إعلان

لمسافة 4300 كيلومتر.. كيف كانت رحلة سلاح أُعد لمحاولة اغتيال ترامب؟

كتب : محمد طه

03:45 ص 27/04/2026

مشهد تمثيلي لـ محاولة اغتيال ترامب (AI)

تابعنا على

في قبو محصن يعج بنخبة السياسة والإعلام، في فندق "واشنطن هيلتون"، كان الرئيس الأمريكي يقف محاطًا بطوق أمني يُوصف بأنه الأعتى في العالم. كلاب بوليسية، وأجهزة مسح متطورة، ومئات من عملاء الخدمة السرية يراقبون كل شاردة وواردة في المحيط الخارجي. لكن ما لم تدركه تلك الترسانة الأمنية المعقدة، أن الخطر الحقيقي لم يأتِ من الشارع، ولم يحاول اقتحام البوابات عنوةً. لقد كان أسوأ كوابيسهم مختبئًا بهدوء تام في مكان لم يتوقعه أحد، في انتظار ساعة الصفر لتنفيذ عملية مخططة سلفًا غرضها اغتيال ترامب.

لقد كانت رحلة صامتة ومرعبة امتدت لمسافة 4300 كيلومتر، قطعتها ترسانة موت متكاملة ببطء شديد عبر شرايين الولايات المتحدة، متجاوزةً أحدث الرادارات وأنظمة الرقابة الفيدرالية دون أن تثير ارتيابًا واحدًا.

فكيف إذن نجح عقل مُدبر في استغلال "نقاط عمياء" قاتلة ليخترق أشد الدروع الأمنية تعقيدًا؟ وكيف تحولت ثغرة مدنية تبدو بريئة إلى جسر عبور كاد أن يغتال الرئيس ويغير مجرى التاريخ الأمريكي للأبد؟

من هنا بدأ التفكير في محاولة اغتيال ترامب

في أغسطس من العام الماضي 2025، اتخذ كول توماس ألين، البالغ من العمر 31 عامًا، خطوة هادئة ومدروسة في مدينة تورانس بولاية كاليفورنيا الواقعة على ساحل المحيط الهادئ.

ألين، وهو مهندس خريج معهد "كالتيك" العريق ومُعلم سابق حصل على تكريم "مُعلم الشهر"، دخل إلى متجر أسلحة محلي واشترى بندقية صيد من طراز "Maverick 12-gauge" بشكل قانوني تمامًا، وفقًا لوثائق التحقيق المنشورة. وقد انضمت هذه البندقية إلى ترسانة خاصة تشمل مسدس نصف آلي كان قد اقتناه مسبقًا في أكتوبر من عام 2023.

إنفوجراف السلاح

تحدي نقل الترسانة

وبينما كان الحصول على السلاح أمرًا متاحًا ويسيرًا، تمثل التحدي اللوجستي الأكبر أمام ألين في كيفية نقل هذه الترسانة من أقصى الغرب الأمريكي إلى الساحل الشرقي وتحديدًا إلى العاصمة واشنطن.

أدرك ألين تمامًا أن الصعود إلى طائرة تجارية وبحوزته بندقية ومسدس وكمية من السكاكين سينتهي بالقبض عليه فورًا في أول نقطة تفتيش؛ فأجهزة الفحص الإشعاعي المتطورة التي تديرها إدارة أمن النقل الأمريكية في المطارات مصممة خصيصًا لاكتشاف هذا النوع من التهديدات في دقائق معدودة، وهو ما دفعه للتفكير في مسار بديل وأقل صرامة.

كيف نقل منفذ هجوم "اغتيال ترامب" ترسانته؟

لتجاوز هذا العائق، اختار ألين مسارًا أبطأ بكثير وشبه أعمى من الناحية الأمنية. إذ بناءً على التفاصيل الدقيقة التي كشف عنها القائم بأعمال المدعي العام الأمريكي تود بلانش، تجنب ألين السفر جوًا بالكامل.

وعوضًا عن ذلك، عبأ أسلحته داخل حقائب سفر عادية واستقل قطارًا تابعًا لشركة السكك الحديدية الأمريكية "أمتراك" من لوس أنجلوس متجهًا إلى شيكاغو. ومن شيكاغو، استقل قطارًا آخر ليكمل رحلته الطويلة وصولًا إلى العاصمة واشنطن.

ثغرة محطات القطار

هذا المسار الاستراتيجي استغل ثغرة تاريخية طالما حذر منها خبراء الأمن الداخلي في الولايات المتحدة؛ إذ أنه وعلى عكس المطارات التي تُخضع كل حقيبة وكل مسافر لمسح ضوئي دقيق، تفتقر محطات القطارات في أمريكا إلى بنية تحتية أمنية تفرض مرور الأمتعة عبر أجهزة كشف المعادن أو الماسحات الإشعاعية الشاملة.

وهكذا، سافرت ترسانة سلاح منفذ الهجوم لمسافة تقارب 4300 كيلومتر عبر الأراضي الأمريكية، عابرة ولايات متعددة، من دون أن تثير أدنى شك أو تستدعي تفتيشًا واحدًا من قبل السلطات الفيدرالية طوال أيام الرحلة.

اقرأ أيضًا: يحرق "أمريكا أولًا".. كيف أصابت "لعنة إيران" ترامب في الداخل؟

ثغرة مهدت رحلة سلاح عملية "محاولة اغتيال ترامب"

عند وصوله إلى العاصمة واشنطن يوم الجمعة، أي قبل الفعالية الرئاسية بـ 24 ساعة، نفذ ألين الجزء الأكثر دهاءً في خطته: تجنب المهاجم التوجه إلى محيط فندق واشنطن هيلتون كمتظاهر غاضب أو كشخص غريب يسعى للتسلل من الأبواب الخلفية، واختار السير عبر الأبواب الزجاجية الرئيسية للفندق بكل ثقة، ساحبًا خلفه حقائبه التي تخفي البندقية والمسدس والسكاكين.

تقدم ألين نحو مكتب الاستقبال، وقدم أوراقه، وسجل دخوله كـ "نزيل" رسمي في المبنى الذي سيستضيف أهم عشاء سياسي في البلاد، كما أوضحت التقارير الاستقصائية.

في العقيدة الأمنية الصارمة لجهاز الخدمة السرية، تُدار الفعاليات الرئاسية الكبرى بنظام يُعرف بـ "حلقات الأمن متحدة المركز".

الحلقة الخارجية تهدف إلى تأمين المبنى من التهديدات ومنع دخول الجمهور العادي. وتستثني هذه الحلقة من التفتيش حاملي التذاكر، والمسؤولين، ونزلاء الفندق المسجلين. ولأن ألين كان يحمل صفة النزيل بشكل قانوني، فقد اجتاز هذا الطوق الأمني الأول دون أي احتكاك.

وما زاد من فداحة هذه الثغرة هو خلو المداخل الرئيسية للفندق المطلة على الشارع من أجهزة كشف المعادن الثقيلة. وعوضًا عن ذلك، تم تركيزها وتجميعها في خط دفاعي أخير عند المداخل السفلية المؤدية مباشرة إلى قاعة العشاء. هذه الاستراتيجية سمحت للمهاجم بالصعود إلى غرفته العلوية بأمان، والمبيت ليلته داخل "المنطقة المتوسطة" للتأمين، محتضنًا ترسانته على بعد مسافة قصيرة جدًا من القاعة التي سيقف فيها الرئيس ترامب.

محاولة اغتيال ترامب (7)_1

كيف سخر منفذ محاولة اغتيال ترامب من الأمن؟

مساء السبت، وبينما كانت التعزيزات الأمنية تتضاعف في الطوابق السفلية استعدادًا لوصول الموكب الرئاسي، كان ألين يجلس في غرفته العلوية يضع اللمسات الأخيرة على هجومه.

في تمام الساعة 8:26 مساءً، أي قبل 10 دقائق فقط من لحظة إطلاق النار، أرسل المهاجم رسالة مطولًا عبر البريد الإلكتروني إلى والديه. وفي هذه الرسالة المروعة التي صادرها مكتب التحقيقات الفيدرالي، وصف ألين نفسه بأنه "قاتل فيدرالي ودود".

رسالة القاتل

تجاوزت الوثيقة كونها مجرد رسالة وداع، لتشكل إعلانًا صريحًا عن نوايا ارتكاب مجزرة جماعية. سرد ألين سلسلة من المظالم السياسية والشخصية ضد إدارة ترامب، مؤكدًا سعيه لاستهداف أكبر عدد ممكن من مسؤولي الإدارة المتواجدين في الحفل.

والأكثر إثارة للصدمة في هذه الرسالة هو السخرية اللاذعة التي وجهها المهاجم للإجراءات الأمنية. فقد كتب نصًا مبديًا استغرابه من سهولة اختراقه للمكان، مشيرًا إلى أن الشيء الوحيد الذي لاحظه فور دخوله الفندق هو الغطرسة، ومؤكدًا أنه دخل بأسلحة متعددة دون أن يفكر شخص واحد للحظة في احتمال كونه تهديدًا.

هذه الكلمات كانت بمثابة توثيق حي لانهيار الحلقة الأمنية الخارجية وتأكيد لنجاح خدعة النزيل.

"تُمثل الفنادق التجارية الفاخرة تحديًا استثنائيًا وكابوسًا لوجستيًا لأجهزة حماية الشخصيات رفيعة المستوى. فعلى عكس القواعد العسكرية أو المباني الحكومية المحصنة التي يسهل إغلاقها وتفتيش كل من يدخل إليها، يتميز الفندق التجاري بهيكل معماري معقد يمتلئ بمئات الغرف، والممرات الطويلة، ومصاعد الخدمة.

ونظرًا لصعوبة إخلاء المبنى بالكامل من النزلاء والعمال لأسباب تجارية، يضطر جهاز الخدمة السرية لترك هذه المساحات مفتوحة للتشغيل الطبيعي. هذا التصميم يخلق "نقاطًا عمياء" ومساحات رمادية واسعة، تسمح لمن يحمل الحق المشروع في التواجد كنزيل، بتخزين الأسلحة وتجهيز هجومه من الداخل وفي عمق المحيط الأمني."

النقطة العمياء في العاصمة.. تجميع سلاح منفذ الهجوم

مع اقتراب الساعة 8:36 مساءً، حانت لحظة التنفيذ. غادر ألين غرفته الفندقية وبدأ في النزول نحو الطوابق السفلية.

متجاوزًا ممرات النزلاء التي كانت تفتقر لرقابة أمنية لصيقة، اقترب المهاجم من محيط القاعة الكبرى. وكان يواجه مشكلة تكتيكية؛ فبندقية الصيد كانت لا تزال مفككة داخل حقيبته لتسهيل إخفائها. هنا، تجلت كارثية "النقاط العمياء" المعمارية داخل الفنادق التجارية.

مجريات التحقيق نفسه أشارت إلى أن ألين استغل مساحة غير مؤمنة ومخفية جزئيًا عن أنظار الكاميرات ورجال الأمن، يُرجح أنها غرفة مؤقتة أو زاوية مخصصة لتخزين "عربات المشروبات" بالقرب من المدخل المؤدي للسلالم المتجهة للقاعة.

وفي هذه المساحة الرمادية المعزولة، تمكن ألين من إخراج أجزاء البندقية من حقيبته وتجميعها بهدوء تام.

لقد استغرق الأمر ثواني معدودة ليحول قطعه المعدنية المفككة إلى سلاح طويل جاهز للإطلاق، وكل ذلك حدث على بعد أمتار قليلة من الحزام الأمني الأخير الذي يحمي رئيس الولايات المتحدة.

محاولة اغتيال ترامب (9)_1

رصاص في مواجهة درع الخدمة السرية

بمجرد اكتمال تجميع السلاح، انطلق ألين بسرعة واندفع نحو نقطة التفتيش الأمنية الداخلية التابعة للخدمة السرية، والملاصقة مباشرة لأبواب قاعة العشاء. هناك، اصطدم المهاجم بخط الدفاع الأخير والأقوى، حيث التقطت كاميرات المراقبة، وفقًا لتصريحات شرطة واشنطن، لحظة اقتحامه لبوابات كشف المعادن وهو شاهر بندقيته ومسدسه.

بادر ألين بإطلاق النار فورًا، مطلقًا ما بين خمس إلى ثماني رصاصات سريعة في اتجاه نقطة التفتيش.

أصابت إحدى هذه الرصاصات عميلًا في الخدمة السرية مباشرة في منطقة الصدر، وتدخلت السترة التكتيكية الواقية التي كان يرتديها لتحول دون اختراق الرصاصة لجسده، منقذةً حياته في اللحظة الأخيرة.

كان رد فعل عملاء الخدمة السرية المتواجدين في الموقع فوريًا وحاسمًا، حيث استمرت المواجهة النارية ثوانٍ معدودة قبل أن ينقض العملاء بشراسة على ألين، ويطرحوه أرضًا، ويحكموا السيطرة عليه، مجردين إياه من أسلحته التي شملت البندقية، والمسدس، وعدة سكاكين حادة كان يخبئها.

في تلك الأثناء، وفي استجابة لبروتوكولات الطوارئ، تحركت فرق التدخل السريع داخل القاعة السفلية وشكلت درعًا بشريًا حول الرئيس دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس، ليتم إجلاؤهما فورًا وبأمان عبر مسارات خلفية معدة سلفًا لمثل هذه السيناريوهات الكارثية.

انتهت محاولة الاغتيال بالقبض على المهاجم حيًا، ليخضع لاحقًا لاستجوابات مكثفة من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي. ورغم إشادة قادة الشرطة بشجاعة وتكتيك الخدمة السرية التي أوقفت التهديد ومنعت وقوع مجزرة دموية داخل القاعة، فإن مجرد وصول مسلّح يحمل ترسانة أسلحة إلى هذا العمق داخل محيط رئاسي فتح بابًا واسعًا للمساءلة، تاركًا واشنطن تبحث عن إجابات حول كيفية تحول ثغرات مدنية بسيطة إلى جسر عبور كاد أن يغير مسار التاريخ السياسي للولايات المتحدة.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان