إعلان

قمة ترامب وشي.. كيف يمكن أن تحدد مسار العلاقات الأمريكية الصينية؟

كتب : محمود الطوخي

03:30 م 12/05/2026 تعديل في 03:44 م

قمة ترامب وشي

تابعنا على

بدأت الاستعدادات الميدانية في بكين بتشديد أمني مكثف حول ساحة "تيانانمن" التاريخية، وسط شائعات عن عرض عسكري خاص أو حدث ضخم تم تصميمه بعناية، إذ تستعد الصين لتقديم عرض مبهر للرئيس الأمريكي يشمل محادثات ومأدبة عشاء وزيارة إلى معبد السماء، وهو المجمع الإمبراطوري الذي كان الأباطرة يصلون فيه من أجل حصاد جيد.

ويعتبر مراقبون هذه الزيارة التي تُعد الأولى لرئيس أمريكي إلى الصين منذ عام 2017 التي أجراها ترامب، الأكثر تأثيرا منذ سنوات بين أقوى زعيمين في العالم، حيث يسعى كلاهما لأن تؤتي الزيارة ثمارها في ظل ملفات شائكة تشمل مستقبل التجارة العالمية والتوترات المتصاعدة في تايوان.

ويصف كيرت كامبل، رئيس ومؤسس مشارك لمجموعة "آسيا جروب" والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي، القمة بأنها مواجهة حديثة تحمل دلالات "المبارزة الفردية" القديمة، مثل مبارزة "أخيل وهيكتور"، حيث يمتلك الزعيمان سلطة شخصية هائلة وقيودا مؤسسية قليلة جدا.

وفي مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز"، يشير كامبل إلى أن أي من زعماء البلدين لم يتمتع بهذا القدر من السلطة الشخصية في تحديد مستقبل العلاقات منذ لقاء الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون التاريخي مع الزعيم الصيني ماو تسي تونج عام 1972، مؤكدا أن ترامب همّش أو تجاهل خبراء الصين من حوله، بينما يظل شي "السيد المطلق" في اللجنة الدائمة للحزب الشيوعي.

حرب إيران.. "المختبر" الجيوسياسي ومساعي الوساطة

ترى شبكة "سي إن إن" الأمريكية، أن فشل ترامب في تحقيق نصر واضح في إيران واستمرار الحرب التي لا يستطيع إنهاءها يهدد بتقويض سلطته والقوة الأمريكية أمام نظيره الصيني.

وتؤكد الشبكة الأمريكية، أن ترامب حوّل الولايات المتحدة إلى أحد المصادر الرئيسية لعدم الاستقرار العالمي وفكك الأسس التقليدية للتفوق الأمريكي، مشيرة إلى أن تحدي قوة أصغر مثل إيران للإرادة الأمريكية يجعله يبدو ضعيفا شخصيا.

واستشهدت بتصريحات علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، التي يستهزأ فيها بترامب ويحذره من تخيل الدخول إلى بكين منتصرا، بينما تدرس واشنطن بجدية استئناف العمل العسكري ضد طهران بعد فشل كافة مساعي الحل.

وفي المقابل، تحاول الصين التدخل كوسيط مع دخول الحرب شهرها الثالث، حيث انضمت إلى باكستان كوسيط في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.

وفي مارس الماضي، طرحت بكين وإسلام آباد خطة تهدف إلى وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز، بينما يضغط المسؤولون الصينيون خلف الكواليس على طهران للعودة للمفاوضات، وفقا لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".

يتماشى ذلك، مع دعوة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الصين لإبلاغ إيران بأنها "الطرف السيئ والمنعزل دوليا".

وترى "بي بي سي"، أن الرئيس الأمريكي يبدو غير منزعج من علاقة بكين بطهران، إذ من أهمية دعمها لها بقوله إن أمريكا تفعل أشياء ضدها أيضا.

وتشير وكالة "رويترز" البريطانية، إلى أن ترامب يسعى للحصول على مساعدة نظيره الصيني لإقناع طهران بالتوصل إلى اتفاق ينهي النزاع الذي تسبب في أزمة طاقة عالمية وأضر بمعدلات تأييده قبل انتخابات التجديد النصفي.

وصرّح مات بوتينجر، الذي شغل منصب نائب مستشار الأمن القومي خلال إدارة ترامب الأولى، بأن الصين تود رؤية نتيجة تضعف القوة الأمريكية لكنها ليست محصنة ضد التكلفة الاقتصادية لصراع طويل الأمد.

وبينما تظل بكين مستهلكا رئيسيا لصادرات النفط الإيرانية، يمنحها ذلك نفوذا يسعى ترامب لاستغلاله لإنهاء الحرب التي يرفضها أكثر من 60% من الأمريكيين وفق استطلاعات الرأي الأخيرة، بحسب "رويترز".

تايوان والغموض الاستراتيجي.. ثمن الاستقرار المستقبلي

منذ عودته إلى البيت الأبيض، بعثت إدارة الرئيس الأمريكي إشارات متناقضة تجاه تايوان، حيث وقع ترامب صفقة أسلحة بقيمة 11 مليار دولار في ديسمبر الماضي، لكنه قلل في الوقت نفسه من رغبة أمريكا في الدفاع عنها عسكريا.

وفي وقت سابق، صرح ترامب بأن الرئيس الصيني شي جين بينج يعتبر تايوان جزءا من الصين وأن "الأمر يعود إليه فيما سيفعله"، فضلا عن اتهامه تايوان بسرقة صناعة أشباه الموصلات وفرضه تعريفة بنسبة 15% عليها العام الماضي.

وتؤكد "بي بي سي"، أن بكين تزيد من ضغوطها العسكرية عبر إرسال طائرات وسفن حربية حول الجزيرة يوميا بشكل شبه دائم، بينما يسعى المسؤولون الصينيون لدفع واشنطن لتغيير لغة سياسة عام 1982 من "لا تدعم استقلال تايوان" إلى "تعارض استقلال تايوان".

يبين كامبل في مقاله بـ"فورين أفيرز"، أن ترامب يطبق مفهوم الغموض الاستراتيجي على كامل سياسته تجاه الصين، مما يجعل من الصعب التنبؤ بما إذا كان سيميل نحو بكين أم سيصطف مع الحلفاء.

وينوّه إلى وجود تناقضات صارخة؛ حيث رفع ترامب قيودا على تدفق تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الصين في ديسمبر 2025 وأبدى استعدادا للتنسيق الأمني مع شي، بينما أعلن في الشهر نفسه عن أكبر صفقة أسلحة لتايوان واتخذ إجراءات لكسر احتكار الصين للمعادن النادرة.

ويحذر كامبل من أن هذا الغموض يخلق قلقا لدى حلفاء أمريكا مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا من احتمال ميل واشنطن نحو المهادنة أو الاسترضاء، ما يجعل القمة الاختبار الحقيقي لتموضع ترامب في آسيا المنقسمة.

ونقلت "رويترز" عن وو شينبو، الأستاذ بجامعة فودان في شنغهاي وعضو المجلس الاستشاري للسياسات بوزارة الخارجية الصينية، قوله إن على ترامب أن يوضح أنه "لن يدعم استقلال تايوان أو يتخذ إجراءات تشجع أجندة سياسية انفصالية".

ويؤكد شينبو، أن أي تغيير ولو كان طفيفا في صياغة واشنطن لالتزامها تجاه تايوان سيؤدي إلى زيادة القلق بشأن التزام الداعم الأهم للجزيرة، وهو قلق سيمتد أثره ليشمل كافة حلفاء الولايات المتحدة في القارة الآسيوية، ما يضع مستقبل الاستقرار الإقليمي على المحك خلال هذه القمة.

السيادة الرقمية.. صراع الرقائق ومقايضة المعادن النادرة

تشير "بي بي سي"، إلى وجود سباق محموم لامتلاك المستقبل من خلال الاستثمار الصيني الضخم في الذكاء الاصطناعي والروبوتات البشرية التي وصفها شي جين بينج بأنها "قوى إنتاجية جديدة" تهدف لدفع الاقتصاد الصيني نحو الأمام.

وتتهم واشنطن بكين بسرقة نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية مثل "ديب سيك" على نطاق صناعي، مما أدى لنشوء ما وصفته بـ"الحرب الباردة للذكاء الاصطناعي".

وتوضح يينج يي ما، الباحثة في مركز جون ثورنتون للصين بمعهد بروكينجز، أن الصراع الحقيقي لا يدور حول من ينسخ نموذج الآخر، بل حول المواهب القادرة على بناء الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي المتطور، وهو ما دفع واشنطن لفرض قيود مشددة على تصدير المعالجات الدقيقة رغم اعتراضات المصنعين الأمريكيين.

وفي هذا السياق، تطرح هيئة الإذاعة البريطانية إمكانية التوصل إلى "مقايضة كبرى" تحدد شكل التعاون التكنولوجي لسنوات قادمة، حيث يمكن لواشنطن الحصول على المعادن النادرة الصينية مقابل تزويد بكين بالرقائق الأمريكية المتطورة.

وتسيطر الصين على 90% من هذه المعادن الضرورية لكافة التقنيات الحديثة من الهواتف الذكية إلى المحركات النفاثة، ما يجعلها بمثابة "مضيق هرمز الصيني" الذي تملك بكين سلطة إغلاقه في أي وقت، وهو ما يمنحها ورقة ضغط هائلة في مفاوضاتها مع ترامب لكسر العزلة التقنية المفروضة عليها، وفقا لـ"بي بي سي".

من جانبها، تشير "رويترز" إلى أن الصين تسعى خلال هذه القمة لانتزاع التزام من إدارة ترامب بعدم اتخاذ إجراءات تجارية انتقامية مستقبلية، بما في ذلك ضوابط تصدير التكنولوجيا أو التحقيقات في الممارسات التجارية غير العادلة.

وتشدد الوكالة البريطانية، على أن بكين تضغط بوضوح للتراجع عن القيود الحالية المفروضة على معدات صنع الرقائق ورقائق الذاكرة المتقدمة، في وقت تعمل فيه على تعزيز نفوذها الاقتصادي عبر سن قوانين لمعاقبة الكيانات الأجنبية التي تنقل سلاسل التوريد بعيدا عن أراضيها.

يتضح ذلك، ن طبيعة الوفد المرافق للرئيس الأمريكي في زيارته المرتقبة إلى بكين، إذ يضم رؤساء شركات كبرى مثل إيلون ماسك وتيم كوك، مما يعكس رغبة قطاع الأعمال الأمريكي في إيجاد مسار مستقر للتجارة الرقمية يتجاوز حالة الاضطراب التي هزت أسس الاقتصاد العالمي لسنوات.

المسار المستقبلي.. قمة التحول أم "وقف إطلاق نار" سطحي؟

ترى سكوت كينيدي، الخبير بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن النتيجة المرجحة لهذه القمة هي "وقف إطلاق نار سطحي" يصب في مصلحة الصين بشكل كبير.

وتؤكد كينيدي في تصريحات لـ"رويترز"، أن تمديد الهدنة التجارية الهشة قد يكون كافيا لترامب ليدعي تحقيق فوز سياسي، خصوصا مع تحول الرأي العام الأمريكي؛ حيث أظهر استطلاع حديث أن 53% من الأمريكيين يؤيدون الآن التعاون الودي والارتباط مع الصين، في حين يرفض أكثر من 60% منهم استمرار حرب إيران التي استنزفت موارد البلاد وأضرت بمعدلات تأييد الرئيس قبل الانتخابات القادمة.

بدوره، يلفت كيرت كامبل إلى أن التحدي المركزي يكمن فيما ستسفر عنه هذه "المبارزة الفردية" أمام أنظار العالم التي تترقب النتائج كجمهور يشاهد صراعا حاسما.

ويعتبر كامبل، أن التساؤل الأهم الذي سيحدد مسار العلاقات لسنوات قادمة هو ما إذا كان الزعيمان سيخرجان وهما يقودان العربة معا، أم سيجر أحدهما الآخر خلفه، مؤكدا أن أي تنازلات أمريكية في ملفي تايوان والتكنولوجيا مقابل وعود صينية بشراء البقوليات ولحوم البقر ستعني أن "الغموض الاستراتيجي" كان مجرد قناع للخضوع لقوة الصين وطموحاتها المتزايدة.

وتتوقع "بي بي سي" أن تحدد هذه الزيارة الخاطفة رغم ضيق وقتها، مسار المفاوضات والعلاقات بين القوتين العظميين لسنوات طويلة قادمة، مشيرة إلى أن القمة تمثل نقطة التحول الجوهري في الصراع على السيادة العالمية، حيث سيعتمد المستقبل على مدى قدرة ترامب وشي جين بينج على إيجاد أرضية مشتركة للتعايش أو الانزلاق نحو صدام أوسع، مما يجعل من لقاء بكين اللحظة الأكثر تأثيرا في رسم ملامح النظام الدولي الجديد في العصر التكنولوجي والجيوسياسي الراهن.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان