محاولات لاغتيال بوتين.. هل دخلت روسيا مرحلة "الخطر الداخلي" الذي يفوق جبهات القتال؟
كتب : محمد جعفر
بوتين
في وقت تتواصل فيه الحرب في أوكرانيا وتزداد كلفتها العسكرية والاقتصادية على الداخل الروسي، تكشف تسريبات استخباراتية أوروبية عن أجواء متصاعدة من القلق داخل الكرملين.
فبحسب تقرير استخباراتي حصلت عليه شبكة "سي إن إن"، لم تعد المخاطر الخارجية وحدها هي ما يشغل القيادة الروسية، بل امتدت المخاوف إلى احتمالات الاغتيال، وتسريب المعلومات الحساسة، وحتى بروز محاولات انقلاب محتملة من داخل النخبة السياسية والأمنية، هذه المعطيات دفعت موسكو إلى تشديد غير مسبوق للإجراءات الأمنية المحيطة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وإعادة ترتيب بروتوكولات الحماية داخل دوائر السلطة، وفق التقرير.
أفاد التقرير الاستخباراتي الأوروبي بأن الكرملين شدد الإجراءات الأمنية المحيطة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في ظل مخاوف متزايدة من محاولات اغتيال أو انقلاب داخل دوائر السلطة الروسية.
تشديد أمني غير مسبوق حول بوتين
عزز الكرملين بصورة كبيرة إجراءات الحماية الشخصية للرئيس، شملت تركيب أنظمة مراقبة في منازل موظفين مقربين منه، وذلك عقب موجة اغتيالات استهدفت شخصيات عسكرية بارزة وتصاعد القلق داخل المؤسسة الأمنية الروسية.
قيود جديدة داخل الدائرة المقربة من الكرملين
وأشار التقرير إلى فرض قيود جديدة على العاملين في الدائرة المقربة من بوتين، إذ مُنع الطهاة والحراس الشخصيون والمصورون العاملون معه من استخدام وسائل النقل العام، كما بات زوار الكرملين يخضعون لفحصين أمنيين، في حين لا يُسمح للعاملين بالقرب من الرئيس باستخدام سوى هواتف لا تتصل بالإنترنت.
وأشار إلى أن بعض هذه التدابير اتُّخذت خلال الأشهر الأخيرة عقب اغتيال جنرال روسي بارز في ديسمبر الماضي، وهو حادث أدى إلى خلافات داخل القيادة العليا للمؤسسة الأمنية، وتُظهر هذه الإجراءات، بحسب التقرير، تنامي القلق داخل الكرملين في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة، تشمل صعوبات اقتصادية، ومؤشرات على اتساع المعارضة، إلى جانب الانتكاسات العسكرية في أوكرانيا.
تقليص التحركات واللجوء إلى الملاجئ المحصنة
وفي السياق ذاته، أفاد التقرير بأن الأجهزة الأمنية الروسية قلصت بصورة كبيرة عدد المواقع التي يزورها بوتين بانتظام، كما توقف الرئيس وعائلته عن التوجه إلى مساكنهم المعتادة في منطقة موسكو أوبلاست، وكذلك إلى مقر إقامته الصيفي في فالداي بين سانت بطرسبرغ والعاصمة الروسية.
وأضاف أن بوتين لم يزر أي منشأة عسكرية منذ بداية العام الجاري، رغم قيامه برحلات منتظمة في عام 2025، مشيراً إلى أن الكرملين يعمد إلى نشر صور مسجلة مسبقاً للرئيس لتجاوز القيود الأمنية المفروضة على تحركاته.
كما أوضح أن بوتين يقضي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022 أسابيع متواصلة داخل ملاجئ مطورة، غالباً في منطقة كراسنودار كراي المطلة على البحر الأسود.

الحرب في أوكرانيا تضاعف الضغوط الداخلية
ويأتي تسريب هذا الملف إلى "سي إن إن" ووسائل إعلام أخرى من مصدر مقرب من وكالة استخبارات أوروبية، في وقت تتزايد فيه الضغوط المحيطة بالكرملين بعد أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا.
وتقدّر دول غربية الخسائر الروسية بنحو 30 ألف قتيل وجريح شهرياً، في وقت لا تزال المكاسب الإقليمية محدودة على خطوط المواجهة، كما تتعرض العمق الروسي لهجمات متكررة بطائرات مسيّرة أوكرانية، كان أحدثها، وفق السلطات المحلية ومقاطع مصورة، إصابة مبنى سكني مرتفع غرب وسط موسكو الأحد الماضي.
وباتت الكلفة الاقتصادية للحرب أكثر وضوحاً، إذ أثارت انقطاعات خدمات الهاتف المحمول المتكررة في المدن الكبرى استياءً متزايداً حتى داخل الأوساط الحضرية المؤيدة لبوتين، ما يعكس انتقال تأثير الحرب إلى شرائح من النخبة كانت حتى وقت قريب بمنأى عن تداعياتها.
ويقدم التقرير تفاصيل نادرة عن مخاوف موسكو من تدهور الأمن الداخلي، كما يكشف عن خلاف حاد داخل القيادة الأمنية والعسكرية بشأن مسؤولية حماية كبار القادة العسكريين، ووفقاً للتقرير، دفع ذلك إلى مراجعة بروتوكولات الحماية الخاصة ببوتين وتوسيع نطاق الحماية الشخصية لتشمل عشرة قادة عسكريين كبار.
مخاوف من اغتيال ومحاولة انقلاب
وأشار التقرير إلى أنه منذ مطلع مارس 2026 أبدى الكرملين وبوتين نفسه قلقاً متزايداً من احتمال تسريب معلومات حساسة، فضلاً عن مخاوف من مؤامرة أو محاولة انقلاب تستهدف الرئيس الروسي، كما حذر التقرير من احتمال استخدام طائرات مسيّرة في محاولة اغتيال محتملة قد ينفذها أفراد من النخبة السياسية الروسية.
ومن أبرز ما أورده التقرير ما يتعلق بـ سيرجي شويغو، وزير الدفاع الروسي السابق وأمين مجلس الأمن الحالي، إذ اعتبر أنه "يرتبط بخطر انقلاب" نظراً إلى احتفاظه بنفوذ واسع داخل القيادة العسكرية العليا.
اغتيال جنرال روسي يفجّر خلافاً داخل المؤسسة الأمنية
وأضاف أن اعتقال نائبه السابق والمقرب منه روسلان تساليكوف في 5 مارس شكّل، وفق وصفه، "خرقاً لاتفاقيات الحماية الضمنية بين النخب"، الأمر الذي أضعف موقع شويغو ورفع احتمالات تعرضه شخصياً لتحقيقات قضائية.

وكانت لجنة التحقيق الروسية قد أعلنت في مارس الماضي توقيف تساليكوف على خلفية اتهامات بالاختلاس وغسل الأموال والرشوة، ورغم أن تقارير الفساد داخل النخبة العسكرية الروسية ليست جديدة، فإن وتيرتها تصاعدت منذ بدء الحرب في أوكرانيا.
ومع ذلك، لا يقدم التقرير أدلة مباشرة تدعم المزاعم المرتبطة بشويغو، كما أن أي محاولة للإطاحة ببوتين ستشكل تحولاً جذرياً في توازنات الولاء داخل النظام الروسي، ويرى مراقبون أن نشر هذه المعلومات قد يهدف أيضاً إلى زعزعة الاستقرار داخل الكرملين.
وكان بوتين قد نجا سابقاً من أخطر تحدٍّ داخلي في يونيو 2023، عندما قاد يفغيني بريغوجين تمرداً مسلحاً باتجاه موسكو انتهى بالفشل.
خلافات داخلية بعد اغتيال جنرال روسي
وذكر التقرير أن الإجراءات الجديدة جاءت أيضاً عقب اغتيال الفريق فانيل سارفاروف في موسكو يوم 22 ديسمبر 2025، في عملية يُعتقد أن عملاء أوكرانيين نفذوها، وبعد ثلاثة أيام، استدعى بوتين كبار المسؤولين الأمنيين إلى اجتماع طارئ في الكرملين.

وبحسب ما كشفت عنه "سي إن إن"، شهد الاجتماع مشادة حادة بين رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف ومدير جهاز الأمن الفيدرالي الروسي ألكسندر بورتنيكوف، إذ اتهم غيراسيموف الجهاز بالتقصير في حماية الضباط، بينما اشتكى مسؤولون أمنيون من نقص الموارد والأفراد.
وفي ختام الاجتماع، دعا بوتين إلى التهدئة وطلب من الحاضرين تقديم حلول عملية خلال أسبوع، وخلصت المداولات إلى توسيع صلاحيات جهاز الحماية الفيدرالي التابع للرئاسة، بحيث يشمل توفير الحماية لعشرة قادة عسكريين كبار إضافيين.
تغييرات في عرض يوم النصر
وتزامنت هذه التطورات مع إعلان موسكو إدخال تغييرات جوهرية على العرض العسكري السنوي في الساحة الحمراء المقرر في التاسع من مايو، إحياءً لذكرى الانتصار على ألمانيا النازية.
وبحسب ما أعلنه الكرملين، سيقام العرض هذا العام، وهو الخامس منذ اندلاع الحرب الشاملة في أوكرانيا، من دون استخدام أسلحة ثقيلة مثل المدرعات والصواريخ.
وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إن التهديد المتزايد للضربات الأوكرانية بعيدة المدى كان أحد أسباب هذه الإجراءات، مضيفاً: "في ظل هذا التهديد الإرهابي، تُتخذ بالطبع جميع التدابير اللازمة للحد من الخطر".
قلق متزايد داخل الكرملين
في المجمل، تعكس الإجراءات التي يرصدها التقرير حجم القلق المتنامي داخل الكرملين في مرحلة تتشابك فيها الضغوط العسكرية مع التحديات الاقتصادية والتصدعات داخل النخبة الحاكمة.
وبينما يصعب التحقق المستقل من كثير من تفاصيل هذه المعلومات، فإن اتساع نطاق التدابير الأمنية، وتقليص تحركات بوتين، وتنامي الحديث عن خلافات داخلية، كلها مؤشرات توحي بأن الحرب في أوكرانيا لم تعد مجرد مواجهة على الجبهة، بل باتت عاملاً يعيد تشكيل توازنات السلطة في قلب موسكو.