ريف فرنسي على أرض مصرية.. سر القرميد الأحمر وحكاية الفلل التاريخية في بورفؤاد
كتب : طارق الرفاعي
-
عرض 10 صورة
-
عرض 10 صورة
-
عرض 10 صورة
-
عرض 10 صورة
-
عرض 10 صورة
-
عرض 10 صورة
-
عرض 10 صورة
-
عرض 10 صورة
-
عرض 10 صورة
-
عرض 10 صورة
ما إن تعبر إلى بورفؤاد عبر المعدية الصغيرة التي تشق مياه قناة السويس بين ضفتيها، حتى تشعر بأنك خرجت من الجغرافيا المعتادة ودخلت مدينة لا تشبه المدن المصرية التي تعرفها.
لا هوية بصرية معتادة، ولا عمارات إسمنتية متراصة في مدخلها، بل شوارع هادئة تتسلل بينها الأشجار، وفلل صغيرة أنيقة تبدو وكأنها اقتُطعت من قرية فرنسية قديمة ثم أُلقي بها على ضفة القناة.
المدينة التي تعيش في آسيا
تقف بورفؤاد على الضفة الشرقية للمجرى الملاحي لقناة السويس، لتصبح الجزء الآسيوي الوحيد من محافظة بورسعيد، بينما تستقر بقية أحياء المحافظة داخل قارة أفريقيا، لتُمنح المدينة روحًا خاصة، وكأنها نقطة التقاء بين قارتين، وبين ثقافتين، وبين زمنين مختلفين.
حكاية بدأت قبل قرن
خلف الهدوء الذي يكسو شوارع مدخل المدينة، تختبئ حكايات عمرها يقارب المئة عام، ففي عام 1926، وبعد سنوات من افتتاح قناة السويس، شيّد الفرنسيون هذه الفلل الصغيرة لإقامة المهندسين والخبراء الأجانب العاملين بالقناة .. ومنذ ذلك الوقت، تحولت المنطقة إلى حي كامل بطابع أوروبي واضح، ظل محافظًا على ملامحه حتى اليوم رغم مرور العقود.
سر القرميد الأحمر
أكثر ما يلفت نظرك في فلل بورفؤاد هو ذلك اللون الأحمر الدافئ الذي يعلو الأسطح والجدران.
إنه حجر "القرميد الأحمر"، المادة التي اختارها الفرنسيون لبناء المنازل بسبب قدرتها على مقاومة الرطوبة والملوحة القادمة من البحر والقناة، فلا تتآكل بسهولة مع الزمن.
ولم يكن القرميد مجرد مادة بناء، بل تحول مع الوقت إلى هوية بصرية للمدينة، حتى صار اللون الأحمر جزءًا من ذاكرة المكان وروحه.
ريف فرنسي في قلب القناة
لم يتوقف الأمر عند مظهر جمالي خارجي، بل إن الفلل تجدها متراصة في نظام هندسي هادئ، تتشابه في الارتفاع والشكل، وكأنها نسخ متجاورة من بيت فرنسي قديم، لها أسوار خشبية بيضاء منخفضة، وحدائق صغيرة تتناثر فيها الأشجار المثمرة، وأسقف هرمية تمنح البيوت ملامح أوروبية واضحة، وعندما تسير في تلك الشوارع الضيقة، يصعب أن تصدق أنك لا تزال داخل مدينة مصرية.
بيوت صغيرة بأسرار كبيرة
ورغم المساحات المحدودة، فإن تصميم الفلل جاء عمليًا ودقيقًا، فالفيلا الواحدة تتكون من طابقين يربط بينهما سلم خشبي داخلي، بينما تضم كل غرفة بابين؛ أحدهما رئيسي، والآخر يؤدي إلى الغرفة المجاورة، في تصميم يعكس طبيعة الحياة الأوروبية القديمة وبساطة العمارة في عشرينيات القرن الماضي.
من مساكن للأجانب إلى بيوت للمصريين
استمرت الفلل كمساكن للمهندسين الأجانب حتى جاء قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ المدينة، بعدها خُصصت هذه الفلل للعاملين المصريين في هيئة قناة السويس بنظام إداري مؤقت حتى سن المعاش، فتحولت من رمز للوجود الأجنبي إلى جزء أصيل من ذاكرة المصريين العاملين بالقناة.
المدينة التي تحبها الكاميرات
هذا الاختلاف والطابع المميز، تسبب في أنه لم يكن غريبًا أن تتحول بورفؤاد إلى وجهة مفضلة لعشاق التصوير، فكل زاوية فيها تبدو كأنها بطاقة بريدية قديمة، لذلك يحرص الزوار على التقاط الصور التذكارية وسط الفلل والحدائق والشوارع الهادئة.
كما وجد صناع السينما والدراما في المدينة كنزًا بصريًا نادرًا، فاستخدموها لتصوير مشاهد يفترض أنها تدور في مدن أوروبية، مستفيدين من طابعها المختلف وسحرها الهادئ.
استراحة السادات.. البيت المغلق
وسط هذه الفلل المتشابهة، تختبئ واحدة تحمل قيمة تاريخية استثنائية، إذ خُصصت كاستراحة للرئيس الراحل محمد أنور السادات، ولا تزال الفيلا قائمة حتى اليوم، لكن أبوابها مغلقة أمام الزوار، فيما بقيت حاضرة في ذاكرة الفن المصري بعدما صُورت داخلها مشاهد من فيلم أيام السادات الذي جسد بطولته الفنان الراحل أحمد زكي.
مدينة لا تشبه أحدًا
يُردد كثيرون أن بورفؤاد "لا تشبه مصر" فهي ليست مجرد مدينة هادئة على ضفاف القناة، بل قطعة صغيرة من التاريخ الأوروبي عاشت طويلًا داخل الجغرافيا المصرية، محتفظة بملامحها القديمة، وروائح أشجارها، ولون قرميدها الأحمر الذي قاوم الزمن والملوحة والنسيان.