إعلان

فجوة "توماهوك".. هل تنجح أوروبا في تطوير بدائل الصواريخ الأمريكية لردع روسيا؟

كتب : محمود الطوخي

02:17 م 06/05/2026

دونالد ترامب ووزير الدفاع الألماني

تابعنا على

كشف قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإلغاء النشر المخطط له لصواريخ طويلة المدى في ألمانيا عن افتقار أوروبا الصارخ لوسيلة ردع تبرز بشكل أساسي أمام الترسانة الروسية.

وكانت الخطة التي وُضعت في عهد إدارة بايدن تهدف لنشر كتيبة مجهزة بصواريخ كروز من طراز "توماهوك" وأسلحة "النسر المظلم (دارك إيجل)" فرط الصوتية، لتزويد القارة الأوروبية بقدرات "الضربات العميقة الدقيقة" القادرة على ضرب أهداف في عمق الأراضي الروسية أو أي خصم أجنبي آخر.

وصرح بوريس بيستوريوس، وزير الدفاع الألماني، بأن قرار ترامب بإلغاء هذه الخطة، التي أصر الوزير على أنها لم تكن نهائية بعد، سيكون "مؤسفا للغاية وضارا" لألمانيا ولأوروبا برمتها، محذرا من أن ذلك قد يؤدي إلى اتساع فجوات القدرات الأوروبية بشكل أكبر مما هي عليه الآن.

مفهوم "الضربات العميقة الدقيقة" وأهميتها الاستراتيجية

تغطي قدرات الضربات العميقة الدقيقة مجموعة واسعة من الصواريخ التي يتراوح مداها ما بين 1000 و3 آلاف كيلومتر، وتتميز بدقة استهداف عالية تتيح لها تدمير مبانٍ محددة أو حتى استهداف قاذفات القنابل وهي تستعد للإقلاع على الممرات.

ويعتبر الخبراء العسكريون ومسؤولو الدفاع أن هذه القدرات جزء حاسم من أي ترسانة عسكرية لثلاثة أسباب جوهرية: أولا، القدرة على تهديد البنية التحتية الاستراتيجية وردع العدو عن شن هجوم، الانتقام من الأعمال العدوانية دون اللجوء إلى صراع شامل أو ضربات نووية، وأخيرا، ضرب أهداف العدو الرئيسية البعيدة عن خط المواجهة خلال النزاعات، مثل القواعد الجوية أو صوامع الصواريخ.

وصرح مسؤول عسكري غربي لصحيفة "فايننشال تايمز" قائلا: "تريد أن تكون قادرا على ضرب مصنع طائرات مسيرة روسي قبل أن يرسلوا 500 طائرة مسيرة نحونا، أو ضرب غواصة قبل أن تغادر الميناء حتى".

وتعد الضربات الأوكرانية الأخيرة على المطارات الروسية مثالا حيا على فاعلية هذه القدرات؛ حيث أظهرت صور الأقمار الاصطناعية دمارا هائلا في قاذفات استراتيجية روسية في قاعدة "بيلايا" الجوية.

ونُسب الفضل للتهديدات الأمريكية في عام 2022 بتدمير أصول عسكرية روسية حيوية باستخدام صواريخ طويلة المدى في إقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالعدول عن استخدام سلاح نووي في أوكرانيا.

وأكد كميل جراند، الأمين العام لرابطة صناعات الفضاء والأمن والدفاع في أوروبا والمساعد السابق للأمين العام لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، أن هذه القدرات وسيلة لإلحاق الألم بالخصم من مسافة بعيدة وتوفر عنصر ردع تقليدي لا غنى عنه.

وأضاف جراند: "لقد تعلمنا من الدروس المستفادة في الحرب في أوكرانيا وأحداث حرب إيران أن تدمير الأصول الحيوية للخصم أو مجرد تهديدها هو أمر حاسم في حسم الصراعات أو منع نشوبها من الأساس".

أسباب غياب قدرات الردع التقليدية عن القارة الأوروبية

أهملت الدول الأوروبية تطوير قدرات الضربات العميقة الدقيقة في العقود الأخيرة، معتمدة على ضمانات الولايات المتحدة بتوفيرها، وبسبب المخاوف من استفزاز روسيا.

ومنذ الحرب الباردة، كانت واشنطن هي المزود الرئيسي للردع التقليدي، سواء من مواقع الإطلاق داخل أمريكا أو عبر الصواريخ المتمركزة في أوروبا.

إلى جانب ذلك، فإن "معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى" لعام 1987 بين موسكو وواشنطن، التي حظرت الصواريخ بمدى يتراوح بين 500 و5500 كيلومتر، كبحت الاهتمام بتطوير هذه الأنظمة حتى انتهاء المعاهدة في عام 2019.

وأوضح جراند أن غياب هذه القدرات ليس ناتجا عن قصور في التفكير، بل بسبب الحذر الشديد لتجنب انتهاك المعاهدة المذكورة، مشيرا إلى أنه حتى في حال تراجع ترامب عن قراره، فإن إمدادات هذه الأسلحة تظل محدودة بسبب معدلات الاستهلاك العالية المرتبطة بسياق التوترات بين إيران وأمريكا، والتحول الاستراتيجي الأمريكي نحو منطقة آسيا والمحيط الهادئ وتأمين ممرات الملاحة مثل مضيق هرمز.

اقرأ أيضا:

بعد سحب جنود من ألمانيا.. كيف يستعد الأوروبيون لانسحاب أمريكي محتمل من الناتو؟

وتمتلك ألمانيا وإسبانيا حاليا صواريخ كروز من طراز "تاوروس" بمدى 500 كيلومتر، بينما طورت فرنسا والمملكة المتحدة صواريخ "سكالب/ستورم شادو" بمدى مماثل، غير أن المخزونات منخفضة وتعتمد كليا على الإطلاق الجوي، مما يتطلب تحقيق تفوق جوي يصعب ضمانه دون الدعم الأمريكي.

ورغم امتلاك بريطانيا صواريخ "توماهوك" تُطلق من الغواصات، وامتلاك فرنسا صواريخ كروز بحرية من إنتاج "شركة إم بي دي إيه الأوروبية" بمدى 1400 كيلومتر، إلا أن غياب البدائل التقليدية للصواريخ الباليستية النووية يضع القادة أمام خيار "كل شيء أو لا شيء" عند الرد على أي هجوم.

التهديد الروسي المباشر للعواصم الأوروبية الكبرى

وبحسب "فايننشال تايمز"، فإنه بدون القدرة على ضرب القواعد البحرية الروسية في "مورمانسك" أو "نوفوروسيسك"، أو المواقع العسكرية القريبة من موسكو، تجد أوروبا نفسها في موقف ضعف شديد.

في المقابل، تمتلك روسيا صواريخ "كينجال" و"9 إم 729" بمدى يتجاوز 2000 كيلومتر، مما يضع عواصم مثل وارسو وبرلين وميونيخ تحت التهديد المباشر من داخل الأراضي الروسية، بل إن الأسلحة المنتشرة في جيب "كالينينجراد" يمكنها الوصول إلى لندن وباريس وروما.

ويرى مسؤولو الناتو، أن هذا الاختلال يحد من قدرة أوروبا على إدارة الأزمات.

وصرح ميخائيل كوكوريتش، الرئيس التنفيذي لشركة "ديستينوس" المصنعة لصواريخ كروز ومقرها هولندا، بأن التحدي الأوروبي يتجاوز فجوة المدى ليصل إلى فجوة في القدرة الصناعية وتجديد المخزونات والسيادة الوطنية.

وأشار كوكوريتش في تصريحاته لـ"فايننشال تايمز"، إلى أن الصراعات الحديثة أثبتت استهلاك الأنظمة الدقيقة بمعدلات تفوق كافة التوقعات التقليدية.

مبادرات التطوير والحلول الصناعية المؤقتة

في عام 2024، أطلقت ألمانيا وفرنسا وبولندا وإيطاليا مبادرة "إلسا" لتطوير صواريخ طويلة المدى أوروبية الصنع، وانضمت إليها لاحقا المملكة المتحدة والسويد.

ورغم وجود مشاريع بمدى مستهدف يتجاوز 2000 كيلومتر، فإن معظمها لا يزال في مراحل مبكرة ولن يكون جاهزا قبل ثلاثينيات القرن الحالي.

وأشار فابيان هوفمان، الباحث البارز في الكلية الجامعية للدفاع النرويجية، إلى وجود فجوة غير مفهومة بين الخطاب السياسي والفعل على أرض الواقع.

ويرى المحللون أن أسرع طريق هو إعادة هندسة صواريخ فرنسية بحرية موجودة لتحويلها إلى نسخ برية أو جوية أطول مدى.

وتنتج "شركة ديستينوس" حاليا أكثر من 2000 صاروخ كروز سنويا، واختبرت مؤخرا عناصر لنظام "روتا بلوك 2" المصمم كمنظومة ضربات عميقة دقيقة بمدى يزيد عن 700 كيلومتر وحمولة 250 كيلوجراما.

وأكد كوكوريتش، الذي أعلنت شركته عن مشروع مشترك مع شركة "راينميتال" الألمانية"، أن أوروبا تحتاج لمسارات صناعية متعددة وسريعة بدلا من الاعتماد على برنامج مركزي واحد قد تعرقله البيروقراطية.

من جانبه، أشار وزير الدفاع الألماني إلى أن بلاده ستستفيد من "الخبرة الأوكرانية"، حيث طورت كييف صاروخ كروز "فلامينجو" بمدى يتجاوز 3000 كيلومتر، واستخدمته لضرب أهداف عسكرية على بعد 1500 كيلومتر في "تشيبوكساري" على نهر الفولجا.

كما طورت أوكرانيا طائرات مسيرة طويلة المدى لضرب مصافي النفط، بينما وقعت "شركة إم بي دي إيه" عقدا لإنتاج طائرات مسيرة هجومية بمدى يزيد عن 500 كيلومتر.

وشدد هوفمان، على ضرورة شراء أي حلول متاحة حاليا، مؤكدا على أن الدول الأوروبية في وضع لا يسمح لها بالاختيار الرفاهي بين الحلول المثالية.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان