ماذا حدث في الأسواق خلال 48 ساعة من هدنة إيران وأمريكا؟ وما السيناريوهات المقبلة؟
كتب : أحمد الخطيب
ماذا حدث في الأسواق خلال 48 ساعة من هدنة إيران وأم
مع إعلان هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة، والدخول في مفاوضات لاحتواء التصعيد، لم تنتظر الأسواق طويلًا لتُظهر رد فعلها.
فخلال يومين فقط، تحركت العملات، والطاقة، والمعادن، وحتى الأصول الرقمية، في مشهد يعكس انتقالًا سريعًا من حالة "الذعر" إلى "إعادة تسعير المخاطر".
لكن هذه التحركات، رغم قوتها، لا تزال محكومة بحذر واضح، إذ تدرك الأسواق أن الهدنة ليست نهاية للصراع، بل محطة مؤقتة قد تعقبها انفراجة أو عودة للتصعيد.
الدولار: تراجع سريع بدعم التدفقات الأجنبية
شهد سعر الدولار مقابل الجنيه تراجعًا ملحوظًا خلال أول يومين من الهدنة، حيث انخفض بنحو 1.44 جنيه في 10 بنوك، بمتوسط 1.49 جنيه، مدفوعًا بعودة قوية للاستثمارات الأجنبية.
وقال مسؤولون بقطاعات الخزانة والمعاملات الدولية إن البنوك تلقت تدفقات دولارية كبيرة من مستثمرين أجانب، بهدف شراء أذون الخزانة والاستفادة من العوائد المرتفعة، في ظل تراجع المخاطر الجيوسياسية مؤقتًا.
وأضافوا أن زيادة المعروض من النقد الأجنبي ساهمت في تخفيف الضغوط على الجنيه، الذي كان قد تعرض لضغوط قوية خلال فترة الحرب.
اقرأ أيضًا:
هبط بنحو 1.44 جنيه.. الدولار ينخفض في 10 بنوك
هبوط مفاجئ للدولار بعد تدفقات أجنبية قوية.. ماذا نعرف؟
اليورو والعملات: تحسن جماعي في سوق الصرف
لم يكن الدولار وحده المتأثر، بل امتدت الموجة إلى باقي العملات، حيث تراجع سعر اليورو مقابل الجنيه خلال تعاملات اليومين، بدعم نفس العامل: تدفقات الاستثمار الأجنبي.
كما شهدت عملات أخرى مثل الريال السعودي تحركات مشابهة، في انعكاس واضح لتحسن نسبي في السيولة الدولارية داخل السوق.
ويعكس هذا الأداء تحسنًا مؤقتًا في ثقة المستثمرين، الذين عادوا إلى الأسواق الناشئة فور ظهور مؤشرات تهدئة.
اقرأ أيضًا:
انخفاض مفاجئ في سعر اليورو مقابل الجنيه
لماذا هبطت أسعار العملات العربية؟
هل يبدأ الجنيه التعافي؟
رغم هذا التحسن، يرى خبراء أن المشهد لا يزال ضبابيًا، وأن ما حدث قد يكون مجرد “تعافٍ مؤقت” وليس اتجاهًا مستدامًا.
ويشيرون إلى أن مستقبل الجنيه يتوقف على مسارين رئيسيين:
نجاح المفاوضات، ما يعيد تدفقات الاستثمار ويعزز استقرار العملة
أو فشل الهدنة، ما يعيد الضغوط ويؤدي إلى موجة تراجع جديدة
اقرأ أيضًا:
هدنة سياسية تنعكس على سوق الصرف.. هل يبدأ الجنيه التعافي؟
النفط: هبوط عنيف ثم ارتداد سريع
في سوق الطاقة، كان المشهد أكثر حدة وتقلبًا.
ففي أول رد فعل على الهدنة، تراجعت أسعار النفط بشكل قوي، حيث هبط خام برنت بنسبة 16% ليصل إلى نحو 93 دولارًا، قبل أن يستقر عند 95 دولارًا تقريبًا.
لكن هذا التراجع لم يدم طويلًا، إذ عادت الأسعار للارتفاع في اليوم التالي، مع تصاعد المخاوف من استمرار اضطراب الإمدادات، والشكوك حول استمرارية التهدئة.
وسجل خام برنت ارتفاعًا بنحو 3.8% ليقترب من 98 دولارًا، في مؤشر واضح على أن السوق لا تزال تتعامل بحذر شديد.
اقرأ أيضًا:
النفط تحت ضغط الهدنة.. وخبراء يحذرون من قفزات جنونية
ارتفاع أسعار النفط قرب 4% مع تصاعد مخاوف الإمدادات
الذهب: صعود حذر وسط تذبذب واضح
في المقابل، تحرك الذهب في اتجاه صاعد، حيث ارتفع عالميًا بنسبة 2.71% ليصل إلى نحو 4833 دولارًا للأونصة، في أول استجابة لتحسن معنويات المستثمرين.
لكن السوق لم يستقر، إذ شهدت الأسعار تذبذبًا ملحوظًا خلال نفس اليوم، حيث تراجعت في منتصف التعاملات قبل أن تعاود الارتفاع.
وقال هاني ميلاد إن هذا التذبذب يعكس حالة عدم الاستقرار، موضحًا أن الأوقية ارتفعت إلى نحو 4850 دولارًا بعد الهدنة، قبل أن تتراجع إلى 4780 دولارًا.
ويعكس ذلك أن الذهب يتحرك حاليًا بين عاملين:
تحسن المعنويات من جهة، واستمرار حالة القلق من جهة أخرى.
اقرأ أيضًا:
بعد وقف الحرب.. قفزة في سعر الذهب بمصر
ما أسباب تذبذب أسعار الذهب في السوق المحلي؟
هدنة إيران وأمريكا.. ما سيناريوهات انعكاسها على أسعار الذهب؟ خبراء يوضحون
الفضة: صعود قوي بدعم الذهب
امتدت موجة الصعود إلى الفضة، التي ارتفعت بنسبة 5.25% لتصل إلى نحو 76.83 دولارًا للأونصة.
ويرى خبراء أن هذا الارتفاع جاء مدفوعًا بصعود الذهب، إلى جانب تحسن شهية المستثمرين تجاه المعادن، في ظل التهدئة.
اقرأ أيضًا:
بعد هدنة الحرب.. أسعار الفضة ترتفع بأكثر من 5%
قفزة في أسعار الفضة.. هل تواصل الصعود؟ خبراء يوضحون
البيتكوين: عودة الأصول عالية المخاطر
في المقابل، شهدت الأصول عالية المخاطر انتعاشًا واضحًا، حيث ارتفعت البيتكوين بنحو 5% لتتجاوز 71 ألف دولار.
ويعكس هذا التحرك عودة شهية المستثمرين للمخاطرة، بعد تراجع حدة التوترات، واتجاههم نحو الأصول ذات العائد المرتفع.
اقرأ أيضًا:
بيتكوين ترتفع 5% لتتخطى 71 ألف دولار بعد وقف الحرب
تكشف تحركات الأسواق خلال اليومين الأولين من الهدنة بين إيران والولايات المتحدة عن حالة معقدة من التوازن الهش، حيث تداخلت إشارات التعافي السريع مع بقاء المخاطر قائمة. فقد دعمت التدفقات المالية الأجنبية سوق الصرف وأسهمت في تحسن العملات، بينما شهدت أسعار النفط تراجعًا أوليًا مع انحسار المخاوف، في مقابل صعود واضح في الذهب والمعادن مدفوعًا بتحسن المعنويات.
وفي الوقت نفسه، عادت شهية المخاطرة للظهور في الأصول عالية المخاطر مثل العملات الرقمية، وهو ما يعكس قدرًا من التفاؤل لدى المستثمرين. إلا أن هذا المشهد الإيجابي نسبيًا لا يلغي حقيقة أن حالة عدم اليقين لا تزال هي العامل الحاكم، في ظل غياب اتفاق نهائي يحدد مسار الأزمة بشكل واضح.
التوقعات: سيناريوهان يحكمان المرحلة المقبلة
يتفق الخبراء على أن المرحلة الحالية لا تزال مفتوحة على أكثر من مسار، وأن ما يحدث الآن هو مجرد رد فعل أولي، بينما سيُحسم الاتجاه لاحقًا وفق نتائج المفاوضات.
في السيناريو الأول، إذا نجحت التهدئة وتحولت إلى اتفاق مستدام، فمن المتوقع أن تستمر تدفقات الاستثمار الأجنبي، بما يدعم استقرار العملات ويمنح الأسواق قدرًا من الثبات. كما قد تتراجع أسعار النفط تدريجيًا مع عودة الإمدادات، في حين يواصل الذهب صعوده ولكن بوتيرة أكثر توازنًا، مدعومًا بتحسن الثقة دون اختفاء كامل للمخاطر.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في عودة التصعيد وفشل المفاوضات، وهو ما قد يعيد الضغوط بقوة على الجنيه، ويدفع أسعار النفط إلى ارتفاعات حادة، بالتزامن مع موجات تقلب عنيفة في الأسواق العالمية. وفي هذه الحالة، سيستعيد الدولار مكانته كملاذ رئيسي، مع تراجع نسبي في شهية المخاطرة.
ما حدث خلال أول 48 ساعة من الهدنة يؤكد أن الأسواق شديدة الحساسية وسريعة التفاعل مع التطورات السياسية، لكنها في الوقت ذاته لا تمنح أحكامًا نهائية مبكرة.
فبين تحسن سريع في بعض المؤشرات، واستمرار المخاطر في الخلفية، تظل جميع التحركات الحالية مؤقتة وقابلة للتغير، لحين اتضاح المسار النهائي للمفاوضات.