيد يمس أمن الخليج"، وهو ما تفرضه مصلحة المجتمع الدولي لإنهاء حرب تضغط بشدة ليس فقط على الإدارة الأمريكية سياسيًا وماليًا وإنما على الجميع.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان