إعلان

بروباجندا الاستدانة.. هل يتعرض المصريون لـ"استدامة" التقسيط؟

كتب : إبراهيم الهادي عيسى

03:07 م 18/05/2026 تعديل في 03:08 م

التمويل الاستهلاكي

تابعنا على

في الثانية بعد منتصف الليل، بينما الطبيب البيطري محمد عبد السلام (34 عامًا) راجع من عمله من شبرا مصر، استوقفه كمين أمني متنقل بنهاية كوبري إمبابة حيث يسكن، ووجد نفسه يبيت ليلته في حجز قسم الشرطة.

ظل عبد السلام طيلة ليلته في حيرة، وفي الصباح ركب عربة الترحيلات مع آخرين إلى محكمة تاج الدول، وهناك عرف أنه يواجه حكمًا غيابيًا بالحبس 3 سنوات، وأن عليه أن يُجري "معارضة" لإطلاق سراحه.

ما الخطب؟

قبل نحو 3 سنوات، توجه عبد السلام لشركة تمويل استهلاكي كبرى لشراء سيارة رينو، وكانت الإجراءات غير معقدة وذات طابع "مبشّر"، إلا أن الطبيب البيطري لم يدفع أقساطه لمدة 4 أشهر، وهنا قررت الشركة التكشير عن أنيابها، واتخذت إزاءه اللازم.

"غرامة التأخير تجاوزت 14 ألف جنيه بخلاف الدين، فقررت عدم الدفع"، هكذا لخّص الطبيب البيطري قصته مع التمويل الاستهلاكي الذي ساقه إلى محاولات الحلول الودّية مع الشركة المانحة، بعد ليلة واحدة فقط قضاها في "التخشيبة".

أعداد المتعثرين في سداد مستحقات شركات التمويل الاستهلاكي غير معلنة، ولكن القطاع يتمدد بنمو فائق، إذ شهد التمويل الاستهلاكي نموًا كبيرًا، انتهى أن تمنح شركات التمويل الاستهلاكي 12.1 مليون عميل أقساطًا بحجم 96.3 مليار جنيه خلال 2025 فقط، حسب هيئة الرقابة المالية.



قطاع يشوبه تباين


قبل أيام، حذّر الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي هشام عز العرب، من التوسع السريع لشركات التمويل الاستهلاكي، بعبارة: "معظم النار من مستصغر الشرر"، كإشارة اقتصادية إلى ارتفاع التعثر المستقبلي والمنتهي بمخاطر اجتماعية/اقتصادية.
محمد الفقي، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة سمبل لخدمات الدفع الآجل، يقول إن الشركات تتعامل مع التعثر كالبنوك، إذ تبدأ بتحصيل داخلي أو وكالات معتمدة، بينما تخطر "الرقابة المالية" حال فشل السداد.
تُهم عدم السداد أو تبديد الأمانة تُوجه لغير المستجيبين للتسوية حال توقيع العميل "إيصال أمانة" أو "سند لأمر"، يضيف الفقي لـ"مصراوي".
ويفسّر أن الشركات "تيسر" على ذوي النيات الحسنة، ويضيف: "اللي يشتري تليفونات لإعادة بيعها مش زي سيدة متعثرة في قسط موبايل شخصي".
ويوضح أن قانون التمويل الاستهلاكي يُلزم الشركات بالاستعلام عن العملاء (i-Score) والإبلاغ عن سلوك سدادهم، ينما يُحرم العميل التعامل مع المؤسسات المالية حال تعثره ويُسجل لدى البنك المركزي.
أما المدير التنفيذي لإحدى شركات التمويل الاستهلاكي البارزة، قال: "الشركات مبتحبسش حد"، مبينًا أن "الرقابة المالية" تحظر اللجوء لتلك الممارسات.
ويذكر لـ"مصراوي" أن التخلّف عن السداد يقتصر على إدراج اسم العميل بقائمة (آي سكور)، و"دي عقوبة متّبعة"، حسب وصفه.
الباحث بالأسواق المالية أحمد سليمان، يقول إن الشركات تمنح فترة سماح تصل لـ3 أشهر قبل رفع دعاووى قضائية ضد المتعثرين، "وبينتهي الأمر بالجدولة لتحصيل مستحقاتها.. الشركات من هتستفيد حاجة من سجن العميل"، حسب وصفه.
يذكر سليمان لـ"مصراوي" أن بعض الشركات تفرض غرامات يومية عند تأخّر السداد تصل لـ1% من قيمة المنتج، ويروي: "فيه عميل اشترى ماكينة حلاقة بـ500 جنيه وسدد 3 آلاف جنيه عشان اتأخّر في السداد".
الخبير القانوني بسام أبو جازية، يقول إن عقود شركات التمويل تعد "عقد اتفاق" يحدد القيمة والفائدة ومواعيد السداد والجزاءات، لحفظ حقوق الطرفين، حسب تصريحه.
أبو جازية يضيف لـ"مصراوي" أن عميل التمويل الاستهلاكي يوقّع عادة إيصالات أمانة قد تكون على بياض باسمه أو باسم الضامن.
يتابع: "الأحكام لما بتصدر ضد العميل المتعثر بتكون حضورية أو غيابية، وفيه شركات بتفضّل إعلان العميل قانونيًا وإدارة التنفيذ في المحكمة بتحجز على ممتلكاته".
أبو جازية يذكر أن بعض الشركات تستخدم "سند لأمر" أو "كمبيالة" بدلًا عن إيصال الأمانة في المعاملات ذات التمويل طويل الأجل، كالسيارات أو الأجهزة.


غرامات دون قوة شرائية


سليمان يوضح أن متوسط فوائد التمويل الاستهلاكي تختلف بين شركة وأخرى وفق النشاط والمخاطر، ولكنها تصل في المتوسط إلى 30% من سعر السلعة، وهي "مرتفعة نسبيًا"، حسب وصفه.
على حائط فيسبوك، تحكي نجلاء عبد المقصود (38 عامًا)، موظفة خدمة عملاء بشركة خاصة، قصتها مع التمويل الاستهلاكي، لشراء غسالة وثلاجة.
"من غير مقدّم.. قسّط على 24 شهر بدون فوايد"، تقول لـ"مصراوي" إن الإعلان كان مغريًا، وتضيف: "لقيت إنذار قضائي بعد 6 شهور جاي لي من المحكمة بوجود متأخرات مع إني بسدّد، واكتشفت إنها رسوم إدارية مكتوبة في بنود بخط صغير في ضهر العقد".
حصل أحمد محسن (29 عامًا)، مندوب مبيعات بشركة أدوات كهربائية، على تمويل لشراء دراجة نارية، ولم تُطلب منه مستندات سوى صورة الرقم القومي وضامن فقط، ويزعم التزامه بالسداد لفترة طويلة، ولكن تخلّفه بعد زيادة الأسعار المستمرة وتراجع عمولاته.

هل يتوسع التمويل الاستهلاكي على حساب العميل؟

أبو جازية يقرر أن الشركات لها حق مطالبة العميل بتعويض خسائرها لتأخر سداده، رغم تحصيلها الفوائد، "الأحكام القضائية ممكن تضاعف المبلغ الأصلي 4 مرات بسبب تراكم الفوائد وغرامات التأخير" يقول الخبير القانوني.
أما سليمان فيرى أن التمويل الاستهلاكي يدعم القوة الشرائية لمن يفضلون التقسيط لاستتثمار فائض أموالهم، ويضيف: "بس سوء استخدامه بيكون عبء.. العميل بيسدّد تمن السلعة 3 أو 4 مرات".
عائشة نويتو، المحلل المالي بشركة تمويل استهلاكي، تقول إن شركات التمويل الاستهلاكي تقيّم الملاءة المالية للعميل، عبر دراسته ائتمانيًا بضوابط "الرقابة المالية" من خلال مستندات إثبات الدخل ومفردات الراتب وكشف الحساب البنكي.
تنفي نويتو لـ"مصراوي" وجود أي شركات تخفّف إجراءات منح التمويل الاستهلاكي، متعجبة: "دا بيضيفوا ضوابط احترازية جديدة".
سليمان يرد على نويتو بذكر أن بعض الشركات تتعامل بضمانات صورة الرقم القومي فقط، بينما تشترط كيانات أخرى ضامنًا أو ضمانًا عقاريًا للسلع الثمينة فقط.
ويرى سليمان أن الدخول المتدنية للمواطنين هي من دفعت القطاع للتوغل داخل المجتمع لتلبية حاجات الناس في ظل العوز.
بينما يرى الفقي أن شركات التمويل الاستهلاكي تنمو بسبب احتياجات المستهلكين، مبينًا أن ارتفاع عدد العملاء إلى 12 مليون لا يعني أن كلهم جدد، بل يشمل من أعادوا استخدام أرصدتهم التمويلية.
تمكنت سارة محمود (30 عامًا)، طبيبة أسنان، وزوجها تامر زكريا (33 عامًا)، مهندس مدني، تأثيث شقتهما من شركات التمويل الاستهلاكي عبر التقسيط على سنتين.
"مكنّاش هنكمل لولا التقسيط"، يقول الزوج لـ"مصراوي"، مضيفًا: "الأمور محتاجة تتحسب صح بس".
أما الموظفة المصرفية هدى عبد الرحيم (42 عامًا)، لم تعرف أن بإمكانها تقسيط مصروفات مدرسة طفليها إلا قبل عامين فقط رغم عملها بالبنوك منذ 15 عامًا.
"حاليًا بستثمر جزء من دخلي في شهادات بنكية، والعائد منها بيغطي فارق أقساط التمويل الاستهلاكي، ودي طريقة معروفة لإدارة السيولة"، حسب وصفها.



ما سبب الإقبال على التمويل الاستهلاكي؟


الفقي يقول إن الدولة أنشأت إطارًا قانونيًا لشركات التمويل الاستهلاكي، واتجه التجار للتعاون معها لتحقيق مبيعات مستدامة طوال العام، وهكذا ارتفع عدد الشركات من نحو 20 قبل عامين إلى 47 حاليًا.
وحسب "الرقابة المالية"، فإن عدد شركات اتحاد التمويل الاستهلاكي 35، فيما رخصت "الرقابة المالية" بممارسة النشاط لـ12 شركة إضافية بجانب أعمالها الأخرى.
الدكتور صلاح الدين فهمي، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر والمستشار الأكاديمي لمعهد الجزيرة للحاسب الآلي ونظم المعلومات الإدارية، يقول إن التمويل الاستهلاكي يصنع "استهلاكًا غير عادي" ويصنع اقتصادًا مستهلكًا.
ويضيف لـ"مصراوي" أن ارتفاع النفقات وتآكل الدخل يؤدي للتقسيط الذي يخلّف "تراكم المديونية".
بينما يتابع سليمان أن الحد الأدنى للأجور غير متناسب وأسعار السلع، ما يدفع الأسر لاعتماد التقسيط تلبيةً لاحتياجاتهم.
أما نويتو، فتقول إن التمويل الاستهلاكي أصبح سلوكًا أساسيًا، "فيه ناس كتيرة جدًا بتحتفظ بسيولتها واستثماراتها بسببه" تقول، وتضيف أن المستثمرين يستفيدون من القيمة الزمنية للنقود، حسب وصفها، بينما يموّلون شئونهم في التعليم والسكن والتشطيب بالتقسيط.
استطلع "مصراوي" رأي 43 من سكان مجمع سكني راقٍ بالقاهرة الجديدة بمساعدة مسئول مجموعة "واتساب" الخاصة بالكومباوند.
والسؤال: "ليه بتاخد/ي تمويل استهلاكي؟".
الفئات الميسورة تفضّل تمويل السيارات بنسبة 25.6%، بينما جاء التعليم والجامعات بحصة 18.6%، وأبدى 14% إقبالهم على تشطيبات ورفاهية السكن، بينما 11.6% يعتمدونه تكتيكًا استثماريًا للاحتفاظ بالسيولة، وذات النسبة يستخدمونه لشراء الهواتف والألعاب، ويعتمد 9.3% عليه في الرحلات، وتستخدمه ذات النسبة لشراء المجوهرات ومستحضرات التجميل.



الاستهلاك للمظهر

الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، تقول إن جانبًا من التمويل الاستهلاكي ضروري مثل شراء الأجهزة وتأثيث المنازل، مضيفة لـ"مصراوي" أن الشق الأخطر، حسب وصفها هو "الداعم للرفاهيات والكماليات، كالرحلات وعمليات التجميل".
وتتابع أن تأثّر الأسر بالإعلام الزائف، يدفع الأفراد لتقليد حياة المنتجعات بالاستدانة، للعيش في "فقاعة مظهر"، ما يؤدي لزيادة الديون.
تذكر نويتو أن مفهومها عن "الاحتياج الأساسي" يتباين وفق الأولويات والطروف، إذ ترى أن التعليم أولوية للبعض والزواج أولوية لآخرين وكذلك السفر أو تشطيب المنازل، وتضيف: "التضخم خلّاه خيار منطقي مش ترف".
"الشركات ميهمّهاش العميل هيصرف التمويل في إيه.. اللي يم الشركات الجدارة الائتمانية للعميل بس" تقول نويتو، وتضيف: "شراء هاتف أو السفر أو التعليم كلها سواء".
أما الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، يقول إن التمويل الاستهلاكي يغيّر ثقافة الشراء لـ"الاستهلاك للمظهر" بالاستدانة لتلبية متطلبات لا تناسب الأسرة العادية، كمساحيق تجميل وملابس غير مهمة حسب حديثه لـ"مصراوي".
بينما تتصفح مي خالد (29 عامًا) هاتفها للبحث عن لابتوب لاستخدامه في عملها، ظهر أمامها إعلان "بلاك فراي داي": "قسّط دلوقت من موبايلك".
ربطت مي حسابها البنكي بالمنصة المعلنة واختارت عدد الأقساط، ووصلها إشعار الموافقة في الحال، وتسلّمت اللابتوب من متجر مشارك بالخدمة، بعد يوم دون عوائق.
الفقي يقول إن التكنولوجيا المالية نقطة تحوّل في التمويل الاستهلاكي، موضحًا أن الحصول على قرض أصبح ممكنًا خلال دقائق عبر المنصات الرقمية.
ويذكر الفقي أن التمويل الاستهلاكي يكمّل البنوك ولا ينافسها، "الشركات بتاخد تمويلاتها من البنوك.. يبقى ازاي بتنافسها؟"، ويشير إلى أن الشركات تمتاز بالمرونة وسرعة الوصول لشرائح يصعب الوصول إليها بالقرى الريفية.
تذكر نويتو أن التمويل الاستهلاكي يواجه الغلاء، حسب وصفها، مسبببة ذلك بأن الغلاء يصيب السوق بركود، بينما ينشّط التقسيط حركة البيع ويدوّر رأس المال بين التاجر والمستهلك.
في تحليل إحصائي أجراه "مصراوي" مستعينًا بـ61 عميلًا للتمويل الاستهلاكي على "فيسبوك" حول رأيهم عن القطاع، بعد التأكد من حساباتهم ومعلوماتهم وصورهم الشخصية، تبيّن أن 4.9% من العينة "راضون" ويعدون التمويل وسيلة عادية وليست سلبية، ولكن 32.8% غير راضين بعد خوض التجربة، بينما بلغت نسبة غير الراضين المتعاملين مع التمويل رغم رفضهم له 16.4%.



سددت نجلاء عبد المقصود ضعف سعر أجهزتها تقريبًا، وما زال عليها 6 أقساط أخرى، بينما انتهى حال أحمد محسن ضمن قوائم العملاء المتعثرين، إلا أن مي خالد حصلت على لابتوب لم تمتلك إلا نصف ثمنه فقط، أما محمد عبد السلام فما زال ينتظر نتائج التسوية الودية مع الشركة قبل جلسة محاكمته القادمة.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان