"لغة عربية صحيحة وردود مدروسة".. من هو المحلل الإيراني حسن أحمديان؟
كتب : محمد أبو بكر
"لغة عربية صحيحة وردود مدروسة".. من هو المحلل الإ
لم يكن اسم حسن أحمديان متداولًا على نطاق واسع خارج الأوساط الأكاديمية، قبل أن يتحول فجأة إلى أحد أبرز الوجوه التحليلية التي يتابعها الجمهور العربي، حيث ظهور لافت على شاشة قناة الجزيرة، ومداخلات اتسمت بالهدوء والدقة، كانا كفيلين بنقل الرجل من دائرة الباحثين المتخصصين إلى دائرة التأثير الجماهيري، حتى باتت إطلالاته مادة منتظرة في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة.
لحظة التحول: عبارة صنعت ظاهرة
في واحدة من أكثر لحظاته انتشارًا، أطلق أحمديان عبارة حادة خلال مناظرة تلفزيونية: "تستطيعون أن تبلّوا وتشربوا الماء من هذا البل"، في رد مباشر على محاولات تبرير الضربات العسكرية على إيران، ولم تكن العبارة وحدها ما أثار التفاعل، بل طريقة طرحها الهادئة والواثقة، ما جعلها تتحول إلى مقطع واسع الانتشار على منصات التواصل الاجتماعي، ومهدت لتحوله إلى "أيقونة تحليلية" يتابعها حتى من يختلفون مع الطرح الإيراني.
وولد حسن أحمديان في إيران، وتلقى تعليمه الأكاديمي بالكامل داخلها، حيث حصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الإقليمية من جامعة طهران، متخصصًا في السياسة الخارجية الإيرانية وتحولات الشرق الأوسط. بدأ مسيرته البحثية مبكرًا عام 2009 ضمن مركز الدراسات الاستراتيجية، قبل أن يلتحق بالجامعة نفسها أستاذًا مساعدًا عام 2013، ليترقى لاحقًا إلى أستاذ مشارك في كلية الدراسات العالمية.
ولم تتوقف خبرة "أحمديان" عند الإطار المحلي، بل امتدت إلى مؤسسات بحثية غربية مرموقة، أبرزها جامعة هارفارد، حيث عمل باحثًا في مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية، وشارك في مشاريع بحثية تناولت قضايا التشيع والعلاقات الدولية، وهذه التجربة أضافت إلى خطابه بعدًا تواصليًا، جعله قادرًا على مخاطبة جمهورين مختلفين: الغربي والعربي، بلغة تحليلية مشتركة تتجاوز القوالب الأيديولوجية التقليدية.
ويعكس نتاج أحمديان العلمي حضوره الأكاديمي القوي، إذ نشر أكثر من مئة عمل بين مقالات علمية وتقارير استراتيجية وفصول في كتب، تناولت موضوعات مثل السياسة الخارجية الإيرانية، والعلاقات المدنية العسكرية، والحركات الإسلامية، كما تناولت أعماله قضايا إقليمية دقيقة، من بينها الاستراتيجية الإيرانية في سوريا، والتحولات السياسية بعد الربيع العربي، ما جعله مرجعًا في فهم ديناميكيات المنطقة من زاوية إيرانية.
ورغم جذوره الأكاديمية، جاءت شهرة أحمديان الحقيقية من الإعلام، حيث برز كضيف دائم في النقاشات المتعلقة بالتصعيد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وفي هذه المنصات.
وفي طرحه، يركز أحمديان على فكرة "استمرارية النظام" باعتبارها أحد أعمدة الاستراتيجية الإيرانية، مشيرًا إلى وجود بنى مؤسسية موازية تضمن استمرار اتخاذ القرار حتى في الظروف القصوى، ويؤكد أن التهديدات الخارجية غالبًا ما تعزز التماسك الداخلي، وهو ما يفسر من وجهة نظره قدرة إيران على امتصاص الضغوط المتتالية.
رؤية من الداخل: كيف يقرأ أحمديان الصراع؟
ولا يكتفي حسن أحمديان بسرد الوقائع، في تحليلاته الإعلامية، بل يقدم قراءة متماسكة تنطلق من الداخل الإيراني لفهم طبيعة الصراع مع الغرب، حيث خلال ظهوره في بودكاست، عرض "أحمديان"، تصورًا مركبًا للحرب الأخيرة لإيران ضد أمريكا وإسرائيل، معتبرًا أنها ليست حدثًا طارئًا، بل امتداد لمسار طويل من الضغوط المتراكمة.
ويرى "أحمديان"، أن أي حرب يمكن نظريًا تفاديها عبر الدبلوماسية، لكنه يشدد على أن التجربة الإيرانية مع الولايات المتحدة خلقت قناعة راسخة بأن التنازل لا يؤدي إلى التهدئة، بل إلى مزيد من الضغوط. ويستشهد في ذلك بمسار الاتفاق النووي، الذي انتهى من وجهة نظره بانسحاب واشنطن وفرض عقوبات أشد، ما عزز داخل طهران فكرة أن الاستجابة للضغط تشجع على تصعيده.
من “الصبر الاستراتيجي” إلى “التصعيد المفتوح”
وفق هذا المنظور، يفسر "أحمديان"، التحول في السلوك الإيراني من سياسة "الصبر الاستراتيجي" إلى ما يسميه "التصعيد بلا حدود"، حيث الحرب، كما يطرحها، لم تبدأ بالضربات العسكرية المباشرة، بل سبقتها مراحل من "الحرب المركبة" شملت العقوبات الاقتصادية، والعمليات الاستخباراتية، والهجمات السيبرانية مثل فيروس "ستاكسنت"، وصولًا إلى المواجهة المفتوحة.
ويؤكد الباحث الإيراني، أن هذا التحول لم يكن اندفاعًا، بل نتيجة تراكم خبرات، دفعت إيران إلى تبني معادلة "العين بالعين"، معتمدة على أدوات ردع غير تقليدية، أبرزها الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إضافة إلى أوراق ضغط جيوسياسية مثل مضيق هرمز.
ويطرح "أحمديان"، فكرة مركزية مفادها أن عناصر القوة الإيرانية من البرنامج الصاروخي إلى النفوذ الإقليمي ليست أوراق تفاوض قابلة للتنازل، بل هي أساس منظومة الردع، ويرى أن أي تراجع في هذه الملفات سيؤدي إلى إضعاف القدرة التفاوضية، وليس العكس، مشيرًا إلى أن خطوات مثل رفع نسب تخصيب اليورانيوم جاءت كرد فعل على الضغوط، وليست سببًا لها.
ويعتبر أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على "إدارة التصعيد" لا الانجرار إلى حرب شاملة، من خلال الحفاظ على توازن دقيق بين الرد والاحتواء، بما يقلل من مخاطر التدويل الكامل للصراع.
وفي جانب آخر من تحليله، يركز الباحث الإيراني، على بنية النظام السياسي الإيراني، معتبرًا أنه مصمم ليكون قادرًا على الاستمرار حتى في أسوأ السيناريوهات، ويشير إلى وجود هياكل موازية داخل مؤسسات الدولة تضمن استمرارية اتخاذ القرار، حتى في حال غياب قيادات عليا أو تعرض مؤسسات رئيسية لضربات مباشرة.
ومن هذا المنطلق، يرفض فكرة أن الضربات النوعية أو الاغتيالات يمكن أن تؤدي إلى انهيار النظام، مؤكدًا أن الأزمات الخارجية غالبًا ما تؤدي إلى تعزيز التماسك الداخلي، وخلق حالة من "الالتفاف الاستراتيجي" داخل المجتمع الإيراني.
ولا يغفل أحمديان البعد الدولي، حيث يرى أن مواقف قوى كبرى مثل روسيا والصين تبقى في الإطار السياسي والدبلوماسي، دون الانخراط العسكري المباشر، ما يعكس بحسب تحليله حدود التحالفات في النظام الدولي، وفي المقابل، تعتمد إيران على "الاعتماد على الذات" مع الاستفادة من دعم غير مباشر، يتيح لها التحرك ضمن هامش محسوب من التصعيد.
هل تستهدف إيران المدنيين
دافع "أحمديان"، عن موقف بلاده بالقول إن إيران لا تستهدف المدنيين، معتبرًا أن حجم الخسائر داخل إيران دليل على طبيعة الهجمات التي تتعرض لها، شيرًا إلى أن ما يحدث من وجهة نظره هو استخدام أراضٍ إقليمية لشن هجمات على إيران، وهو ما اعتبره انتهاكًا لمفهوم "حسن الجوار".
ولم يكتفِ أحمديان، خلال لقائه على قناة الجزيرة، بالدفاع، بل انتقل إلى الهجوم، متحدثًا عن صواريخ تُطلق من أراضٍ مجاورة، وضربات استهدفت بحسب روايته أهدافًا عسكرية مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة.
وقدم حسن أحمديان، تصورًا واضحًا لكيفية قراءة طهران لمسار الحرب، حيث رسم إطارًا استراتيجيًا يقوم على فكرة "حرب الاستنزاف طويلة الأمد"، مدعومة بثقة داخلية في القدرة على الاستمرار.
وبحسب أحمديان، فإن التجربة السابقة التي أشار إليها بـ“حرب الاثني عشر يومًا”، تركت أثرًا مهمًا داخل دوائر صنع القرار الإيراني، حيث وُجهت انتقادات لوقف العمليات مبكرًا رغم تحقيق ما وصفه بـ"موازنة التهديد"، وهذه الخلفية، في رأيه، تفسر لماذا مالت إيران إلى إطالة أمد المواجهة قبل أن توافق على مهلة "باكستان"، خاصة في ظل انخراط الولايات المتحدة بشكل مباشر إلى جانب إسرائيل.
ما هو الهدف الإيراني؟
يرى "أحمديان"، أن الهدف الإيراني لم يعد مجرد الصمود، بل "ربط نهاية الحرب بالمخرجات الاستراتيجية"، بمعنى آخر، لا تسعى طهران وفق هذا الطرح إلى وقف القتال دون تحقيق مكاسب ملموسة، تشمل تعويضات عن الأضرار، وضمانات تمنع تكرار الهجمات، إضافة إلى تثبيت ما تعتبره إنجازات ميدانية.
ويرى أن هذا المنطق في تحليله يعكس انتقالًا من الدفاع إلى فرض الشروط، حيث تصبح العمليات العسكرية وسيلة ضغط تفاوضي، ويشير إلى أن بعض المؤشرات بدأت تظهر، مثل الحديث عن تخفيف القيود الاقتصادية أو التعامل مع الأموال الإيرانية المجمدة، باعتبارها إشارات على تأثير هذا الضغط.
وقدم "أحمديان"، تقييمًا لخصوم إيران، معتبرًا أن قدرة إسرائيل على تحمل حرب طويلة محدودة زمنيًا، بينما تواجه الولايات المتحدة تحديات مركبة على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية في إدارة الصراع.
وتابع: الاستراتيجية الإيرانية تقوم على "إيلام الخصم تدريجيًا"، عبر توسيع نطاق الضربات.
ولم يقتصر حضور حسن أحمديان على الشاشات التلفزيونية، بل امتد إلى الفضاء الرقمي، حيث يمتلك قناة على يوتيوب تحمل اسمه، يقدم من خلالها تحليلات معمقة حول الشأن الإيراني والتطورات الإقليمية، حيث في هذه المساحة، يظهر بالصوت والصورة، محافظًا على الأسلوب ذاته الذي ميّزه في الإعلام التقليدي، من حيث الهدوء والدقة والاعتماد على تفكيك الأحداث ضمن سياقها الاستراتيجي.
وتمنحه هذه المنصة مساحة أوسع لعرض رؤيته بعيدًا عن قيود الوقت في البرامج التلفزيونية، ما يسمح له بالتوسع في شرح الخلفيات السياسية والعسكرية، وتقديم قراءات مطولة تستهدف جمهورًا أكثر تخصصًا.