إعلان

عاد بتصريح دفن ذراعيه.. بأي ذنب ضاع حق "سعيد" ابن قرية شلشلمون؟ (صور ومستندات)

كتب : يوسف محمد

04:26 م 22/02/2026

تابعنا على

مع بزوغ فجر السادس عشر من يناير 2024، ودّع الشاب "سعيد حامد الديب"، ابن الثانية والعشرين عامًا، مسقط رأسه بقرية "شلشلمون" التابعة لمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية. خرج الشاب بكامل عافيته قاصدًا عمله في حقول البترول بمدينة "أبو رديس" في جنوب سيناء، بحثًا عن تأمين مستقبله. لم يكن يعلم أن واقعًا مأساويًا يقبع في انتظاره، وأنه سيعود إلى قريته بعد أيام، ليس حاملًا ثمار تعبه، بل حاملًا "تصريحًا رسميًا" من النيابة العامة ومكتب الصحة؛ لدفن ذراعيه المبتورتين في تراب القرية، تاركًا خلفه جسدًا ناقصًا ووعودًا تتبخر يومًا تلو الآخر.

عطل فني.. وسقوط مأساوي في "المفرمة"

لم يكن سعيد يتخيل أن هذا اليوم سيقلب حياته رأسًا على عقب. باشر الشاب عمله المعتاد على ماكينة حفر آبار البترول، قبل أن يلاحظ عطلًا فنيًا يعيق سير العمل.

ووفقًا لروايته، تقاعس مهندس الصيانة المسؤول عن إصلاح الخلل، حيث يقول في تصريحاته لمصراوي: "أخبرت مهندس الصيانة بوجود عطل في الماكينة، وأخبرني أنه سيقوم بصيانتها، ولكن هذا لم يحدث".

أمام المعدة الثقيلة تغير كل شيء؛ بادر الشاب بمحاولة إصلاح العطل وتنظيف الجهاز من تراكمات "الطفلة"، فانزلقت قدماه فجأة من أعلى الماكينة ليسقط أرضًا داخل أحشاء الآلة.

شكلت تلك اللحظة بداية المأساة، حيث ابتلعته ما وثقته تحقيقات النيابة العامة لاحقًا بكونه "آلة حادة (مفرمة)"، لتبتر الماكينة ذراعيه بالكامل، دون أن يجد من ينقذه في ظل الغياب التام لأي من زملائه بجواره في ذلك الوقت.

وألقى ابن الثانية والعشرين باللوم في تفاقم الحادث على مسؤول "السيفتي" بالشركة، مشيرًا إلى وجود قصور في طاقم الأمان، وعدم توافر وسائل الحماية بالقدر الكافي في موقع العمل، موضحًا: "كان هناك عطل بالسير الذي يساعد على إيقاف الماكينة بشكل فوري في حالات الطوارئ".

4 ساعات تنهي آمال العودة

عقب انتباه بعض العاملين للكارثة، نُقل الشاب مباشرة إلى العيادة الخاصة بالموقع، حيث مُنح حُقنًا لوقف النزيف الحاد، قبل توجيهه إلى مستشفى أبو رديس.

ولأن المستشفى لم يكن مؤهلًا بالقدر الكافي لإجراء جراحة دقيقة كـ "زرع الأطراف"، استدعى الأمر نقله بشكل عاجل إلى القاهرة، وتحديدًا إلى مستشفى "السلام الدولي".

استغرقت الرحلة ما بين 4 إلى 5 ساعات بحسب تأكيد سعيد، وهو ما جعل الوصول يأتي "بعد فوات الأوان"؛ إذ أخبره الأطباء في القاهرة أن الأطراف "ماتت"، ولم يعد هناك أي إمكانية طبية لإجراء عملية الزرع.

8 أشهر من الصمت.. ووعود متبخرة

وفي محاولة لتهدئة الأمور عقب الحادث مباشرة، زاره بعض المسؤولين من الشركة التي يعمل بها، وقدموا له وعودًا بالوقوف إلى جانبه وتركيب "أطراف ذكية" تساعده على استكمال حياته بشكل طبيعي، واضعين شرطًا صارمًا بعدم اللجوء للقضاء. التزم سعيد بهذا الشرط محافظًا على صمته لمدة 8 أشهر كاملة.

ومع عدم الإيفاء بأي من هذه الوعود وتبخرها مع مرور الوقت، وتراجع الشركة عن تسوية الأمور وديًا، اضطر الشاب أخيرًا لمقاضاة الشركة في محاولة للحفاظ على حقه.

هاتف مفقود وشهود زور

وقف سعيد أمام العدالة وحيدًا يطالب بحقه، لتفاجئه شهادات العاملين التي استعانت بهم الشركة لقلب موازين القضية، إذ يقول: "قالوا إني كنت مهملًا ومشغولًا بالتليفون أثناء وقت العمل، ومهندس الصيانة بالشركة الذي أبلغته بوجود أزمة في الجهاز، قال إن الجهاز لم يكن يحتاج إلى الصيانة وليس به أي مشاكل".

ولم يتوقف الأمر عند تغيير الشهادات، فيروي سعيد تفصيلة بالغة الخطورة: "الشركة أرسلت لي متعلقاتي الشخصية بعد الحادث، ولكنها لم تكن كاملة، إذ تم إخفاء عدد من المتعلقات الخاصة بي التي يمكن أن تدينهم، مثل هاتفي المحمول الذي كان يحتوي على الرسائل التي أرسلتها لإدارة الموارد البشرية (HR)، لإخبارهم بأن السيفتي الذي أرتديه ليس صالحًا للعمل".

أطراف "تجميلية" لا تفيد

وفي النهاية، عرضت الشركة على "سعيد" تركيب أطراف ثابتة "شكلية" فقط، وهو ما رفضه الأخير مُتمسكًا بحقه في أطراف ذكية، قائلًا: "أعاني من العجز في الذراعين، وهذا أمر يجعل حياتي متوقفة بشكل كامل، ولا أتمكن من التحرك بمفردي وأحتاج دائمًا إلى مرافق معي، لذا فتركيب الأطراف الثابتة لن يفرق معي بأي شكل من الأشكال".

مناشدة أب وسط الجحيم

مأساة الحادث لم تترك أثرها على جسد سعيد فحسب، بل تسلل الحزن العميق إلى قلب والده، الذي لا يزال يأمل أن يتمكن نجله من العودة لاستكمال حياته بشكل شبه طبيعي في الفترة المقبلة، قائلًا: "حياتي تحولت إلى جحيم بسبب ما تعرض له سعيد، ونطالب الشركة بأطراف ذكية، علشان يقدر يعيش حياته حتى بنسبة 20%، ويستطيع قضاء حاجاته الشخصية، دون أن يحتاج إلى مرافق له ولا يكون عبئًا على أحد".

يجلس سعيد اليوم حبيس بيته في قرية شلشلمون، يطالع أوراق دفن أطرافه، وينتظر يدًا تمتد إليه لتعوضه عن يده التي فقدها، مناشدًا المسؤولين بالتدخل لإنقاذ ما تبقى من مستقبله.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان