مأساة "قاصر الوراق" مع الحب: زواج سري وطفل بلا ورق
كتب : رمضان يونس
متهم في قفص الاتهام
أودعت محكمة جنايات الجيزة، حيثيات حكمها في الدعوى رقم 8944 لسنة 2025 جنايات الوراق، والمقيدة برقم 4715 لسنة 2025 كلي شمال الجيزة، المُدان فيها "سائق" بالسجن 15 عاما لاتهامه بهتك عرض طفلة قاصر وإنجاب طفلًا "سفاح" نتيجة علاقتهما الغير مشروعة كون الطفلة تزوجت سرًا وقضت رفقة السائق عامًا. بعد رفض والدها الزواج.
عقدت الدائرة برئاسة المستشار هاني لويس عبد الملك رئيس المحكمة، وعضوية المستشارين صلاح الدين دياب عبد الجواد، وأحمد حسن محمد، وأحمد أحمد دعبس وسكرتارية أشرف صلاح ورأفت عبد التواب.
وقالت المحكمة في حيثيات حُكمها؛ إن استقر في يقينِ المحكمة واِطمأن إليه وِجدانها، مستخلصة من أوراقِ الدعوى وما حوته من تحقيقات، وما دار بشأنها بجلسةِ المحاكمة، تتحصَّل في أنَّ المتهم "رجب ع"، البالغ من العمر ستة وثلاثين عامًا، سائق "توكتوك"، لم يقف عند حدود ما رزقه الله من زوجة وطفلين، ولم يزجره وازع من دين أو خلق، فانحدر عن سواءِ السبيل، ونسج خيوط غوايته حول المجني عليها "صباح. ع"، ذات السبعة عشر ربيعًا، وإذ لم يُثنيه حداثة سنها، ولا يردعه فرق العمر ولا زاجر من دين أو عرف.
وذكرت المحكمة أن السائق استدرج الطفلة القاصر إلى علاقةٍ عاطفية مُحرمة، وعلى إثر رفض والدها طلب الزواج، عمد إلى تقويضِ رابطة الطاعة، والسعي إلى زعزعةِ سلطان الأسرة عليها، فحملها على عصيانِ أبيها وترك منزل أسرتها، والإقامة معه بمسكنِ أهليته مدَّة سنة كاملة، عاشرها خلالها مُعاشرة الأزواج بغيرِ رباطٍ شرعي، في تحدٍ سافر لقيمِ المجتمع وأحكام الدين، منتهكًا عرضها، وهادرًا حرمتها، دون أن يستند في ذلك إلى قوة أو تهديد، وإنما باستغلالِ حداثة سنها، وضعف إدراكها، وانقيادها لعاطفة لم تُحسن تقدير عواقبها.
وتابعت المحكمة في الحثيثات، أنَّ الواقعة على السياقِ المُتقدم قد استقام الدليل على صحتها ونسبتها إلى المُتَّهم، وثبوتها في حقه، أخذًا بما شهِد به كُل من المجني عليها الطفلة ومُعاون مباحث قسم شرطة الورَّاق ـ ومن إقرارِ المتهم بتحقيقاتِ النيابة العامة، وما ثبت من مطالعةِ شهادة قيد ميلاد المجني عليها، حيث شهِدت المجني عليها بقيامِ علاقة عاطفية بينها وبين المتهم، وأنه على إثرِ رفض والدها طلب المتهم الزواج منها، أقامت بمسكن أهل المتهم مدة سنة كاملة، عاشرها خلالها معاشرة الأزواج برضاها التام، وقد أسفرت تلك المعاشرة عن إنجاب مولود ذكر سمَّته "أحمد" ولم تتمكن من قيده بسجلاتِ المواليد لعدمِ قيام رابطة زوجية رسمية بينها وبين المتهم.
و أوضحت المحكمة في الحثيثات، أنه بسؤال المتهم بتحقيقات النيابة العامة، أقرَّ بأنه متزوج ولديه طفلان، وأنه تعرَّف على المجني عليها وكان على علم ٍ بسنها، وأنَّه تقدَّم لوادها طالبًا الزواج منها إلا أنه رفض. وأضاف أنَّه تزوجها سرًا دون مُحرر عرفي أو رسمي داخل مسكنه برضاها، كما أقرَّ بإنجابه منها طفلًا لم يتمكن من قيده بالسجلات الرسمية.
وشرحت المحكمة في حيثيات الدعوى، أنَّ مِن المُقرَّر قضاءً أنَّ جريمة هتك العرض تتحقق بكل فعلٍ مخل بالحياءِ العرضي يستطيل إلى جسم المجني عليه فيصيب عورة من عوراته بما من شأنه خدش عاطفة الحياء لديه من هذه الناحية، وأنَّ القصد الجنائي في هذه الجريمة يتحقق بانصرافِ إرادة الجاني إلى ارتكاب الفعل وإحداث نتيجته، دون اعتبار للبواعث التي حدته إلى ذلك أو للغرض الذي توخاه منه. كا أنَّ الجريمة المنصوص عليها في المادة (269) من قانونِ العقوبات تفترض ركنًا سلبيًا يُميزها عن سائر جرائم هتك العرض، يتمثل في انتفاء استعمال القوة أو التهديد، إذ يُفترض فيها رضاء المجني عليه بالفعل. ولا يُشترط لثبوتِ هذه الجريمة قيام شهود رؤية أو دليل بعينه، بل يجوز للمحكمة أن تُكوَّن عقيدتها بالإدانة من كل ما تطمئن إليه من ظروفِ الدعوى وقرائنها، متى كانت تلك القرائن سائغة ومؤدية إلى ما انتهت إليه، إذ إنَّ القرائن من طرقِ الاثبات في الموادِ الجنائية، وللقاضي أن يعوَّل عليها وحدها متى استخلص منها استخلاصًا مقبولًا.
وقالت المحكمة في حيثيات الدعوى، إن مِن المقرر أنَّ الاعتراف في المسائلِ الجنائية يُعد من عناصرِ الاستدلال التي تخضع لتقديرِ محكمة الموضوع، ولها كامل الحرية في الأخذ به في أي مرحلة من مراحل التحقيق متى اِطمأنت إلى صحته ومُطابقته للحقيقة والواقع، وكان استخلاصها في ذلك قائمًا على أسبابٍ سائغة، لمَّا كان ما تقدَّم.
وكانت المحكمة قد اِطمأنَّت إلى أدلةِ الثبوت التي ساقتها النيابة العامة، والمُستمدة من أقوالِ المجني عليها الطفلة، والتي تأيدت بتحرياتِ جهة البحث وشهادة مُجريها بالتحقيقات، فضلًا عمَّا ثبت من مُطالعةِ شهادة ميلاد المجني عليها، وما أقرَّ به المتهم ذاته بتحقيقاتِ النيابة العامة، وهي أدلة سائغه كافية، اطمأنت إليها المحكمة وارتكنت إليها بعقيدةٍ جازمة، واستخلصت منها ثبوت ارتكاب المتهم لجريمةِ هتك عرض صبية لم تبلغ من العمر ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة بغير قوة أو تهديد.
واختتمت المحكمة حيثيات الدعوى، أنه لا ينال من سلامةِ هذا الاستخلاص، ولا يقدح في صحة ما انتهت إليه المحكمة، ما ورد بتقريرِ الإدارة المركزية للمعامل الطبية من اختلافِ البصمة الوراثية للحمضِ النووي (DNA) للمولود عن البصمة الوراثية للمتهم، بما يُنفي أبُوَّته للطفلِ محل الواقعة، إذ إنَّ مُؤدى هذا الدليل الفني لا يُجاوز نفي رابطة البنوة فحسب، ولا يمتد أثره إلى نفي واقعة المعاشرة ذاتها، ومن ثمَّ لا ينال من ثبوتِ جريمة هتك عرض المجني عليها على النحوِ الثابت بالأوراق، والمستقر في يقينِ المحكمة.
لذا، قضت المحكمة بمعاقبة المتهم "رجب" بالسجن 15 عاما لما نسب إليه من اتهام.