إعلان

حرب إيران.. كيف أتاح قمر اصطناعي صيني استهداف القواعد الأمريكية بالمنطقة؟

كتب : محمود الطوخي

01:00 م 15/04/2026 تعديل في 01:47 م

صاروخ إيرانية

تابعنا على

كشف تحقيق لصحيفة "فايننشال تايمز" عن حصول طهران سرا على قمر تجسس صيني منحها قدرة لاستهداف القواعد الأمريكية بالشرق الأوسط خلال حرب إيران الأخيرة.

وأظهرت وثائق عسكرية إيرانية مسربة استحواذ القوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري الإيراني على القمر المعروف باسم "TEE-01B" أواخر عام 2024 بعد إطلاقه إلى الفضاء من الصين.

وبيّنت قوائم الإحداثيات المختومة بالوقت وصور الأقمار الصناعية والتحليل المداري تكليف القادة العسكريين الإيرانيين للقمر لاحقا بمراقبة مواقع عسكرية أمريكية رئيسية، حيث التقطت الصور في شهر مارس قبل وبعد هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ على تلك المواقع.

آلية تسليم القمر الصيني وسط حرب إيران وأمريكا

وبنت شركة "إيرث آي" الصينية القمر وأطلقته، وهي شركة تقدم خدمة التسليم في المدار، وهو نموذج تصدير غير معروف كثيرا يتم بموجبه نقل المركبات الفضائية التي تطلق في الصين إلى عملاء في الخارج بعد وصولها إلى المدار.

ومنحت الاتفاقية الحرس الثوري الإيراني إمكانية الوصول إلى المحطات الأرضية التجارية التي تديرها شركة "إمبوسات" ومقرها بكين، والتي تقدم خدمات التحكم في الأقمار الصناعية والبيانات وتمتلك شبكة عالمية تمتد عبر آسيا وأمريكا اللاتينية ومناطق أخرى.

يمثل استخدام الحرس الثوري الإيراني لتقنية قمر تجسس صيني خلال حرب إيران التي استهدفت فيها جيرانها مرارا وتكرارا بالصواريخ والطائرات المسيرة أمرا بالغ الحساسية في جميع أنحاء المنطقة، حيث تعد الصين أكبر شريك تجاري لدول الخليج وأكبر مشتر لنفطها.

أهداف رصدها القمر في ظل صراع إيران وأمريكا

وأظهرت السجلات التقاط القمر صورا لقاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية أيام 13 و14 و15 مارس.

وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 14 مارس تعرض طائرات أمريكية في القاعدة للقصف، ما أسفر عن تضرر 5 طائرات تزويد بالوقود تابعة للقوات الجوية الأمريكية.

أجرى القمر عمليات مراقبة لقاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، ومواقع قريبة من القاعدة البحرية للأسطول الخامس الأمريكي في المنامة بالبحرين، ومطار أربيل في العراق، في نفس الوقت تقريبا الذي أعلن فيه الحرس الثوري الإيراني مسؤوليته عن هجمات على منشآت في تلك المناطق.

شملت المناطق الأخرى التي راقبها القمر معسكر بيورينج وقاعدة علي السالم الجوية في الكويت، وقاعدة كامب لمونيه العسكرية الأمريكية في جيبوتي، ومطار الدقم الدولي في عمان.

ووفقا لـ"فايننشال تايمز"، راقب القمر البنية التحتية المدنية الخليجية مثل منطقة ميناء حاويات خورفكان ومحطة قدفع للطاقة وتحلية المياه في الإمارات، بالإضافة إلى منشأة "ألبا" في البحرين التي تعد من أكبر مصاهر الألمنيوم في العالم.

وقالت نيكول جرايوسكي الخبيرة في الشأن الإيراني بجامعة "سيانس بو": "من الواضح أن هذا القمر الصناعي يستخدم لأغراض عسكرية، حيث تديره القوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري الإيراني وليس برنامج الفضاء المدني الإيراني".

وأضافت: "إيران بحاجة ماسة إلى هذه القدرة المقدمة من الخارج خلال هذه الحرب، لأنها تسمح للحرس الثوري الإيراني بتحديد الأهداف مسبقا والتحقق من نجاح ضرباته".

مواصفات دقة القمر وتأثيرها على حرب إيران

يتمتع القمر بقدرة على التقاط صور بدقة تبلغ حوالي نصف متر، وهي دقة قابلة للمقارنة بصور الأقمار الصناعية الغربية عالية الدقة المتاحة تجاريا، ما يمثل ترقية كبيرة لقدرات إيران المحلية ويسمح للمحللين بتحديد الطائرات والمركبات والتغيرات التي تطرأ على البنية التحتية.

قدرت دقة القمر الصناعي العسكري الأكثر تقدما التابع للقوة الجوفضائية للحرس الثوري الإيراني سابقا "نور-3" بناء على الادعاءات الإيرانية بالتقاط صور بدقة تبلغ حوالي 5 أمتار، وهو تحسن مقارنة بصور نظام "نور-2" التي تتراوح دقتها بين 12 و15 مترا، لكنه يظل أقل دقة بحوالي 10 أضعاف من القمر صيني الصنع، وغير كاف لتحديد الطائرات أو مراقبة النشاط في القواعد العسكرية.

يحسن القمر قدرات المراقبة الإيرانية بشكل كبير، حيث تبلغ دقة القمر "TEE-01B" نحو 0.5 متر، وقمر "نور-3" نحو 5 أمتار، وقمر "بايا" 10 أمتار، وقمر "ظفر-2" نحو 15 مترا.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية طائرات عسكرية في قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية في 5 مارس، وفقا لـ "بلانيت لابز".

وذكرت شركة "إيرث آي" على موقعها الإلكتروني أنها نفذت عملية نقل واحدة في المدار إلى دولة لم تذكر اسمها كانت جزءا من مبادرة الحزام والطريق الصينية التي انضمت إليها إيران في عام 2021.

وأضافت أن القمر كان مخصصا للاستخدام في الزراعة ومراقبة المحيطات وإدارة الطوارئ والإشراف على الموارد الطبيعية والنقل البلدي.

تكلفة الصفقة في سياق توترات إيران وأمريكا

وافقت القوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري الإيراني التي تشرف على برامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والفضاء في سبتمبر 2024 على دفع حوالي 250 مليون يوان صيني أو ما يعادل 36.6 مليون دولار للاستحواذ على السيطرة على نظام القمر، وفقا للوثائق التي اطلعت عليها "فايننشال تايمز".

وفصّلت الاتفاقية المقومة باليوان الصيني والموقعة من عميد في القوة الجوفضائية للحرس الثوري التكاليف التي شملت القمر ومنصة إطلاقه والدعم الفني والبنية التحتية للبيانات والخدمات التي يقدمها طرف أجنبي مقابل.

تزود شركة "إمبوسات" بموجب الاتفاقية الحرس الثوري بالبرمجيات والشبكة الأرضية لتشغيل القمر طوال فترة عمره الافتراضي، ما يتيح إرسال الأوامر وتلقي بيانات القياس عن بعد والصور والسماح للحرس الثوري بتوجيه عمليات القمر من أي مكان في العالم.

وصرح جيم لامسون المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية المتخصص في الشأن الإيراني وباحث أول في مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي: "هذا يرقى إلى مستوى استراتيجية تشتيت لأصول الفضاء الإيرانية".

وأضاف: "المحطات الأرضية للأقمار الصناعية الإيرانية التي تعرضت للقصف في عامي 2025 و2026 يمكن ضربها بسهولة بالغة بواسطة صواريخ من مسافة ألف ميل، لكن لا يمكنك ببساطة ضرب محطة أرضية صينية تقع في دولة أخرى".

وأعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي ضرب أهداف متعددة مرتبطة بالفضاء والأقمار الصناعية داخل إيران خلال الصراع الحالي، بما في ذلك مركز الأبحاث الرئيسي التابع لوكالة الفضاء الإيرانية في منتصف شهر مارس.

وأوضح جيش الاحتلال الإسرائيلي أن المركز كان يستخدم لتطوير أقمار صناعية عسكرية وجمع المعلومات الاستخباراتية وتوجيه النيران نحو أهداف في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

وأشار لامسون إلى أن القمر وسع بشكل كبير من قدرة إيران على مراقبة الأصول العسكرية الأمريكية، موضحا: "تمتلك إيران أصول استخبارات بشرية في جميع أنحاء المنطقة تراقب القواعد العسكرية الأمريكية، لذا إذا كنت مخططا عسكريا إيرانيا فإن امتلاك قمر صناعي كهذا لدمجه مع تلك الأصول وأيضا مع صور الأقمار الصناعية الروسية يعد أداة قوية".

تداعيات القمر التجاري على ملف إيران وأمريكا

ويأتي توسع إيران في استخدام قدرات الأقمار الصناعية الأجنبية على خلفية تعميق التعاون مع روسيا التي أطلقت العديد من الأقمار الصناعية الإيرانية في السنوات الأخيرة.

وسعت الصين إلى وضع قطاع الفضاء التجاري الخاص بها في إطار مدني رغم تزايد استخدام تقنياتها في سياقات ذات استخدام مزدوج.

ويراقب المسؤولون الأمريكيون عن كثب شركات الأقمار الصناعية الصينية التي يعتقد أنها تدعم الجهات الفاعلة في الشرق الأوسط والتي تهدد الأمن الأمريكي.

وذكرت "فاينانشال تايمز" العام الماضي أن شركة "تشانغ جوانج" لتكنولوجيا الأقمار الصناعية وهي مجموعة تجارية لها علاقات بالجيش الصيني قدمت صور أقمار صناعية للحوثيين المدعومين من إيران في اليمن لمساعدتهم في استهداف السفن الحربية الأمريكية والسفن الدولية في البحر الأحمر.

وحدد تقرير صادر عن لجنة الصين بمجلس النواب الأمريكي شركة "إمبوسات" الصينية التي توفر البنية التحتية الأرضية للنظام بأن لها علاقات وثيقة بقوة الفضاء التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني، بما في ذلك أفراد مرتبطون بمراكز قيادة إطلاق الأقمار الصناعية الرئيسية.

تأسست شركة "إمبوسات" التجارية على يد ريتشارد تشاو الذي أمضى 15 عاما في العمل في الأكاديمية الصينية لتكنولوجيا الفضاء وهي منظمة تديرها الحكومة.

يمتلك العديد من كبار المسؤولين التنفيذيين والمهندسين في شركة "إيرث آي" صلات ببعض الجامعات الصينية التي يطلق عليها اسم أبناء الدفاع الوطني السبعة بسبب تعاونها الوثيق مع جيش التحرير الشعبي وفقا للموقع الإلكتروني للمجموعة.

وقال أيدان باورز ريجز الخبير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية والذي أجرى أبحاثا حول المجموعة: "تعد شركة إمبوسات نجما صاعدا في قطاع الفضاء التجاري في الصين، لكنها لا تزال نتاجا لمؤسسة الدولة والجيش، فقد أسسها قدامى المحاربين في برنامج الفضاء الذي تديره الدولة في الصين وتم تمويلها باستثمارات من صناديق الاندماج العسكري والمدني الوطنية".

يتزامن الكشف عن عقد القمر مع قلق أمريكي أوسع إزاء المساعدة الصينية لإيران. وقال دنيس وايلدر الرئيس السابق لتحليل الشأن الصيني في وكالة الاستخبارات المركزية إن الصين لها تاريخ في تزويد إيران بالأسلحة كجزء من استراتيجية براغماتية للتأثير على طهران في قضايا أخرى، بما في ذلك إرسال صواريخ "سيلك وورم" المضادة للسفن في الماضي والتي استخدمت لعرقلة الملاحة في مضيق هرمز.

وأوضح شخص مطلع على الوضع رؤية الولايات المتحدة لمؤشرات على دراسة الصين تزويد إيران بصواريخ تطلق من الكتف من النوع الذي استخدمته طهران مؤخرا لإسقاط طائرة مقاتلة أمريكية من طراز "إف-15".

ورفضت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية التعليق على هذا الموقف الذي أوردته شبكة "سي إن إن" لأول مرة.

ويؤكد المحللون أن عمل شركة "إمبوسات" التجاري يبرز الحدود غير الواضحة بين قدرات الفضاء المدنية والعسكرية في الصين.

وذكر مسؤول استخباراتي غربي كبير سابق: "لا توجد طريقة يمكن لأي شركة صينية من خلالها القيام بشيء مثل إطلاق قمر صناعي دون أن يعطيها شخص ما في الإدارة الضوء الأخضر، أعتقد أنه كان من الواضح لبعض الوقت أن الصين كانت تساعد الإيرانيين في مجال الاستخبارات لكنها تحاول إبقاء يد الحكومة خفية".

لم يعلق البيت الأبيض بشكل خاص على العلاقة بين شركة "إمبوسات" والحرس الثوري الإيراني، لكن متحدثا أشار إلى تصريحات أدلى بها الرئيس دونالد ترامب في نهاية الأسبوع حذر فيها من مواجهة الصين لمشاكل كبيرة إذا زودت إيران بأنظمة دفاع جوي.

ردت السفارة الصينية في واشنطن على سؤال عما إذا كانت الحكومة الصينية على علم بالعلاقة بين شركة "إمبوسات" والحرس الثوري قائلة: "نحن نعارض بشدة قيام الأطراف المعنية بنشر معلومات مضللة وتكهنات وتلميحات ضد الصين".

أضاف ليو بينجيو المتحدث باسم السفارة: "نحن نتمسك بموقف موضوعي ومحايد وبذلنا جهودا لتعزيز محادثات السلام، نحن لا ننخرط أبدا في أعمال تؤدي إلى تصعيد الصراعات".

منهجية تتبع القمر وتوثيق حرب إيران

وحللت "فايننشال تايمز" مدار القمر باستخدام بيانات التتبع العامة التابعة لقوة الفضاء الأمريكية، ووجدت أن القمر كان في موقع يسمح له بمراقبة المواقع في الأوقات المدرجة في الوثائق التي تمت مشاركتها مع الصحيفة.

توافقت الطوابع الزمنية والإحداثيات وزوايا المستشعر مع موقع القمر في كل حالة. وأظهرت البيانات الحكومية والتقارير الإعلامية تعرض العديد من المواقع للقصف في الأيام التي سبقت أو تلت مرور القمر.

حددت الصحيفة الأضرار المحتملة باستخدام صور الرادار من القمر "سنتينل-1" التابع لوكالة الفضاء الأوروبية والصور متوسطة الدقة من القمر "سنتينل-2".

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان