النفط تحت ضغط الهدنة.. وخبراء يحذرون من "قفزات جنونية" حال التصعيد
كتب : أحمد الخطيب
أسعار النفط
شهدت أسواق النفط تحركًا سريعًا ومكثفًا عقب التهدئة بين إيران والولايات المتحدة، في مشهد يعكس حالة من الارتياح المؤقت لدى المستثمرين، لكنه في الوقت نفسه يبرز هشاشة هذا الاستقرار، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية المرتبطة بأمن إمدادات الطاقة، خاصة في منطقة الخليج ومضيق هرمز.
وبين تراجع الأسعار بشكل حاد فور الإعلان عن الهدنة، وتباين تقديرات الخبراء لمسار المرحلة المقبلة، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين استقرار تدريجي أو عودة موجات التصعيد.
في هذا السياق، سجلت أسعار النفط تراجعًا ملحوظًا في أول رد فعل مباشر على التهدئة، حيث انخفض خام برنت بنسبة 16% ليصل إلى نحو 93 دولارًا للبرميل، قبل أن يعاود الاستقرار عند 95.05 دولار، مسجلًا تراجعًا إجماليًا بلغ 13.01%.
كما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنحو 19% ليسجل حوالي 92 دولارًا، قبل أن يستقر عند 95.5 دولار، بنسبة انخفاض بلغت 13.7%، وفقًا لبيانات وكالة بلومبرج، وهو ما يعكس سرعة تفاعل الأسواق مع أي إشارات سياسية تتعلق بمسارات الصراع.
أجمع خبراء بقطاع الطاقة واقتصاديون، خلال حديثهم مع "مصراوي"، على أن التهدئة بين إيران والولايات المتحدة منحت أسواق النفط دفعة هبوطية سريعة، لكنها لا تعكس تحولًا هيكليًا في السوق بقدر ما تعبر عن تحسن مؤقت في معنويات المستثمرين.
وأكدوا أن المرحلة الحالية تظل مرهونة بنتائج المسار السياسي، حيث تتحرك الأسعار في نطاقات متباينة وفقًا لسيناريوهين رئيسيين: الأول يتمثل في استمرار التهدئة والتوصل إلى اتفاق شامل، بما يدفع الأسعار إلى مستويات 70-80 دولارًا للبرميل مع عودة التوازن للإمدادات، بينما يرتبط السيناريو الثاني باحتمالات فشل المفاوضات أو تجدد التصعيد، وهو ما قد يعيد الأسعار إلى ما فوق 100 دولار، بل ويدفعها إلى مستويات قياسية حال تأثر البنية التحتية أو تعطلت الملاحة في مضيق هرمز.
قال الدكتور أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، إن ما حدث في الأسواق لا يعكس تحولًا حقيقيًا في أساسيات العرض والطلب بقدر ما يعبر عن "هبوط معنوي" مدفوع بتحسن نفسية المستثمرين عقب إعلان التهدئة.
وأشار إلى أن الأسواق استجابت بشكل فوري للأخبار الإيجابية، رغم أن العوامل الفعلية المؤثرة في السوق، وعلى رأسها حركة الإمدادات وسلاسل النقل، لم تستعد عافيتها الكاملة بعد.
وأضاف أن حركة السفن في المنطقة لا تزال تسير بحذر، في ظل غياب اتفاق نهائي يضمن استقرار الملاحة، وهو ما يعني أن التأثير الواقعي للأحداث لم ينعكس بالكامل على السوق حتى الآن.
في المقابل، يرى الدكتور جمال القليوبي أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن المرحلة الحالية تمثل "منطقة ترقب مفتوحة"، حيث لا يمكن الجزم باتجاه واضح للأسعار في ظل استمرار التفاوض دون نتائج نهائية.
وأكد أننا نعيش مرحلة انتقالية قد تنتهي إلى التهدئة المستدامة أو تعود إلى التصعيد، وفي كلا الحالتين ستظل القيود على حركة الملاحة قائمة بدرجات متفاوتة، خاصة في مضيق هرمز، مع استمرار اشتراط التنسيق لعبور السفن.
ولفت إلى أن هذه الأوضاع من شأنها أن تدعم بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبيًا، موضحًا أن النطاق المتوقع للأسعار في المدى القصير يتراوح بين 95 و110 دولارات للبرميل، لحين اتضاح الرؤية بشأن نتائج المفاوضات.
تحذير من سيناريو التصعيد: النفط قد يقفز إلى 170 دولارًا مع استهداف البنية التحتية
وفي قراءة أكثر تشددًا، حذر القليوبي من أن فشل المسار التفاوضي قد يفتح الباب أمام تصعيد واسع النطاق، يمتد إلى استهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة، بما يشمل موانئ التصدير وخطوط الأنابيب والمنشآت الحيوية.
وأوضح أن مثل هذا السيناريو قد يؤدي إلى تعطيل تدفقات النفط العربية إلى الأسواق العالمية، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية تصل إلى 170 دولارًا للبرميل، في قفزة وصفها بأنها “جنونية” نتيجة اختلال حاد في ميزان العرض.
كما أشار القليوبي إلى تطور لافت في المعادلة، يتمثل في ارتفاع سعر برميل النفط داخل الولايات المتحدة إلى نحو 113 دولارًا، متجاوزًا سعر خام برنت العالمي، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها واشنطن في تأمين احتياجاتها من الوقود.
وأوضح أن الولايات المتحدة، رغم إنتاجها نحو 13 مليون برميل يوميًا، لا تزال تستهلك ما يقرب من 20 مليون برميل، ما يضطرها إلى استيراد نحو 7 ملايين برميل يوميًا، إلى جانب الاعتماد على مخزونها الاستراتيجي.
وأضاف القليوبي أن هذا المخزون تم استخدامه بالفعل خلال فترات سابقة، ولم يعد بالإمكان فتحه بنفس الوتيرة، ما يعني أن أي نقص إضافي سيُعوض عبر الشراء من السوق العالمية بأسعار مرتفعة، وهو ما ينعكس في النهاية على معدلات التضخم داخل الاقتصاد الأمريكي.
تدفق الإمدادات يعيد التوازن مؤقتًا.. والاتجاه مرهون بعودة الملاحة الكاملة
من ناحية أخرى، قدم الدكتور ثروت راغب أستاذ هندسة البترول والطاقة رؤية أكثر ارتباطًا بحركة الإمدادات الفعلية، مشيرًا إلى أن التهدئة الأخيرة، التي جاءت بوساطات إقليمية، ساهمت في عودة جزئية لحركة السفن عبر مضيق هرمز، بعد فترة من التوقف أو التباطؤ.
وأوضح أن وجود أكثر من 1000 سفينة في حالة انتظار يمثل عامل ضغط هبوطي على الأسعار خلال الفترة القصيرة المقبلة، حيث سيؤدي تدفق هذه الشحنات إلى زيادة المعروض تدريجيًا في الأسواق.
وأضاف راغب أن هذا التدفق قد يدفع الأسعار إلى التراجع بشكل تدريجي من مستويات 94 دولارًا إلى 93 دولارًا، ثم إلى نطاق 80–85 دولارًا خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، مع استيعاب السوق للكميات المتراكمة. لكنه شدد على أن هذا السيناريو يظل هشًا ومؤقتًا، إذ إن أي عودة للتصعيد ستؤدي إلى انعكاس سريع في الاتجاه وعودة الأسعار إلى الارتفاع.
وفي إطار السيناريوهات الأكثر تفاؤلًا، توقع راغب أن يؤدي التوصل إلى اتفاق كامل وعودة الاستقرار السياسي إلى إعادة توازن السوق خلال فترة تتراوح بين شهر وشهرين، بحيث تنخفض الأسعار إلى نحو 80 دولارًا في البداية، ثم تستقر في نطاق 70–80 دولارًا، وهو نفس المستوى الذي كانت تتحرك فيه قبل اندلاع التوترات.
ويتقاطع هذا الطرح مع ما أشار إليه الدكتور أحمد معطي، الذي أوضح أن أي إجراءات إضافية مثل فرض رسوم مرور من جانب إيران، في حال تنفيذها، لن يكون لها تأثير كبير على الأسعار، متوقعًا أن تظل الزيادات محدودة في نطاق دولار إلى دولارين للبرميل، نتيجة توزيع التكلفة على إجمالي الإنتاج العالمي، وهو ما يقلل من حدتها.
ما يحدث هدنة مؤقتة لا اتفاق سلام.. والأسعار بين 90 و100 دولار
وفي السياق ذاته، أكد الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أن توصيف الوضع الحالي باعتباره "سلامًا" أو "وقفًا كاملًا لإطلاق النار" يعد مبالغة، موضحًا أن ما يحدث أقرب إلى هدنة مؤقتة تتيح مساحة للتفاوض، مع استمرار بعض العمليات بشكل جزئي.
وأشار إلى أن أسعار النفط خلال فترة العمليات العسكرية ظلت فوق مستوى 100 دولار للبرميل، متوقعًا أن تتحرك خلال فترة التهدئة الحالية في نطاق 90 إلى 100 دولار.
وأضاف أنيس أن اتجاه الأسعار بعد الأسبوعين المقبلين سيظل مرهونًا بنتائج المسار السياسي، موضحًا أنه في حال التوصل إلى اتفاق شامل وفتح مضيق هرمز بشكل كامل، قد تنخفض الأسعار إلى حدود 80 دولارًا، بينما في حال استئناف العمليات العسكرية وإعادة إغلاق المضيق، فمن المرجح أن تعود الأسعار إلى مستويات تفوق 100 دولار للبرميل.
في المجمل، تعكس تحركات سوق النفط الحالية حالة من التوازن الدقيق بين عوامل نفسية تدفع الأسعار للهبوط مؤقتًا، ومخاطر جيوسياسية كامنة قد تعيدها للارتفاع سريعًا.
وبين سيناريوهات تتراوح من الاستقرار عند مستويات منخفضة نسبيًا إلى قفزات حادة في حال التصعيد، يظل العامل السياسي هو المحرك الرئيسي لاتجاهات السوق خلال المرحلة المقبلة، في ظل غياب رؤية نهائية لمآلات الأزمة.
اقرأ أيضًا:
بعد وقف الحرب.. تراجع كبير في أسعار النفط والأسواق تتجه للاستقرار
وزراء بلا رواتب.. كيف تقشفت الدول للتكيف مع تبعات حرب أمريكا وإيران؟