من كيلو لحم إلى "فكة".. رحلة الخمسين جنيهًا مع التعويم
كتب : إبراهيم الهادي عيسى
الطماطم
"الطماطم بـ50 جنيه!" تعجبت سامية أحمد (78 عامًا) من وصول سعر كيلوجرام الطماطم إلى 50 جنيهًا، ومازحت البائع بأنها لن تتمكن من شراء الطماطم التي يلتهم الكيلوجرام الواحد منها 5% من معاشها الشهري.
قيّمت مديرة مديرة مدرسة الثانوي سابقًا معاشها بسعر كيلوجرام الطماطم الواحد، ثم تذكرت أن الخمسين جنيهًا تكفي دفع إيجار شقتها الإيجار القديم لثلاثة أشهر متواصلة.
ما حدث لـ الخمسين جنيهًا؟
كانت ورقة الخمسين جنيهًا تكفي لشراء كيلوجرام من اللحم البلدي، أو عشرات الرحلات بالمواصلات، بل كانت جزءًا معتبرًا من راتب موظف حكومي، أما اليوم، أما الآن، فقد تحوّلت الورقة نفسها إلى ما يشبه "الفكّة" في اقتصاد تتسارع فيه الأسعار كفرس رهان.
في نوفمبر 2016 قبل تحرير سعر الصرف، كان الدولار يُتداول رسميًا عند نحو 8.88 جنيه، ما يعني أن 50 جنيهًا كانت تعادل قرابة 5.63 دولار، أما في مايو الحالي، تراجعت القيمة الدولارية للورقة إلى نحو 0.96 دولار فقط، مع تجاوز الدولار حاجز 52 جنيهًا، ما يعني أن ورقة الخمسين جنيهًا فقدت أكثر من 83% من قيمتها الدولارية خلال 10 سنوات.
ولم يكن المسار مستقرًا؛ إذ قفز الدولار من 8.88 جنيه قبل التعويم إلى 18.9 جنيه مباشرة بعد القرار، ثم استقر نسبيًا لسنوات قبل أن تعود موجات الخفض المتتالية للجنيه بداية من 2022، وصولًا إلى مستويات تتجاوز 52 جنيهًا حاليًا، حسب البنك المركزي المصري.
المائدة المصرية لا تعرف الخمسين جنيهًا
في 2016، كانت الخمسين جنيهًا تكفي لشراء كيلوجرام من اللحم تقريبًا، بينما بالكاد، اليوم، تشتري نحو 125 جرامًا فقط، بعدما قفز متوسط سعر الكيلو من 40-50 جنيهًا إلى 380-420 جنيهًا، وفق شعبة القصابين.
كما ارتفع كيلوجرام الفراخ البيضاء ارتفع من 14-18 جنيهًا إلى أكثر من 100 جنيه، بينما متوسط كيلو السمك البلطي صعد من نحو 15 جنيهًا إلى ما يتجاوز 100 جنيه ببعض المناطق، وفق بيانات أخبار "مصراوي".
وحسب بيانات رسمية، انخفض متوسط استهلاك الفرد المصري من اللحوم الحمراء من نحو 19 كيلوجرام سنويًا في 2015 إلى نحو 8 كيلوجرام فقط في 2025، حسب آخر إحصاء للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
الرواتب والمعاشات.. كم 50 جنيهًا بها؟
بين 2016 و2026، ارتفع الحد الأدنى للأجور من 1200 جنيه إلى 7000 جنيه في 2025، مع اتجاه لرفعه إلى 8000 جنيه في يوليو المقبل، لكن المفارقة أن القيمة الدولارية للراتب ظلت شبه ثابتة.
في 2016، كان الحد الأدنى يعادل نحو 135 دولارًا، بينما يعادل حاليًا نحو 134 دولارًا تقريبًا رغم تضاعفه بالجنيه أكثر من 5 مرات، ما يعني أن الموظف بات يحمل أوراقًا نقدية أكثر، لكنها تشتري كميات أقل من السلع والخدمات.
بينما ظل أصحاب المعاشات الأكثر تأثرًا بالتضخم، ففي 2016، كان الحد الأدنى للمعاش يدور حول 450 جنيهًا، أي ما يعادل نحو 9 أوراق من فئة 50 جنيهًا، أما في يناير الماضي فقد ارتفع إلى 1755 جنيهًا، حسب الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي.
وبذلك أصبح المعاش يمثل 35 ورقة من فئة 50 جنيه، بينما يستهلك كيلوجرام اللحم الواحد نحو 8 أوراق من فئة 50 جنيهًا، ورغم ارتفاع المعاش بالجنيه، إلا أن قيمته الدولارية تراجعت إلى النصف تقريبًا مقارنة بمستواه قبل التعويم.
50 جنيهًا كم من "التفويلة"؟
في 2016، كانت الخمسين جنيهًا تشتري نحو 14 لترًا من بنزين 80، بينما لا تشتري اليوم سوى نحو 2.4 لتر فقط، أما السولار، فقفز سعره من 1.8 جنيه للتر إلى أكثر من 20 جنيهًا، بزيادة تتجاوز 1000%.
حتى أسطوانة البوتاجاز المنزلية قفز سعرها من نحو 30 جنيهًا إلى 275 جنيهًا، لتصبح الخمسين جنيهًا غير كافية حتى لشراء ربع احتياجات الأسرة الشهرية من الغاز المنزلي.
وقبل التعويم، كانت الخمسين جنيهًا تكفي عشرات الرحلات بالمواصلات العامة، أما اليوم فأصبحت بالكاد تغطي تنقلات يوم واحد للفرد.
فتذكرة الأتوبيس العادي في القاهرة ارتفعت من جنيه إلى نحو 15 جنيهًا، بينما وصلت تذكرة الأتوبيس المكيف إلى 25 جنيهًا، وقفزت أسعار الميكروباص ومترو الأنفاق عدة أضعاف.
وباتت الخمسين جنيهًا لا توفر سوى 5 رحلات مترو، مقارنة بعشرات الرحلات قبل 10 سنوات.
تبدو الخمسين جنيهًا سجلًا اقتصاديًا مصغّرًا لعقد كامل من التحولات.. ورقة نقدية واحدة تختصر قصة الأسعار والأجور والدعم والطاقة ومستوى المعيشة في مصر خلال السنوات العشرة الأخيرة.
رجعت سامية إلى شقتها في شارع المدارس بالحلمية الجديدة، بعدما جلبت حاجيات معيشتها من شارع القلعة المجاور، وقد اقتصّ التسوق منها قسطًا كبيرًا من معاشها المفتت إلى خمسينات ليست بالكثيرة، ولكنها رجعت بهمّ أكبر: ماذا تفعل وهي التي سُتخرج من شقتها بعد سنوات إثر تفعيل إلغاء قانون الإيجار القديم؟