إعلان

بين مطالب واشنطن وأوراق طهران.. هل ينجح ترامب في عقد اتفاق نووي جديد؟

كتب : محمود الطوخي

04:14 م 12/05/2026

ترامب

تابعنا على

واجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تحديد أهداف الصراع مع طهران، منذ أن شنت الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل، حربا ضد إيران في أواخر فبراير الماضي؛ إذ تأرجح تركيزه بين المطالبة بتغيير النظام، وإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، وصولا إلى تأمين الممر الملاحي في مضيق هرمز.

وفي معظم الأحيان، ركز ترامب على ضرورة تقليص البرنامج النووي الإيراني، وهو هدف يراه محللون "غريبا" لحرب لم تمس القدرات النووية إلا بصعوبة، لكنه يبدو ملائما لزعيم انسحب عام 2018 من اتفاق باراك أوباما المعروف بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة"، وادعى قبل عام أنه "سحق" برنامج طهران تماما.

ويطمح ترامب، بحسب ما كتبه في منشور على حسابه بمنصة "تروث سوشيال" في أواخر أبريل الماضي، لاتفاق "أفضل بكثير" من الاتفاق السابق.

تحديات الاتفاق الجديد: لماذا تبدو مهمة ترامب مستحيلة؟

يرى ماثيو شارب، الزميل الأقدم في مركز سياسة الأمن النووي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والخبير السابق في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، ونيت سوانسون، الزميل المقيم ومدير مشروع استراتيجية إيران في المجلس الأطلسي والمدير السابق لملف إيران بمجلس الأمن القومي، أن تحقيق هذا الاتفاق سيكون أكثر صعوبة مما يدركه ترامب.

يُرجع الخبيران ذلك في تقريرهما الذي نشرته مجلة "فورين أفيرز"، إلى تقدم القدرات النووية الإيرانية بشكل كبير منذ انسحاب ترامب من المعاهدة الأولى.

ووفقا لتقارير عامة، تركز المفاوضات الجارية حاليا بين إيران وأمريكا على عنصرين أساسيين: مدة تعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم، ومصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.

ورغم أهمية هذين العنصرين، يؤكد الباحثان اللذان شاركا سابقا في فرق التفاوض الأمريكية، أنهما غير كافيين؛ فخلال السنوات الـ7 الماضية، طورت إيران قدرتها على تصنيع وتركيب أجهزة طرد مركزي أكثر قوة، ما قلص الزمن اللازم لإنتاج مواد السلاح النووي، بالتزامن مع وجود فجوات كبرى في معرفة المفتشين الدوليين بنطاق البرنامج الحالي.

سباق مع الزمن.. كيف تحولت إيران من "المشي" إلى "الركض" النووي؟

يشير شارب وسوانسون، إلى أنه رغم تضرر قدرات التخصيب الإيرانية بشدة جراء الضربات الأمريكية والإسرائيلية في يونيو الماضي فيما يُعرف بـ"حرب الـ12 يوما"، إلا أن التحدي الذي يواجهه الرئيس الأمريكي الآن أكبر مما كان عليه عام 2015.

ويوضح الخبيران أن الحرب رغم تسببها في مقتل علماء نوويين وتدمير أجزاء من منشأتي "فوردو" و"نطنز"، لم تمحُ "المعرفة التقنية" التي اكتسبتها طهران.

وبحلول يونيو 2025، أصبحت أجهزة الطرد المركزي الإيرانية أكثر كفاءة بـ6 مرات مما كانت عليه في 2015، كما طورت طهران سرعة التركيب لتصبح أسرع بـ3 مرات، مما قلص زمن إمكانية إنتاج سلاح نووي بشكل كبير.

واستخدم الباحثان تشبيها دقيقا لوصف تطور العلاقة بين إيران وأمريكا في هذا الملف؛ فبموجب اتفاق 2015، كانت إيران "تمشي" نحو السلاح النووي وتحتاج لعام كامل للوصول إليه، أما الآن فقد تعلمت "الركض".

ويقدر شارب وسوانسون، أنه حتى لو دُمرت منشآت "نطنز" و"فوردو" بالكامل، فإن طهران ستحتاج لـ6 أشهر فقط لتركيب أجهزة جديدة في مكان آخر وإنتاج مادة كافية لسلاح نووي واحد، وهي فترة تتقلص أكثر إذا احتفظت بمخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب.

فجوات الرقابة.. منشآت تحت الأنقاض وأخرى مجهولة الموقع

إلى جانب ذلك، ينبه الباحثان إلى معضلة كبرى تواجه إدارة ترامب، تتمثل في "الفجوات المعرفية"؛ فبينما تقبع المواقع المعروفة تحت الأنقاض نتيجة حرب إيران الأخيرة، يظل الغموض سائدا بشأن وجود منشآت سرية.

ويستشهد سوانسون وشارب بتاريخ إيران في بناء مواقع سريّة مثل "نطنز" و"فوردو" في مطلع القرن الـ21.

وفي أوائل عام 2025، أعلنت إيران عن منشأة ثالثة في "أصفهان"، وسط مخاوف من وجود موقع آخر في "جبل بيكاكس".

وما يزيد الأمر تعقيدا هو انهيار برنامج مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في عام 2021، عقب اغتيال العالم محسن فخري زاده الذي اغتاله عملاء إسرائيليون.

ومنذ ذلك الحين، أنتجت إيران عشرات الآلاف من أجهزة الطرد المركزي التي لا يُعرف مكان توزيعها بدقة، ما يفتح الباب أمام احتمال استخدامها في منشآت سرية لإنتاج مواد صالحة للأسلحة.

معضلة "العسكرة".. التحدي الذي يتجاوز التخصيب

يكشف التقرير عن تحول جوهري في طبيعة التحدي؛ فاتفاق 2015 ركز على "التخصيب" لسهولة مراقبته، لكن "العسكرة"، تحويل اليورانيوم المخصب إلى رأس حربي، أصبحت الآن القلق الأكبر.

وتتضمن العسكرة أنشطة مثل النمذجة الحاسوبية واختبار المتفجرات، وهي عمليات يمكن إجراؤها في منشآت صغيرة يصعب تمييزها.

ويؤكد الباحثان، أن وكالات الاستخبارات الأمريكية أسقطت في عام 2024 تقييمها القديم الذي كان يفيد بأن إيران لا تسعى لـ"العسكرة"، بينما تزداد صعوبة الرقابة الآن لأن طهران تزعم أن تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية هو ما سهل عمليات التجسس التي أدت لضربات عامي 2025 و2026.

كيف يضمن ترامب عدم تحول إيران لقوة نووية؟

يرى ماثيو شارب ونيت سوانسون، أن الحل الدبلوماسي لتهديدات إيران وأمريكا لا يزال يصب في مصلحة واشنطن الوطنية، لكن معايير النجاح التي وضعت في 2015 لم تعد كافية اليوم.

ويوضح التقرير، أن التخلص من مخزونات اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، الذي يصفه ترامب بـ"الغبار النووي"، سيقضي على القلق الملح، كما أن اقتراح طهران بتعليق التخصيب لمدة 5 سنوات يتجاوز قيود الاتفاق السابق، لكنه يظل غير كاف.

ويشدد الباحثان على ضرورة أن يتضمن أي "اتفاق جيد" 4 بنود رئيسية: إلزام طهران باستئناف تنفيذ "البروتوكول الإضافي" لكشف المنشآت السرية، وإجراء جرد كامل وشامل لجميع أجهزة الطرد المركزي المنتجة منذ عام 2021 رغم وجود المصانع تحت الأنقاض حاليا، وتقديم معلومات يمكن التحقق منها حول الأبحاث العسكرية ذات التطبيقات النووية المحتملة، وأخيرا ضمان حق الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تفتيش المواقع العسكرية دون أي غموض قانوني.

"نقص التخطيط".. حرب إيران تكشف ثغرات واشنطن

ينتقد شارب وسوانسون، غياب التفاصيل في خطاب إدارة ترامب بشأن أدوار التحقق والرقابة، معتبرين ذلك "علامة مقلقة للغاية".

ويشير الباحثان إلى أن المجهود الحربي الأمريكي بأكمله اتسم بنقص التخطيط المسبق، حيث لم تبذل الإدارة جهدا كافيا لرسم مسار لحرب إيران وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي وتحالفات واشنطن ومصداقيتها.

ويؤكد الباحثان اللذان شاركا في إدارات أمريكية سابقة، على أن الاتفاق النووي "ضروري ولكنه غير كافٍ"؛ فالحرب أثبتت أن التهديدات الأكثر إلحاحا التي تواجه المصالح الأمريكية هي قدرة طهران على التحكم في مضيق هرمز وبرنامجها الصاروخي.

ويحذران من أن أي اتفاق يركز فقط على المواقع المعروفة والمخزونات، دون معالجة القدرة التقنية المتزايدة أو احتمالات "العسكرة" السرية، لن يمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، بل سيدفع بجهودها إلى العمل السري بشكل أعمق، ما يجعل العثور على حل مستقبلي في صراع إيران وأمريكا أمرا شبه مستحيل.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان