الإمارات
يرى خبراء بقطاع الطاقة واقتصاديون خلال حديثهم لـ"مصراوي" أن انسحاب دولة الإمارات من منظمة "أوبك" وتحالف "أوبك+" لا يمكن قراءته كخطوة إنتاجية فقط، بل يعكس تحولًا أعمق في طريقة إدارة سوق النفط، حيث تتقدم الحسابات السياسية والمصالح السيادية على منطق التنسيق الجماعي.
وبحسب هذه الرؤى، فإن القرار قد يعيد رسم توازنات السوق بين مسارين متناقضين؛ الأول يدفع نحو زيادة المعروض وضغوط هبوط الأسعار حال تحرر الإنتاج وعودة الإمدادات، والثاني يبقي السوق تحت تأثير المخاطر الجيوسياسية في ظل استمرار التوترات، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل تماسك التحالف، واحتمالات أن تحذو دول أخرى مثل فنزويلا المسار ذاته.
تعد فنزويلا من أبرز اللاعبين في سوق النفط العالمي من حيث الاحتياطيات، إذ تمتلك نحو 303.2 مليار برميل، ما يمثل قرابة 17-18% من إجمالي الاحتياطي العالمي، لتحتل المرتبة الأولى عالميًا متقدمة على السعودية وإيران.
إلا أن غالبية هذه الاحتياطيات تقع ضمن الخام الثقيل جدًا في حزام أورينوكو، وهو ما يرفع تكلفة الاستخراج والتكرير مقارنة بالخام الخفيف.
وعلى صعيد الإنتاج، بلغ متوسط إنتاج النفط الخام نحو 988 ألف برميل يوميًا في مارس 2026 وفق بيانات "أوبك"، فيما قفزت الصادرات من النفط والمنتجات المكررة إلى نحو 1.23 مليون برميل يوميًا في أبريل، وهو أعلى مستوى منذ 2018.
ورغم أن قرار انسحاب دولة الإمارات من منظمة "أوبك" وتحالف "أوبك+" قد يبدو في ظاهره خطوة تستهدف زيادة الإنتاج وتعظيم العوائد، فإن قراءة أعمق لمسار التطورات تشير إلى أن ما يحدث لا يمثل مجرد خروج من تكتل نفطي، بقدر ما يعكس انتقال سوق الطاقة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع استراتيجيات التسعير، وتتصاعد فيها النزعة نحو "فردية القرار" على حساب العمل الجماعي.
هذا التحول يتزامن مع إشادة أمريكية واضحة بالخطوة، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى كبح جماح الأسعار، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى داخل السوق، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كان هذا المسار قد يمتد ليشمل دولًا أخرى مثل فنزويلا، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها.
في هذا السياق، تشير تقارير تحليلية صادرة عن المجلس الأطلسي إلى أن الانسحاب الإماراتي يمثل "ضربة سياسية رمزية" لنفوذ المنظمة، ويعكس تباعدًا متزايدًا بين المصالح الوطنية لأبوظبي وأهداف الكارتل، حيث بات اقتصادها أكثر ارتباطًا بنمو الاقتصاد العالمي مقارنة بالاعتماد التقليدي على أسعار النفط، وهو ما جعل قيود الإنتاج عبئًا يحد من قدرتها على تعظيم العوائد، خاصة في ظل تداعيات الحرب الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز.
من إدارة الحصص إلى تحرير الإنتاج
هذا التحول من نموذج إدارة الإمدادات جماعيًا إلى تحرير الإنتاج يعكس تغيرًا نوعيًا في طبيعة السوق، إذ لم يعد الصراع يدور فقط حول مستويات الإنتاج، بل حول من يملك قرار الإنتاج نفسه.
فبحسب تحليل مجلس العلاقات الخارجية، فإن قرار أبوظبي جاء نتيجة تراكمات ممتدة من التباينات داخل التحالف، خاصة فيما يتعلق بنظام الحصص، الذي منح أولوية لمصالح بعض الدول على حساب أخرى، ما دفع الإمارات لإعادة تقييم جدوى استمرارها داخل المنظومة.
هل تتسع دائرة الخروج من أوبك؟
في ضوء هذه المعطيات، تتزايد التساؤلات حول احتمالية انتقال العدوى إلى منتجين آخرين.
بحسب تحليل المجلس الأطلسي، فإن انسحاب منتج بحجم الإمارات قد يخلق مخاطر وجودية على استدامة المنظمة، خاصة إذا ما أغرت حرية الإنتاج دولًا تعاني من أزمات اقتصادية مثل فنزويلا باتباع المسار ذاته.
غير أن هذا الطرح يواجه قراءة أكثر تحفظًا، حيث قال الدكتور حسام عرفات، أستاذ هندسة البترول والتعدين، إن انسحاب الإمارات لا يعني بالضرورة اتجاه باقي الدول لاتخاذ خطوة مماثلة، مؤكدًا أن طبيعة عمل المنظمة ما زالت قائمة على تحقيق التوازن بين العرض والطلب.
وأوضح عرفات لـ"مصراوي"، أن "أوبك" لا تزال تضم دولًا رئيسية مؤثرة، على رأسها السعودية والعراق، بما يحافظ على قدرتها في إدارة السوق، مشيرًا إلى أن القرار الإماراتي يرتبط في الأساس بامتلاكها طاقة إنتاجية تفوق حصتها داخل المنظمة، وهو ما يمنحها حافزًا للتحرر من القيود وزيادة حصتها السوقية.
وأضاف أن الإمارات تمتلك ميزة تنافسية إضافية، سواء من حيث جودة النفط أو موقعها الجغرافي، حيث تمتلك موانئ تصدير خارج مضيق هرمز، ما يمنحها مرونة أكبر في الشحن والتصدير مقارنة بدول أخرى.
وفيما يتعلق بفنزويلا، استبعد عرفات تكرار السيناريو، مؤكدًا أن لكل دولة ظروفها الخاصة، سواء من حيث القدرات الإنتاجية أو التحديات السياسية، ما يجعل الانسحاب الإماراتي حالة خاصة أكثر منه اتجاهًا عامًا.
ونقلت وكالة "رويترز" أن روسيا أكدت استمرار تماسك تحالف "أوبك+" رغم إعلان الإمارات الانسحاب، حيث قال نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك إنه لا يتوقع اندلاع حرب أسعار في ظل العجز القائم في السوق، مشيرًا إلى أن الطلب لا يزال يفوق المعروض بشكل واضح.
وأضاف أن سوق النفط يمر بـ"أعمق أزمة" نتيجة اضطرابات لوجستية حادة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، مع تقديرات بحاجة السوق إلى عدة أشهر للتعافي، مؤكدًا في الوقت نفسه التزام بلاده بآلية "أوبك+" واستمرارها ضمن التحالف.
السوق بين السياسة والاقتصاد
ويقدم الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، قراءة مختلفة، حيث يرى أن قرارات الانضمام أو الانسحاب من منظمة أوبك لا يمكن تفسيرها اقتصاديًا فقط، بل تخضع بالأساس لاعتبارات سياسية وسيادية.
وأوضح أنيس لـ"مصراوي"، أن الحديث عن تكرار تجربة الإمارات يظل ممكنًا نظريًا، لكنه غير قابل للحسم، نظرًا لتعقيد العوامل السياسية التي تحكم مثل هذه القرارات.
وأشار إلى أن الحالة الفنزويلية ترتبط بتوازنات أكثر تعقيدًا، لافتًا إلى أن أي قرار بشأن بقائها أو خروجها سيتأثر بالمصالح الأمريكية، إلى جانب الحسابات الداخلية، مؤكدًا أن ملف "أوبك" في الوقت الحالي تحكمه السياسة بدرجة أكبر من الاقتصاد.
هل يتحول الانسحاب إلى فائض يضغط الأسعار؟
في هذا السياق، لا يتوقف تأثير الانسحاب عند حدود التحالفات، بل يمتد إلى معادلة العرض والطلب.
إذ تشير تقديرات إلى أن عودة الإمدادات بالتزامن مع تحرير الإنتاج قد تدفع السوق إلى حالة فائض، خاصة مع احتمالات انحسار التوترات المرتبطة بـ الحرب الإيرانية.
غير أن هذا المسار يظل غير محسوم، حيث قد يؤدي استمرار التوترات إلى بقاء جزء من الإمدادات خارج السوق، ما يحافظ على توازن هش ويمنع انهيار الأسعار.
اقرأ أيضًا: انسحاب الإمارات من أوبك.. هل يقود النفط إلى انهيار سعري؟
سيناريو الانهيار.. هل يعود النفط إلى مستويات متدنية؟
ضمن هذا الإطار، يرى المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس الهيئة العامة المصرية للبترول الأسبق، أن السيناريو الأكثر حدة يتمثل في عودة الإمدادات بشكل كامل، بالتزامن مع خروج الإمارات من قيود الإنتاج، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات متدنية تصل إلى نحو 20 دولارًا للبرميل.
وأشار إلى أن هذا المسار يعكس تحولًا من “إدارة السوق” إلى “المنافسة المفتوحة”، حيث تسعى كل دولة لتعظيم إنتاجها، ما قد يؤدي إلى خسائر جماعية للمنتجين، مقابل استفادة الدول المستهلكة.
هذا الطرح يتقاطع مع ما خلصت إليه دراسات معهد بيكر، التي تشير إلى أن خروج الإمارات قد يحقق لها مكاسب مالية كبيرة عبر تحرير إنتاجها، لكنه يفتح في المقابل الباب أمام مخاطر تصاعد المنافسة.
كما يلفت تحليل مركز كارنيجي إلى أن التباينات داخل الخليج، خاصة بين السعودية والإمارات، تعكس تحولات أعمق قد تؤثر على تماسك التكتلات النفطية.
في المحصلة، لا يبدو انسحاب الإمارات مجرد حدث عابر داخل تاريخ منظمة أوبك، بل يمثل نقطة تحول قد تعيد صياغة قواعد اللعبة في سوق الطاقة العالمية.
فالسوق لم يعد محكومًا فقط بحجم الإمدادات، بل بات انعكاسًا مباشرًا لتوازنات القوة، وطبيعة التحالفات، وحدود قدرة التكتلات على فرض الانضباط.
اقرأ أيضًا: بعد انسحاب الإمارات.. 7 دول بأوبك+ ترفع الإنتاج 188 ألف برميل يوميًا