كشف أثري يؤكد.. "البحيرة" قلعة صناعية قبل 2500 عام -صور
كتب : أحمد نصرة
-
عرض 3 صورة
-
عرض 3 صورة
-
عرض 3 صورة
لم يكن غرب دلتا النيل مجرد نطاق زراعي تابع لمراكز الحكم الكبرى في العصور القديمة، بل تكشف الاكتشافات الأثرية الحديثة بمحافظة البحيرة عن وجود ما يمكن وصفه بـ"قلعة صناعية" متكاملة، لعبت دورًا اقتصاديًا محوريًا قبل نحو 2500 عام.
وأعلنت البعثة الأثرية المصرية الإيطالية المشتركة، بين المجلس الأعلى للآثار وجامعة بادوفا الإيطالية، عن عدد من الورش الصناعية التي تعود إلى العصر المتأخر وبدايات العصر البطلمي، وذلك خلال أعمالها بموقعي كوم الأحمر وكوم وسيط بغرب الدلتا.
منظومة إنتاج لا ورش متفرقة
تشير تفاصيل الكشف إلى أن الموقع لم يكن يضم ورشًا عشوائية، بل مبنى صناعيًا كبيرًا مقسّمًا إلى ما لا يقل عن ست غرف، لكل منها وظيفة محددة، وهو ما يعكس درجة عالية من التنظيم والتخصص في الإنتاج.
ووفقًا لما أعلنه الأستاذ محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية، فقد خُصصت غرفتان لمعالجة الأسماك، حيث عثرت البعثة على نحو 9700 عظمة سمك، في دليل واضح على نشاط واسع لصناعة السمك المملح، أحد أهم الصناعات الغذائية والتجارية في تلك الفترة.
إنتاج متنوع وسوق مفتوح
لم تقتصر أنشطة القلعة الصناعية على تمليح الأسماك، إذ تشير اللقى الأثرية إلى أن الغرف الأخرى كانت مخصصة لإنتاج الأدوات المعدنية والصخرية، وتمائم الفيانس، إلى جانب العثور على تماثيل جيرية غير مكتملة وقطع في مراحل تصنيع مختلفة.
كما عُثر على جرار أمفورا مستوردة وقطع من الفخار اليوناني، وهو ما يؤكد أن هذه القلعة الصناعية لم تخدم محيطها المحلي فقط، بل كانت جزءًا من شبكة تجارة أوسع تربط غرب الدلتا بالعالم المتوسطي، ويؤرخ نشاطها إلى القرن الخامس قبل الميلاد.
من جانبه، أكد الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أهمية الكشف لا تكمن في القطع المكتشفة فقط، بل في ما يقدمه من فهم أعمق لطبيعة الحياة والنشاط البشري في مناطق غرب دلتا النيل، باعتبارها حلقة وصل بين المناطق الداخلية والإسكندرية.
وأوضح أن هذه الاكتشافات تمثل إضافة علمية مهمة لدراسة أنماط الاستيطان والأنشطة الصناعية وشبكات التواصل الإقليمي منذ العصر المتأخر وحتى العصور اللاحقة.
القلعة والمقبرة وجهان للمجتمع
إلى جوار القلعة الصناعية، أسفرت أعمال الحفائر عن الكشف عن جزء من جبانة رومانية تضم أنماطًا متنوعة من الدفن، شملت الدفن المباشر في الأرض، والدفن داخل توابيت فخارية، بالإضافة إلى دفنات أطفال داخل أمفورات كبيرة.
وأوضحت الدكتورة كريستينا موندين، رئيسة البعثة من جامعة بادوفا، أن الدراسات البيو-أثرية التي تُجرى حاليًا على الهياكل العظمية المكتشفة، وعددها 23 فردًا من مختلف الأعمار، تشير إلى أن سكان المنطقة عاشوا في ظروف معيشية جيدة نسبيًا، دون دلائل واضحة على العنف أو الأمراض الخطيرة.
اقتصاد مزدهر وحياة مستقرة
تكشف نتائج الحفائر والدراسات معًا عن مجتمع مستقر، يجمع بين الإنتاج الصناعي المنظم والحياة الاجتماعية الهادئة، وهو ما يعزز صورة غرب الدلتا كأحد مراكز النشاط الاقتصادي المؤثرة في مصر القديمة، لا كمجرد امتداد جغرافي تابع.
كما نجحت البعثة في الكشف عن عشرات الأمفورات الكاملة، إلى جانب زوج من الأقراط الذهبية يعود لفتاة شابة، في دلالة على وجود مستويات معيشية جيدة، وقد نُقلت القطع الأثرية إلى المتحف المصري بالقاهرة تمهيدًا لدراستها وترميمها.