بعد التهدئة بين إيران وأمريكا.. هل تتجه الحكومة لخفض أسعار الوقود؟
كتب : أحمد الخطيب
أسعار النفط العالمية
في ظل التراجع النسبي الذي شهدته أسعار النفط عقب اتفاق التهدئة بين إيران والولايات المتحدة، تتزايد التساؤلات حول مدى انعكاس هذا الانخفاض على أسعار الوقود في السوق المحلية، خاصة بعد الزيادات الأخيرة التي أقرتها الحكومة خلال مارس الماضي، في وقت كانت فيه الأسواق العالمية تشهد موجة صعود حادة.
تفاعل سريع للأسواق العالمية مع التهدئة.. هبوط حاد في أسعار النفط
وسجلت أسعار النفط تراجعًا ملحوظًا في أول رد فعل مباشر على التهدئة، حيث انخفض خام برنت بنسبة 16% ليصل إلى نحو 93 دولارًا للبرميل، قبل أن يعاود الاستقرار عند 95.05 دولار، مسجلًا تراجعًا إجماليًا بلغ 13.01%.
كما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنحو 19% ليسجل حوالي 92 دولارًا، قبل أن يستقر عند 95.5 دولار، بنسبة انخفاض بلغت 13.7%، وفقًا لبيانات وكالة بلومبرج، في مؤشر واضح على حساسية الأسواق لأي تطورات سياسية في المنطقة.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أن هذه التراجعات لا تعني بالضرورة اتجاهًا فوريًا لخفض أسعار الوقود محليًا، مؤكدًا أن خفض الأسعار في الوقت الحالي "غير مطروح"، حتى مع الانخفاض النسبي في الأسعار العالمية، في ظل غياب استقرار حقيقي يمكن البناء عليه في قرارات التسعير.
وأوضح أنيس أن ما يحدث في سوق النفط حتى الآن لا يزال في إطار تحركات غير مستقرة، تعكس تأثيرات مؤقتة مرتبطة بالهدنة، وليس تحولًا هيكليًا في ميزان العرض والطلب، وهو ما يجعل من المبكر الحديث عن أي قرارات تخفيض حقيقية.
وفي ضوء هذه الرؤية، تعود الخلفية إلى قرارات وزارة البترول والثروة المعدنية في 10 مارس الماضي، والتي شهدت رفع أسعار عدد من المنتجات البترولية، حيث ارتفع سعر بنزين 95 من 21 إلى 24 جنيهًا للتر، وبنزين 92 من 19.25 إلى 22.25 جنيه، وبنزين 80 من 17.75 إلى 20.75 جنيه، كما زاد سعر السولار من 17.5 إلى 20.5 جنيه للتر، إلى جانب زيادة أسعار أسطوانات البوتاجاز وغاز تموين السيارات.
ويربط أنيس هذه القرارات بالسياق العالمي الذي كانت تتحرك فيه الأسواق آنذاك، مشيرًا إلى أن رفع الأسعار جاء في توقيت تجاوز فيه خام برنت مستوى 119 دولارًا للبرميل، نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي، ودفع الحكومة إلى تحريك الأسعار لتخفيف الضغط على الموازنة.
وشدد أنيس على أن أي خفض محتمل للأسعار - إذا تم - سيكون محدودًا للغاية وذو طابع "سياسي"، على غرار ما حدث خلال جائحة كورونا، عندما تم تقليل الأسعار بشكل رمزي دون تأثير جوهري على هيكل التكلفة، مؤكدًا أن التخفيض الحقيقي يتطلب توافر شروط اقتصادية غير متحققة حتى الآن.
وأضاف أن الرؤية الاقتصادية تفرض عدم التسرع في خفض الأسعار، موضحًا أن استمرار تراجع النفط لفترة قصيرة لا يكفي لاتخاذ قرار، في ظل بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة مقارنة بما قبل الأزمة، لافتًا إلى أن المعيار الحقيقي يتمثل في عودة سعر البرميل إلى نحو 60 دولارًا، واستقراره عند هذا المستوى لفترة زمنية كافية.
وفيما يتعلق بتكلفة الدعم، كشف أنيس عن قفزة كبيرة في فاتورة دعم الطاقة، حيث ارتفع إجمالي الدعم من نحو 250 مليار جنيه قبل الأزمة إلى نحو 500 مليار جنيه حاليًا، نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا.
وأوضح أن هذا الرقم يشمل الدعم المباشر للمواد البترولية، إلى جانب الدعم غير المباشر لقطاع الكهرباء، الذي يحصل على الوقود بأسعار أقل من تكلفته الفعلية.
وأكد أنيس أن الأولوية في الفترة الحالية ليست خفض الأسعار، بل تعويض الفجوة التمويلية التي تكبدتها الدولة خلال فترة ارتفاع الأسعار، مشيرًا إلى أنه حتى في حال تراجع النفط إلى 60 دولارًا، فإن ذلك لا يعني تمرير الانخفاض مباشرة إلى المستهلك، بل يجب أولًا استيعاب الخسائر التي تحملتها الموازنة.
كما شدد على أن الوصول إلى "صفر دعم" يظل الهدف الأهم على المدى المتوسط، موضحًا أنه لا ينبغي خفض الأسعار إلا بعد تحقيق التوازن الكامل في دعم الطاقة، خاصة أن مستويات الدعم حتى قبل الأزمة كانت تمثل ما بين 15% إلى 20% من إجمالي الاقتراض الحكومي السنوي.
وأكد أنيس على أن الإبقاء على الأسعار الحالية يمثل الخيار الأكثر منطقية في الوقت الراهن، في ظل استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، واتساع فجوة دعم الطاقة، مشيرًا إلى أن أي تحركات مستقبلية ستظل مرهونة بتحقيق استقرار حقيقي ومستدام في أسعار النفط، وليس مجرد تراجعات مؤقتة مرتبطة بالتطورات السياسية.
اقرأ أيضًا:
النفط تحت ضغط الهدنة.. وخبراء يحذرون من "قفزات جنونية" حال التصعيد
اقرأ أيضًا: بعد وقف الحرب.. تراجع كبير في أسعار النفط والأسواق تتجه للاستقرار