ولي العهد المنفي.. لماذا يبدو رضا بهلوي مفيدًا لترامب أكثر من إيران؟
كتب : محمد طه
كيف يستخدم ترامب رضا بهلوي؟ (صورة بالـ AI)
لم يعد السؤال الملح في أروقة صنع القرار في واشنطن هو ما إذا كان نجل شاه إيران السابق، رضا بهلوي، يمتلك النفوذ الكافي لإسقاط النظام في طهران، بل ما إذا كان حضوره المتصاعد يمثل حاجة أمريكية ملحة لتسويق السردية السياسية لحرب إيران.
ففي وقت تتصاعد فيه العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل منذ 28 فبراير الماضي، يبرز بهلوي كوجه معارض مألوف يقدم وعودًا بالاستقرار، رغم افتقاره الواضح للهياكل التنظيمية القادرة على إدارة دولة بحجم إيران.
هذا التناقض بين محدودية الرصيد الداخلي والاحتفاء الأمريكي الواسع، يكشف عن توظيف سياسي براجماتي؛ حيث يبدو الرجل أقل أهمية كقائد فعلي لمرحلة ما بعد المرشد الجديد مجتبى خامنئي، لكنه أكثر جدوى كورقة انتخابية يحتاجها الرئيس دونالد ترامب بشدة لترويض الرأي العام الأمريكي، الذي يتصاعد رفضه لحرب إيران.
واجهة سياسية أم قائد فعلي على الأرض؟
وفقًا لتصريحاته المتلفزة، وتحديدًا مقابلته مع المذيعة ماريا بارتيرومو على شبكة "فوكس نيوز"، أعلن بهلوي استعداده التام لقيادة "نظام انتقالي" بمجرد سقوط الجمهورية الإسلامية.
وقد حدد بهلوي سقفًا زمنيًا لهذه المرحلة الانتقالية بـ "عامين على الأرجح"، إلى حين إجراء انتخابات ديمقراطية.
لكن اللافت في خطابه لم يكن فقط إعلانه عن تجهيز "شخصيات ذات كفاءة" لإدارة الدولة، بل تماهيه المطلق مع التدخل العسكري الخارجي؛ إذ أشاد صراحة بما أسماه "القطع الكامل لرأس النظام" في إشارة لعملية "الغضب الملحمي" العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل علي خامنئي.

ولعل أبلغ تعبير عن هذا التماهي بين المعارضة في المنفى والآلة الانتخابية الترامبية، هو محاولة بهلوي مكشوفة الأهداف لمغازلة القاعدة المحافظة في واشنطن.
فبحسب تقرير لصحيفة "ذا هيل" الأمريكية، نُشر مطلع مارس الجاري قبيل مؤتمر المحافظين (CPAC)، استعار بهلوي الشعار الانتخابي الأبرز لترامب، قائلًا: "الأمريكيون هم أفضل شركائنا.. الرئيس ترامب يقول (لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا MAGA)، ونحن نقول (لنجعل إيران عظيمة مجددًا MIGA)".
هذا التصريح يختزل المشهد بأسره قبل الكلمة المنتظرة للرجل في المؤتمر الذي يعتبر أهم تجمع لليمين المتشدد الداعم لترامب من رجال المال والأعمال والإعلام والسياسيين؛ فالرجل يقدم نفسه كنسخة إيرانية متطابقة مع المشروع الترامبي، مصحوبًا بحملة علاقات عامة تروج لمبادرة "مشروع ازدهار إيران".
غير أن الواقع الديموجرافي والسياسي داخل إيران يعكس مشهدًا مغايرًا تمامًا.
وقد خلص تحليل صدر مؤخرًا عن "معهد القدس للاستراتيجية والأمن" (JISS) حول ديناميكيات المعارضة الإيرانية في 2026، إلى أن قدرة بهلوي على ترجمة مكانته الرمزية في الغرب إلى "قيادة تنظيمية فعالة" داخل إيران لا تزال موضع شك كبير، محذرًا من أن الدعم الخارجي لا يعوض غياب الشبكات الميدانية.
وفي السياق ذاته، أشار تحليل نشره "المجلس الأطلسي" أوائل الشهر الجاري، إلى وجود "صدع خفي" بين بهلوي وجيل الشباب المحتج في إيران؛ إذ يقف التماهي الصريح لبهلوي مع السياسات الإسرائيلية والأمريكية حجر عثرة أمام كسب ثقة قطاعات واسعة من الإيرانيين الذين يطمحون للديمقراطية لكنهم يرفضون في الوقت ذاته التفريط في السيادة الوطنية، والعودة إلى ديكتاتوريات الماضي بنفس قدر رفضهم لـ "حكم الملالي"، ناهيك عن الإرث القمعي الذي تركه حكم والده الشاه.
وبناءً على هذا المعطى، يرى العديد من المحللين أن تجهيز حكومة انتقالية في المنفى يعتمد بشكل مفرط على نجاح الضربات العسكرية الأمريكية في تدمير البنية التحتية للنظام الإيراني بشكل كامل، وليس على انتفاضة شعبية يقودها بهلوي بنفسه.
إلا أن هذا الاعتماد الكلي على التدخل الخارجي يُضعف الموقف الأخلاقي لمعارضة الخارج وبهلوي، ويجعل من فكرة "التحول الديمقراطي" مجرد صدى للعمليات العسكرية الجارية، وهو ما تستغله الآلة الإعلامية للنظام الإيراني لتصوير أي تحرك داخلي بأنه خيانة مدعومة من واشنطن.

رضا بهلوي.. كارت انتخابي لترامب
لا يمكن فصل الاحتفاء اليميني الأمريكي ببهلوي عن الحسابات السياسية المعقدة داخل أروقة الحزب الجمهوري، خاصةً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر 2026. إذ تدرك إدارة ترامب أن السيطرة على الكونجرس تعتمد بشكل أساسي على أداء الرئيس نفسه.
وقد بدأ البيت الأبيض مبكرًا في صياغة استراتيجية انتخابية تجعل من صورته كـ "قائد حازم" محورًا لحملات مرشحي الحزب الجمهوري.
ومع تراجع نسبة التأييد الشعبي لترامب إلى 36% بسبب القلق المتزايد من التداعيات الاقتصادية للحرب وارتفاع أسعار الوقود، أصبحت الإدارة بحاجة ماسة إلى تقديم انتصار سياسي ملموس للناخب الأمريكي.
هنا، تبرز القيمة الحقيقية لرضا بهلوي، حيث يوفر للإدارة الأمريكية السردية المثالية المتمثلة في وجود "بديل جاهز" يمكنه استلام السلطة دون الحاجة إلى توريط القوات الأمريكية في مهام بناء الدولة المعقدة أو حروب العصابات طويلة الأمد.
وستلعب السياسة الخارجية دورًا حاسمًا في توجيه أصوات الناخبين المترددين في خريف 2026، وتقديم وجه علماني موالٍ للغرب يعد بالديمقراطية يمثل مخرجًا آمنًا للجمهوريين لتبرير الكلفة الاقتصادية للحرب. كما أن تسويق هذا البديل سيحول النقاش الداخلي الأمريكي من التساؤل حول جدوى تدمير إيران، إلى نقاش حول النُبل الأخلاقي المتمثل في تحرير شعبها.

بهلوي الغائب في حسابات واشنطن الخارجية
تتجلى البراجماتية الأمريكية في أوضح صورها عند مقاطعة الخطاب اليميني في مؤتمر المحافظين (CPAC) مع التحركات الدبلوماسية الفعلية لإدارة ترامب على الأرض.
ففي الوقت الذي يُقدم فيه بهلوي كبديل حتمي للنظام الإيراني، كشف مبعوث البيت الأبيض للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، أول من أمس الأربعاء، عن تقديم إدارته مسودة اتفاق من 15 نقطة لتشكيل إطار عمل لـ "صفقة سلام" مع النظام الإيراني، يتم تمريرها عبر وساطة باكستانية.
كما أعلن ترامب لاحقًا لبرنامج "ذا فايف" على فوكس نيوز، منح النظام الإيراني مهلة 10 أيام، قبل ضرب منشآتها للطاقة، وأضاف بينما ذكر أهدافًا وجداول زمنية متغيرة للحرب مع إيران تتراوح بين الإطاحة بالحكومة الإيرانية وتدمير قدراتها العسكرية والصاروخية، أنه يعتقد أن الولايات المتحدة انتصرت في الحرب. وتابع قائلًا "بشكل ما، انتصرنا بالفعل"؛ في إشارة ربما إلى رغبته في إنهائها قريبًا.
هذه المفارقة تؤكد التحليلات القائلة بأن واشنطن لا تسعى بالضرورة لتنصيب بهلوي، بل تستخدمه كـ "فزاعة" سياسية (Boogeyman) للضغط على طهران لدفعها نحو قبول الشروط الأمريكية في المفاوضات الخلفية، وفي ذات الوقت تُرضي غرور القاعدة اليمينية في الداخل الأمريكي التي تطالب بتغيير النظام.

بهلوي الذي تحبه القاعدة اليمنية
يلعب مؤتمر العمل السياسي المحافظ (CPAC)، الذي يقام حاليًا في دالاس، دورًا محوريًا في مسار تسويق هذه السردية، وقد شهد دمجًا غير مسبوق بين أهداف الحرب الجيوسياسية والعقيدة الدينية للقاعدة الإنجيلية الداعمة لترامب؛ فاستضاف فتيات إيرانيات فقدن أعينهن برصاص قوات الأمن خلال احتجاجات 2022، ما أسهم في خلق حالة تعاطف وجداني تبرر قسوة العمليات العسكرية.
هذا التوظيف المكثف لقصص الضحايا، تحت شعار "امرأة، حياة، حرية"، يهدف إلى إحراج اليسار الأمريكي ووضعه في موقف المدافع عن نظام يمارس القمع العنيف ضد النساء.
في المقابل، تولى القس الإنجيلي البارز فرانكلين جراهام بلورة البعد اللاهوتي لهذه المعركة، مصرحًا بأن التدخل العسكري لترامب أنقذ إسرائيل من "إبادة نووية" محققة على يد النظام الراديكالي.
مزيج من سرديات حقوق الإنسان الغربية والنبوءات التوراتية يشكل خلطة انتخابية مثالية لضمان استمرار تدفق تبرعات اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، وضمان تصويت المحافظين المتدينين بكثافة في انتخابات التجديد النصفي. بينما بهلوي في هذا السياق، ليس سوى قطعة البازل الأخيرة التي تكتمل بها اللوحة الترامبية: زعيم شرقي مستعد لصنع السلام مع إسرائيل وإغلاق ملف التهديد النووي للأبد.
بهلوي.. فخ البديل الجاهز وأشباح العراق وفنزويلا
رغم البريق الإعلامي الذي يحيط بتحركات المعارضة الإيرانية في واشنطن، فإن الاستراتيجية الأمريكية الحالية تعيد إلى الأذهان إخفاقات سابقة راهنت فيها الإدارات المتعاقبة على قيادات المنفى.

يعيد مشهد بهلوي في أروقة المحافظين إنتاج ظاهرة أحمد الجلبي قبل غزو العراق عام 2003، عندما أقنعت المعارضة العراقية إدارة جورج بوش الابن بأن القوات الأمريكية ستُستقبل بالورود، وأن هناك هياكل جاهزة لإدارة بغداد فور سقوط صدام حسين.
وقد أثبتت التجربة العراقية أن الانفصال الطويل عن الداخل يفقد المعارضين قدرتهم على فهم التحولات العميقة في مجتمعاتهم، مما أدى إلى فراغ أمني وسياسي كارثي.

على الجانب الآخر، تلوح في الأفق تجربة خوان جوايدو في فنزويلا عام 2019، عندما اعترفت إدارة ترامب الأولى به كرئيس انتقالي شرعي للبلاد في محاولة لإسقاط نظام نيكولاس مادورو. لكنه، رغم الدعم الدبلوماسي الهائل والعقوبات القاسية، فشل في تحريك المؤسسة العسكرية الفنزويلية أو إحداث شرخ حقيقي في جدار السلطة، لتنتهي حركته بالتلاشي السياسي.
يواجه ترامب اليوم خطرًا مماثلًا إذا طال أمد الحرب ولم تحدث انهيارات سريعة في صفوف الحرس الثوري الإيراني؛ حيث قد تتحول ورقة رضا بهلوي من طوق نجاة انتخابي يضمن الفوز في 2026، إلى شاهد إضافي على سوء التقدير الأمريكي في استنساخ قيادات مُعلبة لا تملك جذورًا في أرض المعركة.