قصر الضباشية في واحة الخارجة.. أسرار أثرية وكنوز نادرة بالوادي الجديد -صور
كتب : محمد الباريسي
-
عرض 11 صورة
-
عرض 11 صورة
-
عرض 11 صورة
-
عرض 11 صورة
-
عرض 11 صورة
-
عرض 11 صورة
-
عرض 11 صورة
-
عرض 11 صورة
-
عرض 11 صورة
-
عرض 11 صورة
-
عرض 11 صورة
كشفَت منطقة قصر الضباشية الأثرية شمال واحة الخارجة في الوادي الجديد، عبر عقود من الحفائر والدراسات، عن جانب مهم من تاريخ الواحات المصرية، لكنها ما زالت -بحسب باحثين وأثريين- تحتفظ بأسرار أخرى لم تُبح بها بعد.
وتؤكد دكتورة حنان حجازي، رئيس قسم الآثار بجامعة الوادي الجديد، لـ"مصراوي" أن قصر الضباشية لا يمثل مجرد موقع أثري تقليدي، بل مساحة تاريخية متكاملة تعكس الحياة اليومية والطقوس الدينية والتحولات الاجتماعية التي عرفتها واحة الخارجة منذ عصور سحيقة.
جذور تاريخية
قالت حنان، إنه يعود قصر الضباشية في صورته الأشهر إلى العصر اليوناني الروماني، فيما تشير شواهد أثرية ودراسات أخرى إلى جذور أقدم تمتد إلى العصر البطلمي والقرن الأول قبل الميلاد.
وتحمل المنطقة اسمها الحديث نسبة إلى عائلة "ضباشة"، وهي من العائلات التي عاشت في واحة الخارجة، ويرتبط أصلها بطائفة "العزبان" ذات الامتداد المملوكي، والتي كانت تتولى مهام الحماية وتتفرغ لها، وتمنح هذه الخلفية اسم قصر الضباشية بعدًا اجتماعيًا وتاريخيًا يربط بين الذاكرة المحلية والتراث الأثري في الوادي الجديد.
بداية الحفائر وكشف الجبانة الأثرية
وقال الأثري محمد إبراهيم،ـ مدير الآثار المصرية بالوادي الجديد، لمصراوي، إن العمل الأثري المنظم في قصر الضباشية بدأ عام 1993، حين شرعت بعثة أثرية في الكشف عن مكونات الموقع، لتسفر الجهود عن العثور على جبانة تاريخية تضم 67 مقبرة أثرية، ما أكد مبكرًا أهمية قصر الضباشية كواحد من أبرز مواقع واحة الخارجة. وتشير المعطيات إلى أن المنطقة لم تكن مجرد جبانة، بل كانت مأهولة بالسكان حتى عام 1950، وهو ما يعزز فكرة الاستمرارية التاريخية للمكان داخل الوادي الجديد، ويمنح المكتشفات قيمة إنسانية تتجاوز حدود القطع الأثرية وحدها.
الاكتشاف الأبرز
وتابع إبراهيم: إنه في عام 1996، تحقق واحد من أهم الاكتشافات في قصر الضباشية، عندما جرى العثور على المقبرة 22، التي وصفتها المصادر بأنها من العلامات الفارقة في تاريخ الكشف الأثري داخل واحة الخارجة واحتوت المقبرة 22 على مومياء داخل تابوت خشبي في حالة ممتازة، ملفوفة بلفائف الكتان، مع نقوش زاهية وكتابات من كتاب الموتى تتناول العالم الآخر والثواب والعقاب وفكرة البعث في عقيدة المصري القديم.
كما ضمت المقبرة 22 تماثيل وأدوات معيشة وحليًا وأساور تعود وفقًا للقرائن إلى زوجة صاحب المقبرة، الذي وصف بأنه كان من أثرياء المنطقة، وتؤكد هذه المكتشفات أن المقبرة 22 ليست مجرد مدفن، بل وثيقة كاملة عن تفاصيل الحياة والمعتقدات في الوادي الجديد خلال تلك الحقبة.
تماثيل نادرة ومقتنيات استثنائية
ويضيف الخبير الأثري بهجت أحمد إبراهيم، مدير الآثار المصرية السابق بالوادي الجديد، أن قصر الضباشية شهد العثور على تمثال فريد من نوعه يمثل المتوفى في هيئة "ماكيت" أمام مجسم لمقبرته، تحرسه أربعة صقور على هيئة الإله حورس في الأركان الأربعة، كما كُشف عن تمثال نادر لزوجة المتوفى وهي تجلس القرفصاء في هيئة دعاء وابتهال للآلهة، إلى جانب وجوه بشرية ومجسمات صغيرة تجسد سكان المنطقة وأصدقاء المتوفى وزوجته، ومن بين القطع اللافتة أيضًا أدوات زينة ومكاييل مخروطية للحبوب كانت تستخدم كوحدات وزن أو حجم، وهو ما يبرز الجانب الاقتصادي واليومي داخل قصر الضباشية، وليس فقط بعده الجنائزي.
متحف الخارجة يعرض كنوز الموقع
وقال الأثري طارق القلعي، مدير متحف الوادي الجديد الأثري بمدينة الخارجة، لمصراوي، إنه مع تصاعد أهمية المكتشفات، أقامت وزارة الآثار معرضًا متخصصًا داخل متحف الخارجة لعرض كنوز قصر الضباشية، في خطوة اعتبرتها المصادر دعمًا قويًا لفكرة المتاحف الإقليمية في الوادي الجديد.
وأكد القلعي، أنه ويضم متحف الخارجة المومياء الكاملة والتابوت الخشبي والتمثال الفريد للمتوفى في هيئة "بتاح سوكر أوزير" بارتفاع 55 سنتيمترًا، إضافة إلى الحلي والأساور والمقتنيات الخاصة بـالمقبرة 22. ويمثل عرض هذه القطع في متحف الخارجة سابقة مهمة، لأن عرض مومياء كاملة داخل تابوت خشبي كان غالبًا ما يرتبط بالمتاحف الكبرى، بينما نجح متحف الخارجة في تقديم هذه التجربة داخل قلب واحة الخارجة.
أم المواجير
وقال محسن يونس، مدير تنشيط السياحة بالوادي الجديد، إنه لم تتوقف المفاجآت عند العصر اليوناني الروماني، ففي 22 أغسطس 2010 كشفت بعثة أثرية مصرية أمريكية عن بقايا منطقة سكنية وإدارية متكاملة في أم المواجير قرب واحة الخارجة، تعود إلى عصر الانتقال الثاني.
وأكد محسن، أنه عُثر على بقايا مبان ضخمة من الطوب اللبن، وممرات، ومخبز مزود بفرنين، وعجلة لصناعة الأواني، بما يشير إلى نشاط خدمي وإداري واسع النطاق، كما بينت الدراسات الأولية أن هذه المنطقة ظهرت منذ الدولة الوسطى واستمرت حتى الدولة الحديثة، وازدهرت خلال الأسرة الثالثة عشرة والفترة الانتقالية الثانية والأسرة السابعة عشرة، وتكشف هذه النتائج أن الوادي الجديد، وتحديدًا محيط واحة الخارجة، كان أكثر حيوية وتعقيدًا مما كان يُعتقد.
ويؤكد محسن، أن قصر الضباشية ما زال قادرًا على تقديم اكتشافات جديدة، في ظل استمرار الاهتمام الأثري والعلمي بالموقع، فالمكان يجمع بين المقابر واللقى الجنائزية والمقتنيات اليومية والشواهد السكنية، وهو ما يجعله مرآة حية لتاريخ واحة الخارجة وكنزًا مفتوحًا داخل الوادي الجديد.
وبين المقبرة 22 وما تضمه من أسرار، وما يقدمه متحف الخارجة للزوار، تبقى الحكاية الأهم أن قصر الضباشية ليس أثرًا صامتًا، بل سجلًا نابضًا لحياة مجتمع كامل تعاقبت عليه القرون.