"القلمون".. حكاية قرية حكمت نفسها كـ "دولة مستقلة" وسجلت تراثها بـ "ريشة البوص" -صور
كتب : محمد الباريسي
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
-
عرض 12 صورة
تقف قرية القلمون بالداخلة على بُعد نحو 11 كيلومترًا من مدينة موط، كأنها “دفترٌ مفتوح” من طبقات الزمن. رحلةٌ تتداخل فيها الإدارة بالتجارة، وتجاور فيها المعابد والأضرحة مع سجلات الحكم والشرع، بينما تُطل وثائق نادرة لتروي كيف صارت قرية القلمون مركزًا مؤثرًا في تاريخ الواحات عبر قرون طويلة، وفق مصادر خاصة لمصراوي.
حكمٌ محلي واستقلالٌ إداري
قبل دخول الإسلام إلى مصر، عاشت الواحات المصرية الخارجة والداخلة والفرافرة في إطار نظام حكم محلي يقوده حكام لكل واحة، يتولون تنظيم القوانين وجمع الضرائب وحفظ الأمن، وهو نظام تعزز خلال العصور الرومانية وما قبلها، بحسب روايات تاريخية متداولة بين الباحثين.
ويقول الأثري محمد إبراهيم، مدير آثار الوادي الجديد، لمصراوي، إن الشواهد المادية على هذا العمق التاريخي لا تزال حاضرة في عدد من المعابد والأضرحة، مستشهدًا بمعالم بارزة مثل معبد هيبس وقصر الزيان ومقابر المزوقة، باعتبارها “دلائل على ازدهار حضاري بعيدًا عن تأثيرات وادي النيل”، بما يثبت خصوصية الواحات كمراكز حضارية قائمة بذاتها.
طرق التجارة
تابع قائلا : إنه مع تعاقب الحضارات، حافظت واحة الداخلة على أهمية اقتصادية وتجارية، إذ جرى استغلال اقتصادياتها عبر التوسع في الزراعة والاستفادة من موقعها الجغرافي، ما ساعد على رواج تجاري وحرفي رغم العزلة وصعوبة المسالك وقسوة ظروف الحياة، وفي قلب هذا المشهد، برزت قرية القلمون باعتبارها مركزًا عمرانيًا قديمًا على طريق التجارة، وفق سرديات تاريخية جمعها باحثون متخصصون.
مراكز إدارة وتجارة ثم انتقال الحكم
مع بزوغ العصر الإسلامي، تحولت الواحات إلى مراكز إدارية وتجارية أكثر تنظيمًا.
ويؤكد الخبير الأثري منصور عثمان، خبير في الآثار القبطية والإسلامية لمصراوي، أن مقر الحكم ظل لفترة طويلة في بلدة القصر، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى قرية القلمون في أواخر العصر المملوكي وبدايات العصر العثماني.
ويضيف منصور أن هذا الانتقال ارتبط بجهود أمراء الجراكسة الذين قدموا لتأمين الواحات من هجمات اللصوص، إذ جرى حفر آبار جديدة وتشييد سور حول القرية لتعزيز الأمن. ومع الوقت، لم تعد قرية القلمون مجرد قرية، بل تحولت إلى مقر لمجالس القضاء الشرعي ومركز للحكم المحلي، ما رسّخ مكانتها كعاصمة لإقليم الواحات في مراحل من العصر العثماني.
سجلات تكشف مركز الحكم
الوثائق هي "الحجر الناطق" في هذه الحكاية، وتقول الدكتورة حنان حجازي، رئيس قسم الآثار بكلية آداب جامعة الوادي الجديد، لمصراوي إن دار الوثائق القومية تضم سجلات تؤكد دور قرية القلمون كمركز حكم في العصر العثماني، من بين أبرزها وثيقة مؤرخة عام 1030 هـ تشير إلى أن الناظر في الأحكام الشرعية كان يدير شؤون الواحات من قرية القلمون، مع تعيين نواب لإدارة مناطق أخرى.
وتوضح حجازي، أن وثائق أخرى رصدت أزمات اجتماعية واقتصادية، منها نزوح أهالي الخارجة بسبب الضرائب الباهظة وما ترتب عليه من خراب، قبل أن يتدخل حاكم الواحات في قرية القلمون بوعود لتخفيف الضرائب وإعادة السكان، في محاولة لوقف التدهور وإعادة الإعمار.
وتضيف أن سجلًا يحمل رقم 392 يتضمن حججًا شرعية بين عامي 409 هـ و1342 هـ، بينها ما يثبت وجود قاضٍ شرعي بمدينة قرية القلمون يشرف على نواب الشرع في الخارجة، بما يعكس شبكة القضاء الشرعي المرتبطة بالمركز الإداري في العصر العثماني.
القلمون في كتب الرحالة
لم تغب قرية القلمون عن أعين المؤرخين والرحالة، تقول رئيس قسم الآثار بجامعة الوادي الجديد، لمصراوي إن ابن حوقل ذكرها في "صورة الأرض" في القرن الرابع الهجري، ثم وردت عند البكري في "المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب"، كما ظهرت في "قوانين الدواوين" لابن مماتي، وغيرها من المراجع التي وصفتها ببلدة غنية بالكروم وبها كنائس ومعمار مميز، ما يبرز تنوعًا ثقافيًا ودينيًا في محيط واحة الداخلة.
مصحف بخط اليد ووثائق عمرها قرون
تحتفظ بعض العائلات بكنوزها الخاصة، ويقول أحد أبناء عائلة الخطيب وهو الحاج عبد الستار سليمان، لمصراوي، إن الأسرة تمتلك وثائق تاريخية يزيد عمرها على 340 عامًا، تشمل معاملات زراعية وشجرة عائلة ومخطوطات إسلامية.
ويشير إلى أن أبرز ما لديهم مصحف مكتوب يدويًا بريشة البوص وحبر طبيعي، في 10 مجلدات، يتضمن تفسير الجلالين وتوضيحات حول الناسخ والمنسوخ، في مشهد يعكس حضور "ثقافة الكتابة" في قرية القلمون.
أعتاب خشبية ونقوش الثلث
وفي منتصف القرن الماضي، جرى الكشف وفق الخير الأثري مجدي إبراهيم، مدير منطقة آثار الداخلة سابقا، وأحد أبناء المركز، عن 16 عتبة خشبية قديمة تعلو مداخل منازل قرية القلمون، تحمل نقوشًا بخط الثلث تتضمن أسماء المنشئين وتواريخ الإنشاء.
ويشير مجدي، إلى أن أقدم تاريخ ظاهر على هذه الأعتاب يعود إلى 1108 هـ (1697م)، في دلالة على أن العمران كان قائمًا قبل ذلك، وأن العصر العثماني ترك بصمة مادية مباشرة في نسيج القرية.
عائلات "الكاشف" و"الشاهد" وأدوار الإدارة
تاريخ الإدارة لم يكن منفصلًا عن العائلات المحلية، ويشرح الدكتور عبد الله حنفي، خبير التراث الواحاتي وأستاذ بجامعة بورسعيد، وأحد أبناء مركز الداخلة، أن بعض العائلات مثل “الكاشف” و“الشاهد” تولت أدوارًا إدارية في العصرين المملوكي والعصر العثماني؛ فالأولى ارتبطت بتحصيل الضرائب وحفظ الأمن، بينما تخصصت الثانية في تسجيل عقود الملكية وإدارة شؤون الآبار الزراعية، ضمن منظومة الحكم التي دار جزء منها حول القضاء الشرعي في قرية القلمون.
واليوم، تتصاعد الدعوات لتوثيق التراث وحفظ الوثائق، ويقول الدكتور عبد الله حنفي، إن مخطوطات الأهالي تحتاج إلى جهود متخصصة للحماية من التلف، مقترحًا عرضها في متاحف أو توثيقها في كتب علمية، باعتبارها جزءًا من هوية واحة الداخلة وذاكرتها.