تزوير ونفقة وانتقام.. قصة 30 يومًا من الرعب عاشتها "يسرا ويمنى" بأسيوط
كتب : محمود عجمي
يسرا ويمنى
خلف القضبان الباردة لقفص الاتهام داخل قاعة محكمة جنايات أسيوط، جلست "يسرا"، طالبة الفرقة الرابعة بكلية التجارة، وبجوارها شقيقتها الصغرى "يمنى"، التي لا تزال تتلمس طريقها في مرحلة الثانوية العامة.
كانت الأيادي ترتجف وهي تعانق صفحات المصحف الشريف، تتلو آيات الله، بينما كانت العيون معلقة بالسماء، ترقب عدالةً تنقذ مستقبلًا كاد أن يتبدد خلف أسوار السجن. ثلاثون يومًا من الرعب عاشتها الشقيقتان خلف أسوار الحبس، ثمنًا لخلافات أسرية لم تكونا طرفًا فيها سوى كأداة.
في تلك اللحظات، لم تكونا مجرد متهمتين بتزوير أوراق رسمية، بل كانتا ضحيتين لصراع أسري لم تختاراه؛ صراع بين أب وأم انتهت علاقتهما داخل محاكم الأسرة، لتُستخدم الابنتان في قضايا النفقة عبر مستندات مزورة تخص مفردات راتب الأب.
في الخارج، امتلأت قاعة المحكمة بالحضور، حيث تواجد زملاء وأصدقاء جاءوا لدعم الفتاتين في أصعب لحظات حياتهما. وعلى مقاعد القاعة، جلس الأب، صاحب المستندات محل الاتهام، بينما جلست الأم في الجانب المقابل من القاعة.
صرخة أب داخل قاعة العدالة
وما إن نادى الحاجب بـ"محكمة"، حتى ساد صمت مهيب أرجاء القاعة، واعتلت هيئة الدائرة الثانية الاستئنافية المنصة، لبدء نظر الجلسة الحاسمة في مصير الشقيقتين، بعد حكم أول درجة بالسجن المشدد ثلاث سنوات.
وتقدم الأب بخطوات ثابتة نحو منصة القضاء وطلب الإدلاء بشهادته، مؤكدًا أنه يقف أمام المحكمة لا كخصم، بل كأب. وقال بصوت يملؤه الأسى: «حضوري اليوم واجب قانوني وأخلاقي، أنا هنا لأدافع عن ابنتيّ رغم كونهما متهمتين، وما حدث كان استغلالًا في نزاع أسري لا ذنب لهما فيه».
حكم نهائي ينهي المأساة
أسدلت الدائرة الثانية الاستئنافية بمحكمة جنايات أسيوط، اليوم الأحد، الستار على القضية المعروفة إعلاميًا بـ«تزوير مفردات راتب الأب»، حيث قضت بقبول الاستئناف شكلًا، وفي الموضوع بتعديل حكم أول درجة، والاكتفاء بحبس الشقيقتين سنة واحدة مع إيقاف التنفيذ الشامل لجميع العقوبات، بعد مرور 30 يومًا على حبسهما.
أجواء إنسانية داخل القاعة
شهدت الجلسة أجواءً إنسانية مؤثرة، حيث جلس الأب لدعم ابنتيه داخل القفص الحديدي، بينما تواجدت الأم في الجهة المقابلة. وسادت حالة من الصمت والترقب بين الحضور، وسط وجود مكثف من زملاء الفتاتين وأصدقائهما، فيما التزمت الشقيقتان بتلاوة القرآن.
شهادة الأب ودعمه لابنتيه
أكد الأب أمام هيئة المحكمة أن الفتاتين وقعتا ضحية استغلال داخل أزمة الخلافات الأسرية، بهدف الضغط عليه في قضايا النفقة، مشددًا على دعمه الكامل لهما، واعتبار ما حدث وسيلة ضغط غير قانونية.
دفوع الدفاع وانتفاء القصد الجنائي
استند دفاع الشقيقتين إلى انتفاء أركان جريمة الاشتراك في التزوير، وعدم علمهما بطبيعة المستندات المزورة، إضافة إلى تناقضات في أقوال الأب وتحريات القضية، بما ينفي توافر القصد الجنائي.
رأفة المحكمة وإخلاء السبيل
وأشاد الدفاع بحكم المحكمة التي أخذت بالرأفة مراعاة لصغر سن المتهمتين ومستقبلهما الدراسي، مؤكدًا أن إيقاف التنفيذ يزيل الآثار الجنائية ويمهد لإخلاء سبيلهما وعودتهما للحياة الطبيعية.
تفاصيل البلاغ وبداية الأزمة
تعود القضية إلى بلاغ من الأب، الموظف بقطاع الكهرباء، اتهم فيه طليقته وابنتيه بتقديم مستندات مزورة لمفردات راتبه أمام محكمة الأسرة لزيادة قيمة النفقة.
وأكدت التحريات أن المتهمة الرئيسية استعانت بشخص مجهول لتزوير المستندات.
حكم أول درجة وموقف الأم
كانت محكمة الجنايات قد قضت في أول درجة بالسجن المشدد ثلاث سنوات على الفتاتين حضوريًا، وغيابيًا على الأم، قبل أن تبدأ إجراءات إعادة محاكمتها في جلسات لاحقة.
رسالة إنسانية من داخل القضية
اعتبر الدفاع أن القضية تمثل تحذيرًا من خطورة إقحام الأبناء في النزاعات الأسرية، مؤكدًا ضرورة تشديد الرقابة على المستندات الرسمية لحماية المجتمع من التلاعب والتزوير.